ابويا رباني

أبويا ربّاني لوحده بعد ما أمي رمتني وأنا عندي 3 شهور في باسكت العجلة بتاعته… وبعد 18 سنة ظهرت فجأة ووقفت حفلة تخرجي عشان تقول حاجة قلبت الدنيا. أبويا عمره ما كان متخيل إنه يبقى أب وهو عنده 17 سنة. خصوصًا الليلة اللي قبل حفلة تخرجه من الثانوية. على حسب الحكاية اللي كان بيحكيهالي طول عمري، كان راجع البيت بعد شيفت شغل متأخر، ولما قرب من باب البيت لمح حاجة غريبة متسندة على السور. كانت عجلته القديمة. لكن الغريب مش العجلة… الغريب كان اللي جوه الباسكت اللي قدام. طفلة رضيعة. أنا. كان متغطياني بطانية صغيرة، وفيها ورقة متنية ومحطوطة جنبي. مكتوب فيها جملتين بس دي بنتك… وأنا مش قادرة أكمل. ومن يومها… ولا حد شاف، ولا سمع، ولا عرف أي حاجة عن الست اللي
خلفتني. أبويا أصلًا ماكنش يعرف إنها كانت حاىىمل. تاني يوم الصبح دخل حفلة تخرجه من المدرسة، شايل في إيد روب التخرج والكاب… وفي الإيد التانية شايلني أنا. ولحد النهارده عندنا صورة متعلقة في الصالة. ولد عنده 17 سنة، مرىىعوب ومشعارف يعمل إيه، لاىىبس قبعة التخرج، وشايل بيبي صغيرة كأنه خايف تكىىسر لو اتنفس جنبها. بس رغم الخوف… ماهىىربش. ماسبنيش.
ومادانيش لأي حد يربيني مكانه.
قرر يربيني بنفسه.
اشتغل في مواقع البناء بالنهار، وكان بيوصل طلبات أكل بالليل. ساب حلم الجامعة عشان يصرف عليا، واتعلم من فيديوهات الإنترنت إزاي يسرّح شعر البنات ويعمل ضفاير.
كان بيصحى يحضرلي السندوتشات للمدرسة.
ويقعد معايا في المذاكرة.
ويحضر كل حفلات المدرسة وكل المناسبات.
والأهم من ده كله…
خلاني عمري
ما أحس إني البنت اللي أمها اختفت وسابتها.
بالنسبالي…
هو كان الأب والأم والصاحب والسند.
وكان دايمًا كفاية.
عشان كده لما جه يوم تخرجي السنة دي، ماجبتش خطيبي ولا صحابي يمشوا معايا.
جبت أبويا.
كان ماشي جنبي في الملعب اللي اتعمىلت فيه حفلة التخرج، عامل نفسه جامد، بس عينيه كانوا محىىمرين من كتر التأثر.
وأنا كنت شايفة قد إيه هو فخور.
لكن فجأة…
وفي نص الحفل بالظبط…
ست قامت من وسط الناس.
ومشت بخطوات سريعة ناحيتنا.
كل العيون اتجهت ليها.
ولما قربت…
ثبتت نظرها عليا.
وكأنها شافت شبح.
همست بصوت مرتعش
يا نهار أبيض…
فضلت تبصلي كام ثانية من غير ما تنطق.
وبعدين قالت بهدوء خلى قلبي يقف من مكانه
أنا… أمك.
لمة واحدة بس نطقتها، لكنها كأنها ضربة سكين في قلبي وقلب أبويا معًا. سكتت الموسيقى اللي كانت شغالة في الخلفية، والكل وقف يتفرج، وعيونهم كلها متعلقة بيني وبينها. كنت واقفة مش عارفة أحرك إصبع، جسمي كله تجمد، ودماغي بدأت تدور بسرعة جنونية إزاي؟ معقولة دي الحكاية الحقيقية؟ إيه اللي جابها دلوقتي بعد كل السنين دي؟
أبويا شدني بسرعة وراه، وحط جسمه كله قدامي كأنه بيحميني من خطىىر جاي يهاجمنا. صوته كان خشن ومتوتر، رد عليها بصوت عالي شوية عشان يسمعه اللي حواليه ويثبت موقفه إيه اللي بتقوليه ده؟ إيه اللي جابك هنا؟ إيه اللي لسه بتفكري فيه بعد ما سيبتيها وهي لسه طفلة مش عارفة تمىىسك إيدها؟
الست دي اللي بتقول إنها أمي كانت واقفة، وجهها تعبان وعليه آثار السنين، عيونها مليانة دموع، ويدها بتترعش وهي بتحاول تمدها ناحيتي لكن ما قدرت تقرب
أكتر. قالت بصوت مكسور ومرتعش أنا عارفة إن الحق عليا، وعارفة إن الكلام ده جاي متأخر جدًا، بس صدقوني ما كانش في إيدي حل تاني وقتها. جيت هنا مش عشان أطلب حاجة، ولا عشان آخذها منكم، جيت بس عشان أقول الحقيقة كاملة، عشان ما تفضل الصورة ناقصة، وعشان أرتاح أنا من الحمل اللي شيلته على ظهري كل السنين دي.
أبويا بصلها بنظرة مليانة غضب ومرارة، وقال حقيقة إيه؟ الحقيقة اللي نعرفها كلنا إنك جيتي وسيبتي بنتك في سلة عجلة قدام باب بيت شاب لسه عمره 17 سنة، لسه بيدرس وبيحاول يبني مستقبله، وتركتي له أمانة أثقل من الجبال ومشيتي ولا سألتي ولا سمعتي صوتها ولا فكرتي فيها ولا مرة؟ دي الحقيقة ولا فيه غيرها؟
الست بدأت دىموعها تنزل بغزارة، ومسحت وشها بكم فستانها، وقالت بصوت هادي بس واضح لكل اللي حواليها اسمحوا لي أتكلم، وبعدين احكموا عليا باللي تشوفوه مناسب. وقتها، قبل 18 سنة، كنت بنت في نفس عمره تقريبًا، جاية من عائلة صارمة جدًا، عاداتهم وتقاليدهم قاىىسية لدرجة ما تتخيلوها. لما عرفت إني حامل، الدنيا كلها انقىىلبت عليا. أهلي هدىىدوني
إنهم يقتلوني أو يرموني في الشارع لو فضلت الطفل، وقالوا لي إنها عار وشينة ومش هيعىىترفوا بيا أبدًا. كنت خايفة لدرجة ما أقدر أتكلم، مش عارفة أروح فين، ولا أعتمد على مين.
وقفت شوية عشان تاخد نفسها، وكملت لقيت نفسي محاصرة بين نارين إما أضيع نفسي وأمىىوت مع الطفل، وإما أحاول ألاقي لها حل يخليها تعيش. كنت عارفة إن أبوها شاب طيب، سمعت كلام كتير عن أخلاقه، وعرفت إنه لو عرف بالحقيقة مش هيىىرفض المسؤولية. بس ما كنتش أقدر أواجهه،
ولا أقدر أقول له قدام أي حد إني خلفت منه، خايفة عليه وعلى مستقبله هو كمان. ففكرت في القرار الأسوأ والأصعب في حياتي كلها أسيبها له، وأمشي، عشان أضمن لها إنها تعيش في أمان، وعشان ما أجيب له مشاكل مع أهلي أو مع المجتمع وقتها. كتبت له الورقة، وسيبتها له، ومشيت وأنا قلبي مكسور، وكل خطوة كنت بمشيها كأنها سكينة في جسمي.
الجميع كان ساكت، وحتى أبويا بدأت نظرة الغضب تىىقل شوية وتحل محلها نظرة تعجب وحيرة. سألها بلهجة أهدأ شوية بس لسه فيها شك وليه ما رجعتيش تسألي؟ وليه ما جيتي تطمني عليها ولا مرة؟
ردت عليه وهي بتبكي أكتر لأنني كنت خايفة إن وجودي يفسد عليها حياتها، ويفسد حياتك أنت كمان. قلت لنفسي لو عرف الناس الحكاية، هيتكلىىموا عليكم، وهيجعلوا منها هدف للكلام والغمز. فقررت أبقى بعيدة، أراقبكم من بعيد جدًا، من غير ما تعرفوا بوجودي. كل سنة كنت أعرف أخبارها، أعرف إنها كبرت، نجحت في دراستها، وإنك قمت بدورك على أكمل وجه، وربيتها أحسن تربية. وكل ما كنت أعرف خبر كويس عنها، كنت أحس براحة بسيطة، لكن الندم كان يكبر في قلبي أكتر وأكتر، لأني كنت عارفة إنني أخذت منها حقها في الأمومة، وحرمت نفسي منها أكتر.
التفتت ناحيتي، ونظرت لي بنظرة مليانة شوق وندم، وقالت يا بنتي لو تعرفي إيه اللي شيلته في قلبي كل السنين دي، كل ليلة كنت أنام وأنا أبكي، أتخيل شكلك، صوتك، كبرك، وأنا بعيدة ومش قادرة أقرب. ما جيت دلوقتي عشان أكون أمك من جديد، ولا عشان أطالبك بحق ولا أي حاجة، ولا عشان أشارك في نجاحك اللي تعبت فيه أنت وأبوك. جيت بس عشان أقول لك إنك لسه
في قلبي من أول يوم، وإن قراري ده كان نابع من ضىىعف وخوف،








