المجذوب

يوم طلاقي، أقسم أبي أمام طليقي وقال له: “بنتي هتتجوز أول شخص يطلبها، مهما كان!” وفجأة تدخل جارنا صلاح وقال إنه يريد الزواج مني. كانت صدمتي كبيرة عندما وافق أبي عليه، لكن المفاجأة الحقيقية كانت ما فعله العريس ليلة الفرح أمام طليقي وأهله!
من أول يوم زواج، اكتشفت الجانب الصعب من شخصية حمدي طليقي، ومن والدته وشقيقته. كانت والدته تعاملني بقسوة، وكانت شقيقته تتدخل باستمرار بيني وبينه، بينما كان هو يتبع كلامهما في معظم الأمور.
تحولت حياتي معهم إلى معاناة يومية، حتى قررت عائلتي التدخل لإنهاء هذه الحياة. لكن حمدي وأسرته لم يتركوا الأمر يمر بسهولة، واستمروا في الضغط علينا والتسبب في مشكلات متكررة، حتى وصلنا إلى مرحلة تمنيت فيها أن يتم الطلاق بأي طريقة، حتى لو اضطررت للتنازل عن بعض حقوقي، المهم أن تنتهي تلك المرحلة.
ويوم الطلاق، وبعد فترة طويلة من الخلافات والإجراءات، تم الطلاق رسميًا. لكن طليقي لم يغادر دون أن يترك وراءه كلمات مستفزة.
وقف أمام منزلنا، ونظر إلى أبي بابتسامة ساخرة وقال:
“مبروك عليكم الطلاق! عقبال ما تلاقولها عريس كويس بقى.. يكون من نفس مستوايا!”
كان أبي غاضبًا جدًا، فأجاب دون تفكير:
“عهد عليّ أمام الله.. لأجوزها لأول واحد يطلبها. هيكون أفضل منك ومن معاملتك لها!”
وفي تلك اللحظة، كان يقف بالقرب من المنزل جارنا صلاح.
صلاح كان معروفًا في منطقتنا بأنه شخص يعيش في ظروف صعبة، وكان كثيرًا ما يتصرف بطريقة غير معتادة ويتحدث مع نفسه. وكانت ملابسه في أغلب الأحيان بسيطة وغير مرتبة، وكان يبتعد عن أسرته لفترات ويطلب المساعدة من الناس.
كنت دائمًا أشفق عليه، فأخرج له طعامًا وأعطيه شيئًا حلوًا وأقول له:
“ربنا يفرج همك يا صلاح.”
وأول ما سمع صلاح كلام أبي، اقترب بسرعة وقال بحماس:
“أنا.. أنا! أنا هتجوز نوال.. أنا أتجوزها وأحبها!”
عندما سمع طليقي كلامه، بدأ يضحك بسخرية، وقال إن الأمر أصبح غريبًا جدًا.
أما أبي، فكان شديد الغضب وقال له:
“اخرج من بيتي، وملكش دعوة بنتي هتتجوز مين. أنا قلت كلمتي، وموافق عليه.”
غادر طليقي وهو يضحك، بينما نظر أبي إلى صلاح وقال بجدية:
“روح قول لأهلك وتعالى.. وهجوزهالك يا صلاح.”
فرح صلاح كثيرًا، وذهب إلى منزله ليخبر أهله.
أما أنا، فوقفت في مكاني غير قادرة على استيعاب ما يحدث، وقلت لأبي:
“إنت بتقول إيه يا بابا؟! أتجوز صلاح إزاي؟! إنت عارف ظروفه!”
نظر إليّ أبي وقال:
“عايزاني أتراجع عن كلمتي؟ هتكسري كلامي؟”
لم أجد ما أقوله. دخلت غرفتي وجلست أبكي من شدة الصدمة.
حاولت أمي إقناع أبي بالتراجع، وتحدثت معه كثيرًا، لكنه كان مصرًا على تنفيذ ما قاله.
ومرت الأيام بسرعة، حتى جاء موعد الزواج.
أقام أبي حفلًا في منطقتنا، واكتملت المفاجأة عندما علم طليقي أن أبي كان جادًا بالفعل وأنني سأتزوج صلاح.
جاء حمدي مع والدته وشقيقته إلى الحفل، ولم تكن الزيارة للتهنئة، بل بدأوا في السخرية والتعليق أمام الموجودين.
دخلت والدته ونظرت إليّ وأنا أجلس في مكان العروس، وقالت بصوت مرتفع:
“ده آخرك يا حلوة! مين كان هيستحملك غير صلاح؟ ابني عشان كان فاهمك، اختار ينهي العلاقة!”
وضَحكت شقيقته وقالت:
“مبروك يا عروسة.. ربنا يتمم لكم على خير!”
وردت والدتها بسخرية:
“أهو نصيبها كده.”
استمروا في التعليقات، بينما كنت أجلس وأنا أشعر بالحزن والإحراج. نظرت إلى أبي، فوجدته واقفًا وملامحه غاضبة، لكنه كان يحاول التزام الهدوء.
وفجأة، صعد حمدي بنفسه إلى مكان العروس، وما زالت السخرية واضحة على وجهه.
اقترب مني وقال:
“مبروك يا حلوة.. ربنا يسعدك.”
ثم التفت إلى صلاح، ومد يده لمصافحته وقال:
“مبروك يا عريس.. ربنا يوفقكم.”
كان بعض الموجودين يضحكون ويتابعون الموقف، لكن في تلك اللحظة حدث أمر لم يتوقعه أحد.
أمسك صلاح بيد حمدي.
لكن طريقة المصافحة كانت مختلفة تمامًا عما توقعه الجميع. بدا صلاح فجأة أكثر ثباتًا وتركيزًا، واختفت من ملامحه حالة التشتت التي اعتاد الناس رؤيتها.
نظر صلاح إلى حمدي بثبات، وقال بصوت هادئ وواضح:
“أنا مش الشخص اللي إنت فاكره يا حمدي. وأنا عارف كويس اللي حصل لنوال.”
ساد الصمت في المكان.
اختفت الضحكات، وتحولت نظرات الموجودين إلى دهشة. حتى والداي لم يفهما ما يحدث.
أما والدة حمدي وشقيقته، فتوقفتا عن الكلام، وبدا عليهما الاستغراب.
حاول حمدي إنهاء الموقف وسحب يده، لكن صلاح تمسك بها للحظات، ثم قال:
“إنت فاكر إن اللي حصل زمان هيتنسى؟ أنا كنت شايف وعارف تفاصيل كتير، والنهارده جه الوقت إن الحقيقة تظهر.”
نظرت والدة حمدي إلى ابنها بقلق، وقالت:
“خدوا بالكم من ابني!”
وفي تلك اللحظة، دخلت إلى الحارة سيارتان سوداوان من أحدث الطراز، وكانتا فخمتين للغاية.
توقفت السيارتان بالقرب من مكان الحفل، ثم نزل منهما…




