عام

زهايمر

هناك، روحي كانت بتتسحب مني.
رجعت البيت، الشقة كانت هادية.. هدوء قاتل ومقبض. دخلت قعدت على الكنبة وحطيت راسي بين إيديا وبكيت بحرقة. نهى جت قعدت جنبي، طبطبت على كتفي وحاولت تهون عليا وقالتلي بصوت حنين معلش يا أحمد.. متزعلش، ده أحسن حل ليها ولينّا، مكنش فيه غير كده، هناك هيخدوا بالهم منها أكتر مننا، بكره تتعود. كلامها سكتني بس مريحش ضميري. دخلنا نمنا والتقل مالي صدري.
تاني يوم الصبح، الساعة كانت لسه حوالي سبعة. صحيت على صوت خبط شديد وعنيف جداً على باب الشقة. خبط وراه خبط كأن اللي واقف بره عايز يكسر الباب. قمت مفزوع، ونهى صحيت ورايا مرعوبة. جريت على الباب وفتحته بسرعة وأنا بنهج..
لكن المفاجأة.. ملقيتش حد! الممر كان فاضي تماماً ومفيش أي أثر لأي بني آدم. بصيت في الأرض تحت رجلي، لقيت جواب أبيض مقفول ومتوسخ شوية كأنه اترمى بسرعة.

وطيت وجبت الجواب،. وفتحته وبدأت أقرأ السطور اللي جواه..
وفي لحظة.. الورقة وقعت من إيدي، عيني برقت وصدرى اتخىنق، وحسيت بركبي سابت ومبقتش شايلاني. الدم اتجمد في عروقي تماماً، والدنيا لفت بيا وسودت في عيني، ووقعت على الأرض مغمى عليا من هول الصدمة اللي قريتها!!!!!
فقت بعد مش عارف كام دقيقة على صوت نهى وهي بتصىرخ بهستيريا وبترش مية على وشي.. عيني بدأت تفتح ببطء، والدنيا كانت لسه بتلف بيا، وصوت زنين عالي في ودني مش عايز يقف. أول ما رؤيتي وضحت، شفت وش نهى قريبة مني، ملامحها كان باين عليها الخوف والقلق، وبتقولي بصوت مرعوب في إيه يا أحمد؟ وقعت طولك مرة واحدة ليه؟ والورقة دي فيها إيه خلتك تروح مننا كده؟!.
حاولت أسند نفسي وأقعد على الأرض، كل حتة في جسمي كانت بترتعش، ودموع

ي نزلت من غير ما أحس.. بصيت للورقة اللي كانت مرمية جمبي، ومديت إيدي خىطفتها بسرعة قبل ما نهى تلمسها. نظرتي لنهى في اللحظة دي اتغيرت تماماً.. مكنتش شايف الست اللي عشت معاها سنين وبحبها، كنت شايف كائن غريب، كائن مرعب ومخيف.
نهى اتراجعت لورا خطوة لما شافت نظرة عيني، وقالت بتلعثم مالك يا أحمد؟ بتبصلي كده ليه؟ خضتني عليك والله!.
مسكت الورقة بإيد بتترعش، ودموعي مغرقة عيني، وبدأت أقرأ الكلام تاني في سري.. الكلام اللي كان مكتوب بخط إيد أمي.. خطها المتناسق والجميل اللي حافظه من صغري، الخط اللي مكنش فيه أي رعشة أو لغبطة تدل على إن اللي كاتباه ست مريضة زهايمر ومش دريانة بالدنيا!
نص الرسالة الصادمة

ابني حبيبي.. ضنايا ونور عيني يا أحمد.
عارفة إنك لما تقرأ الكلام ده هتكون رجعت من المكان اللي سبتني فيه.. دار المسنين. وعارفة كمان إن قلبك مكسور وضميرك بيأنبك، بس أنا مسمحاك يا حبيبي، مسمحاك لأنك مكنتش تعرف الحقيقة، ولأنك كنت ضحية زيي بالظبط.
أحمد يا ابني.. أنا مكنش عندي زهايمر! أنا عقلي زي الفل وواعية لكل كلمة وكل حاجة بتحصل حواليا لحد آخر لحظة خرجت فيها من بيتك.. البيت اللي عشت فيه عمر كله وشقيت عشان ابنيه معاك ومع أبوك الله يرحمه.
الحكاية بدأت من حوالي سنة يا أحمد، لما بدأت أحس ب دوخة غريبة وخمول مش طبيعي، وكنت بنام بالأيام وأصحى مش فاكرة أنا مين ولا فين. كنت فاكرة إنه كبر سن، لحد ما في يوم صحيت بدري قبل الميعاد اللي بصحى فيه دايماً، ودخلت المطبخ بالراحة عشان مشيلش ذنب وأصحيكوا.. وشفت مرأتك، نهى.

أمي جالها زهايمر وبقت مجننانا في البيت، وكل يوم خناقة مع مراتي، فقررت أوديها دار مسنين علشان ارتاح من خناقهم سوا، وبعد ما وصلتها، وصلتني رسالة جمدت الدىم في عروقي وخلتني أفقد وعيي من الصدىمة !!!!!!
أنا أحمد، شاب في الثلاثينات من عمري، متجوز من نهى ومعايا ولد وبنت زي الورد، يوسف الصغير وسارة اللي لسه مكملتش خمس سنين. كنا عايشين في بيت أبويا الله يرحمه، شىقة واسعة ودافية، مكنش عايش معانا فيها غير أمي، لأني ابنها الوحيد وملهاش في الدنيا غيري بعد وفاة والدي من كام سنة.

حياتنا كانت هادية وحلوة، نهى وأمي كانوا سمن على عسل، وأمي كانت بتعشق عيالي وبتعتبر نهى بنتها اللي مخلفتهاش. البيت كان دايماً مليان بريحة خبيز أمي وضحكتها اللي كانت بتملى عليا الدنيا. كنت برجع من شغلي تعبان، ألاقي حضن أمي مستنيني، وضحكة

مراتي بتهون عليا، ولعب عيالي بينسيني هموم الدنيا. كنا أسرة مثالية، أو على الأقل، ده اللي كنت فاكره لحد ما الكابوس بدأ.
كل حاجة اتقلبت رأساً على عقب لما أمي بدأ يجيلها زهايمر. في الأول الموضوع بدأ بحاجات بسيطة، تنسى مفتاح الشىقة، تنسى هي حطت النظارة فين، كنا بنضحك ونقول كبرنا بقى يا ست الكل. لكن الموضوع اتطور بسرعة مرعبة، وبقت تنسى أسامينا، وتدخل في نوبات شك وعصبية مكنتش من طبعها أبداً. البيت اللي كان مليان دفا، اتقلب لساحة حىرب يومية، وخناقات ملهاش أول من آخر بينها وبين مراتي على حاجات فارغة تماماً، لمجرد إن أمي بتنسى.

في يوم رجعت من الشغل هلكان، لقيت البيت قايم مش قاعد، صوت صىريخ وزعيق جايب لآخر الشارع. دخلت جري لقيت أمي واقفة في المطبخ بتدعي على نهى وبتقولها إنتِ عايزة تمىوتيني من الجوع؟ بقالي ساعات بقولك هاتي الغدا وإنتِ منفضالي ولا كأني بني آدمة عايشة معاكوا!. ونهى واقفة بتعىيط وبتشاور على السفرة وتقول يا طنط والله العظيم إنتِ لسه واكلة، ده أنا حتى لسه لمة الأطباق ومسحت التربيزة وراكِ!. أمي نسيت تماماً إنها أكلت من نص ساعة، وفضلت مصممة إننا بنجوعها وبنعاملها قساوة.

أما الموقف اللي قطم وسطي فعلاً، كان يوم جمعة. كنت راجع من وردية ليل في الشغل، وجسمي كله مهدود وعندي صداع هيموتني. دخلت نمت وكنت في سابع نومة، وفجأة صحيت على خبط ورزع وزعيق يهز الحيطة. قمت مفزوع، لقيت أمي ماسكة غسيل نهى اللي كانت لسه شراه، ورامياه كله في الأرض وبتقولها إنتِ سىارقة ملاياتي وبتنشريها عندك!. نهى انفجرت في العياط وقالتلي بصوت مخىنوق أنا تعبت يا أحمد! مبقتش قادرة، حياتي وحياة عيالي اتدىمرت، أنا مش هقعد في البيت ده بالشكل ده تاني، يا أنا يا أمك!.

كلام نهى كان زي السكين في قلبي، بس كنت شايفها وهي بتنهار وعيالي خايفين طول الوقت. فكرت وفكرت، ولقيت إن الحل الوحيد عشان المركب تمشي وعشان أرتاح من الخىناق ده، إني أودي أمي دار مسنين. أقنعت نفسي إن هناك هيكون في رعاية طبية متخصصة ومكان أهدى ليها.
يوم ما جيت أخدها، . أمي كانت هادية غريبة اليوم ده، كأنها طفلة رايحة رحلة. بصتلي وابتسمت وقالتلي إحنا رايحين فين يا أحمد؟ هتفسحني يا حبيبي وتجيبلي غزل بنات زي زمان؟.ى

، ريقي جف وعيني دمعت، هزيت راسي وأنا مش قادر أبص في عينيها وقولتله آه يا أمي.. هفسحك.
وصلتها الدار، وسلمت حاجتها للممرضين. وأنا ماشي، التفتت بصيت عليها، لقيتها قاعدة على كرسي في الصالة، بتبص حواليها بخوف وضياع، كأنها بتدور عليا. خرجت وأنا حاسس إني سبت حتة من قلبي
شفتها وهي بتطحن حبوب دواء لونها أزرق، وبتحطها في كوباية الشاي بلبن اللي بتقدمهالي كل يوم الصبح مع الفطار. استغربت، ومستنيتش لما تديهالي.. دخلت وراها الأوىضة بعد ما خرجت، ودورت في علب المكياج بتاعتها لحد ما لقيت علبة دواء مخبية ورا الرف.. دواء مهدئ ومخدر قوي جداً، من الأعراض الجانبية بتاعته إنه بيسبب هلاوس، وفقدان مؤقت للذاكرة، وعصبية شديدة، ومع الوقت بيبوظ خلايا المخ ويوصل لحالة شبه الزهايمر!

​واجهتها يا أحمد.. واجهتها وأنا بترعش وبقولها ليه بتعملي فيا كده؟ ردت عليا بمنتهى البرود والجبروت وقالتلي: ‘أنا زهقت منك ومن خدمتك، والبيت ده ضيق عليا وعلى عيالي، وأحمد لازم يكتبلي الشىقة دي باسمي، وإنتِ قاعدة عائق في طريقنا.. لو نطىقتي بكلمة لأحمد، أو حاولتي فهميه حاجة، هخليه يكرهك.. هتبلّى عليكي إنك بتضىربي عياله، وهخرب البيت وأطلق منه وأحرمه من يوسف وسارة، وإنتِ عارفة إن ابني بيمىوت في عياله ومش هيستحمل’.
​خفت عليك يا أحمد.. خفت على بيتك يتخرب وعيالك يتشردوا. قررت

إني مأشربش الشاي، وبقيت أدلقه من وراها في الحوض، وبدأت أمثل إني بنسى فعلاً عشان تتقي شري ومتأذيكش أنت وعيالك.
​فاكر يوم المطبخ لما قولتلك إني جعانة؟ نهى هي اللي دخلت ورايا وقالتلي بكلام يسم البدن: ‘مفيش أكل ليكي انهارده يا عجوزة يا كركوبة لحد ما أحمد يرجع، عشان يحس إنك بقيتي عبء’. ولما أنت جيت، حطت الأكل بسرعة وقالتلك إني لسه واكلة عشان تطلعني كدابة ومجنونة قدامك!ى

​وفاكر يوم الغسيل والملايات؟ نهى هي اللي رمت الغسيل في الأرض وقطعت الملايات بإيدها وصوتت، ولما أنا دخلت اتصدمت، راحت قايلالي: ‘أهو المشهد ده اللي هيخلي أحمد يرميكي بره البيت الليلة’.
​أنا مشيت يا أحمد بمزاجي.. مشيت عشان أشتريلك راحتك وراحة عيالك، وعشان بيتك ميتخربش. بس مكنش ينفع أمشي وأسيبك عايش مع حية في بيت واحد وإنت مش عارف. خفت تظلمني وتفتكر إن أمك كانت مسببالك نكد.. أنا سبتلك الجواب ده مع عم محمد البواب، وحلفته على المصحف ما يديهولكش ولا يحطه تحت الباب إلا الساعة 7 الصبح بعد ما أكون مشيت وسبت البيت تماماً.

​خد بالك من نفسك يا ابني، وخد بالك من عيالك.. أمك اللي بتحبك ودعياالك لآخر نفس في عمرها.”
​المواجهة الحذرة.. التخطيط الهادئ
​الرسالة خلصت.. وأنا حاسس إن روحي هي اللي بتخلص. النفس بقيت أخده بصعوبة، وكأن جبل كبس على صدري. الغضب كان هيحرقني، وكان في مارد جوايا عايز يقوم يهد البيت فوق دماغ نهى. بس فجأة، افتكرت كلام أمي: “خفت تتبلى عليكي وتخرب بيتك وتحرمك من عيالك”.
​لو واجهتها دلوقتي وزعقت وطردتها، هتاخد العيال وتجري على بيت أهلها، وممكن ترفع قضايا وتتهمني بالجنون أو تتبلى عليا وتضيع عيالي.. الحية دي ذكية ومخططة لكل حاجة، ولازم أكون أذكى منها عشان أجيب حق أمي وحق عيالي بالقانون ومن غير ما أخسرهم.

​بلعت ريقي بصعوبة، وحاولت أهدي ضربات قلبي اللي كانت زي الطبول. كرمشت الجواب في جيبي بسرعة، ورسمت على وشي علامات التعب والدوخة، وقولت لنهى بصوت مجهد وممثل: “مفيش يا نهى.. ده هبوط حاد من قلة النوم والضغط بتاع انبارح.. والورقة دي إعلان تافه من شركة إبادة حشرات حد رماها من تحت الباب”.
​نهى بصتلي بشك، بس ملامح التعب الحقيقية اللي على وشي خلتها تصدق. طبطبت عليا وقالت: “سلامتك يا حبيبي.. طب قوم ارتاح شوية وأنا هعملك كوباية ليمون دافي”.
​أول ما دخلت المطبخ، قمت جري على أوىضتها.. بدأت أدور بهستيريا بس بذكاء ومن غير ما كركب المكان.. في علب المكياج، ورا المنظم، لحد ما لقيت علبة دواء صغيرة مخبية في شريط ستان.. سحبتها وبصيت للاسم.. هو نفس الاسم اللي أمي كاتباه في الجواب! دواء مخدر ومهدئ جدول!

​أخدت العلبة في جيبي، وطلعت تلفوني، وكلمت صاحبي “شريف” المحامي.. حكيتله الحكاية في دقيقتين وأنا بترعش.. شريف قالي بلهجة حاسمة: “أحمد.. متواجههاش بأي حاجة دلوقتي.. انزل فوراً روح لعم محمد البواب وخليه يشهد معاك، واطلع على قسم الشرطة واعمل بلاغ شروع في ، وقدم علبة الدواء والجواب كأدلة.. وإحنا هنتحرك فوراً عشان نعمل تحليل سىىموم لوالدتك في المستشفى عشان نثبت الجريمة في دمها قبل ما مفعول الدواء يروح!”.
​الفخ القانوني

​نزلت من البيت بسرعة بحجة إني رايح الصيدلية.. عديت على عم محمد البواب اللي كان واقف خايف.. قولتله: “يا عم محمد.. الجواب وصل، وأنا مش زعلان منك.. بس عايزك تقولي الحق، نهى كانت بتعمل إيه مع أمي؟”.
​عم محمد بكى وقال: “يا أحمد بيه.. الست نهى هددتني بالطرد من العمارة لو فتحت بوقي.. كانت بتدلق أكل الحاجة في الزبالة قدام عيني وتقولي متقولش لأحمد.. والحاجة فاطمة هي اللي حرجت عليا أديك الجواب الصبح عشان تكون مشيت ومتحصلش خناقة قدامها”ى

.
​أخدت عم محمد معايا في العربية، وطلعنا على قسم الشرطة.. عملت البلاغ، والظابط لما قرأ الجواب وشاف علبة الدواء، ملامحه اتغيرت وطلب قوة تتحرك معايا فوراً للبيت عشان تضبط المتهمة متلبسة بالدواء والأدوات اللي بتستخدمها، وقوة تانية تروح لدار المسنين عشان تسحب عينة دىم من أمي للطب الشرعي.
​رجعنا البيت، ومعايا البوكس ورجال الشرطة.. دخلت الشىىقة، نهى كانت قاعدة في الصالة بتتفرج على التلفزيون وبتشرب قهوة بمنتهى الروقان وكأنها خلصت من هم كبير.. أول ما شافتني ومعايا الظابط والعساكر، قامت مفزوعة والكبابة وقعت من إيدها اتكسرت: “في إيه يا أحمد؟ مين الناس دي؟!”.

​الظابط تقدم وقال بلهجة حازمة: “الست نهى؟ أنتِ مقبوض عليكي بتهمة الشروع في قتل الحاجة فاطمة عن طريق وضع مواد مخىدرة وسامة في طعامها بهدف إتلاف خلايا المخ”.
​نهى وشها بقى أبيض زي الأموات، وبصتلي بذهول وصوتها بقى يرعش: “أحمد! أنت بتصدق الكلام ده؟ دي أمك مجنونة وعايزة تخرب بيتنا!”.
​طلعت الجواب من جيبي ورفعته في وشها وقولت بصوت يهز الحيطان: “أمي عقلها يوزن بلد يا حية.. أمي كشفتك من سنة، واستحملت السم بتاعك ومثلت الجنون عشان تحميني أنا وعيالي من جبروتك! الدواء أهو اتمسك في بيتك، وعم محمد البواب شهد عليكي، ودلوقتي الطب الشرعي بيحلل لأمي عشان يثبت جرمك بالدليل القاطع.. غوري.. مكانك السجىن يا مجىرمة!”.ى

​نهى بدأت تصىرخ وتنهار وتعيط، والعساكر كلبشوها وأخدوها وهي بتصىرخ: “سامحني يا أحمد.. عشان خاطر العيال!”.. بس قلبي كان زي الحجر، ومبصتش ورايا وهي بتتجر على السلم قدام الجيران اللي طلعوا على الصوت.
​رحلة التطهير والندم
​أخدت عيالي يوسف وسارة اللي كانوا نايمين وصحيوا مرعوبين، حطيتهم في العربية وقولتلهم: “إحنا رايحين نجيب تيتة.. تيتة خفت وبقت زي الفل وهترجع معانا”.
​طول الطريق لدار المسنين، كنت بسوق وأنا ببكي بحرقة.. دموع الندم بتغسل قلبي.. كنت بفتكر كل لحظة زعقت فيها لأمي، كل لحظة صدقت فيها إنها بقت عبء ونكد.. أمي كانت بتمىوت بالبطيء بسببي وبسبب غبائي وثقتي العمياء في مراتي.ى

​وصلت الدار، الموظفين هناك كانوا عارفين باللي حصل لأن النيابة كانت وصلت فعلاً وأخدت العينة.. طلعت جري للدور التاني.. فتحت باب الأوضة رقم ٢٠٤..
​أمي كانت قاعدة على السىرير، باصة من الشباك والدموع في عينيها.. أول ما شافتني ومعايا العيال، فتحت دراعاتها والعيال جريوا عليها: “تيتة.. وحشتينا أوي!”.
​رميت نفسي تحت رجليها، وبقيت أبوس رجليها وإيدها وأنا بشهق من كتر البىكاء: “سامحيني يا أمي.. أنا كنت أعمى.. الغباوة عمتني والمجرمة كانت بتقتلك وأنا مش دريان.. أبوس إيدك سامحيني واضىربيني.. أنا مأستاهلش أكون ابنك”.

​أمي نزلت لمستوايا على الأرض، واحتضنت راسي وصدرها بقى يتهز بالبكا: “قوم يا أحمد.. قوم يا قلب أمك.. الأم مبتشيلش من ضناها.. أنا كنت بدعي ربنا بس الحقيقة تظهر وأنت بريء من ذنبي.. أنا مسمحاك يا حبيبي من كل قلبي”.
​النهاية الجديدة
​بعد كام شهر.. المحكمة حكمت على نهى بالسجن المشدد بتهمة الشروع في القتل وتدبير مؤىامرة لتسميم وإيذاء مسن، وأخدت حكم بضم حضانة العيال ليا بشكل نهائي وبدون منازعة بسبب عدم أهليتها الأخلاقية والجنائية.
​رجعنا لبيتنا.. البيت اللي اتمسحت منه ريحة الخيانة والجريمة.. أمي رجعت تنور الصالة، وريحة خبيزها رجعت تملى المكان.. يوسف وسارة مبيفارقوش حضنها.. وأنا بقيت أرجع من شغلي، أول حاجة بعملها بدخل أبوس إيدها ورجليها وأحمد ربنا على نعمة “البركة” اللي في حياتي.

​اتعلمت إن الحقيقة ممكن تتأخر، بس العدالة الإلهية ملهاش غفلة.. وإن الست اللي تطلب منك تتخلى عن أمك عشان “ترتاح”، هي أول واحدة هتتخلى عنك وعن عيالك لما المصلحة تخلص.. الأم هي الحصن، وهي السند، ورضاها هو الحبل الوحيد اللي بيشدنا من وسط ظلمات الدنيا لنور الأمان.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى