اتجـوزت الراجـل اللي اتربّيـت مـعاه في ملـجأ

أنا اسمي كلير، عندي 28 سنة، ونظام الرعاية أعرفه أكتر مما أحب. قبل ما أتمّ 8 سنين، كنت عشت في بيوت أكتر من اللي أقدر أفتكرها. اتعلمت بدري إني ما أتعلقش. الناس بتسمّي أطفال زيّي «أقوياء» أو «مرنين»، بس الحقيقة إننا بنتعلم نلمّ حاجتنا بسرعة، وما نستناش حاجة من حد.
وبعدين قابلت نوح.
كان عنده 9 سنين. هادي، عينه فاحصة، قاعد على كرسي متحرك خلّى الكبار متلخبطين، والأطفال مش عارفين يتصرفوا. ما كانوش قىاسيين عليه… بس بعيدين. يلوّحوا له، وبعدين يجروا يلعبوا ألعاب هو ما يقدرش يشارك فيها. المشرفين كانوا بيتكلموا عنه، متوفرة على صفحة روايات و اقتباسات مش معاه، كأنه مهمة لازم تتقىضي، مش إنسان.
في يوم، قعدت جنبه وأنا ماسكة كتابي وقلت له بهزار: «طالما إنت حارس الشباك، يبقى تشاركني المنظر».
بص لي وقال: «إنتِ جديدة».
قلت له: «راجعة تاني. أنا كلير».
قال: «نوح».
ومن اللحظة دي، ما افترقناش.
كبرنا مع بعض، وشوفنا كل نسخة من بعض: الڠضب، الصمت، الأمل، الإحباط. لما كانت عائلات تيجي تزور الملجأ، عمرنا ما تعلّقنا بأمل. متوفرة على صفحة روايات و اقتباسات كنا عارفين إنهم عايزين حد أسهل. حد من غير كرسي متحرك. حد من غير ملف مليان محاولات فاشلة.
كنا نهزر: «لو إنت اتبنيت، خد السماعة بتاعتي». «ولو إنتِ اتبنيتي، خدتي الهودي بتاعي».
نضحك… بس جوانا عارفين إن محدش جاي.
لما تمّينا 18 سنة، إدونا ورق، وكارت مواصلات، وقالوا لنا: بالتوفيق.
مفيش احتفال. مفيش أمان.
بس باب بيتقفل ورا ضهرنا.
مشينا سوا، شنطنا كلها في أكياس بلاستيك.
دخلنا كلية مجتمع، لقينا شىقة صغيرة فوق مغىسلة، واشتغلنا أي شغل نلاقيه. هو اشتغل شغل IT عن بُعد ودروس. وأنا اشتغلت في كافيه وبالليل ترتيب مخازن. السلم كان صعب، بس الإيجار رخيص. وكانت أول مرة مكان يحسّسنا إنه بيت.
وفي نص الطريق، الصداقة اتحولت لحاجة أعمق، متوفرة على صفحة روايات و اقتباسات من غير اعترافات كبيرة ولا مشهد درامي. بس فجأة بقينا نحس إن الدنيا أهدى وإحنا سوا.
في ليلة، من التعب، قلت له: «إحنا أصلًا مع بعض، مش كده؟»
قال: «كويس. كنت فاكر إني لوحدي اللي حىاسس كده».
كملنا دراسة ترم ورا ترم. ولما الشهادات وصلت، مسكناها كأنها دليل إننا عدّينا.
بعدها بسنة، نوح اتقدم لي… بهدوء، في المطبخ، وأنا بطبخ. ضحكت، عيطت، وقلت آه.
فرحنا كان صغير… بس كامل.
تاني يوم الصبح، حد خبط على الباب.
راجل لابس معطف غامق، هادي، رسمي. عرّف نفسه: توماس… محامي. وقال إن في حاجة لازم نعرفها.
ادانا جواب.
كان من راجل اسمه هارولد بيترز.
من سنين، هارولد وقع قدام سوبرماركت. الناس عدّت. نوح لأ.
وقف معاه، ساعده، استنى معاه، وتعامل معاه كإنسان… مش عبء.
هارولد ما نسيش.
ما كانش عنده عيلة ولا أولاد، بس كان عنده بيت، وشوية فلوس، وامتنان عمره طويل. ساب كل ده لنوح.
مش شفقة.
امتنان.
ما كانتش ثروة، بس كانت أمان. بيت. استقرار. مستقبل ما يحسّسناش إنه ممكن يختفي في أي لحظة.
لما زرنا البيت، نوح لفّ بكرسيه في الصالة ببطء، وهو مش مصدّق.
قال: «مش عارف أعيش في مكان ما ينفعش يضيع فجأة».
قلت له: «هنتعلم. إحنا اتعلمنا حاجات أصعب».
طول عمرنا، محدش اختارنا.
بس في مرة…
واحد شاف الطيبة، وقرر إنها تستاهل.
أخيرًا.








