عام

كنت راجع من السفر

من شغل برّه القاهرة، ولما دخلت البيت… بنتي الصغيرة همستلي بسر كانت أمها فاكرة إنه عمره ما هيتقال. أنا بقالي أقل من ربع ساعة في البيت. الشنطة لسه عند باب … الجاكيت مرمي على الكنبة… أول ما دخلت حسيت إن في حاجة غلط. مفيش صوت رجلين صغيرة بتجري عليا. مفيش ضحك. مفيش . بس سكون.

 

وفجأة سمعت صوتها من …

صوت واطي… ضعيف… شبه الهمس:

“بابا… متزعلش مني… ماما قالتلي لو قلتلك، الدنيا هتسوء… بس ضهري قوي… ومش عارفة أنام.”

إيدي لسه ماسكة الشنطة… وقلبي بيدق كأنه .

دي مش دلع عيل صغير.

دي مش مبالغة.

ده خوف.

بصيت ناحية الأوضة… ولقيت بنتي “ملك”، واقفة ورا الباب نص مستخبية… كأنها  في أي لحظة.

كتافها مشدودة… وعينيها في الأرض… وكانت باينة صغيرة بطريقة القلب.

قولتلها بهدوء:

“يا ملك… بابا هنا… تعالي يا حبيبتي.”

ما اتحركتش.

سيبت الشنطة وقربت منها بالراحة… كأني لو اتحركت بسرعة هتختفي. لما قعدت قدامها على ركبتي… خافت واتنفضت…

وساعتها حسيت ببرودة غريبة جوايا.

قولتلها:

“فين؟”

إيديها الصغيرة كانت بتلف في لحد ما إيديها ابيضّت.

قالت بهمس:

ضهري… على طول… ماما قالت إنه حصل غصب عنها… وقالتلي ما أقولكش… وقالت إنك هتزعل… وحاجات هتحصل.”

جوايا حاجة .

مديت إيدي من غير ما أفكر… أول ما كتفها،  بسرعة:

“لو سمحت… بلاش… .”

سحبت إيدي فورًا.

الخوف بدأ يطلع في … بس حاولت أتماسك.

“احكيلي حصل إيه.”

بصت ناحية الصالة كأنها حد سامع…

وبعد سكوت طويل قالت كلام مفيش أب مستعد يسمعه:

“ماما اتعصبت… وقعت العصير… قالت إني عملتها بقصد… … … مش عارفة أتنفس… حسيت إني .”

ساعتها… أنا اللي نسيت أتنفس.

مش عشان مفهمتش…

بس عشان فهمت كل حاجة.

البيت كله فجأة بقى غريب.

الحيطان…

السكون…

الهوا نفسه…

أنا كنت داخل على يوم عادي…

لقيت بنتي في سكات… من أمها… وبتترجاني ما أخليش الدنيا تسوء لمجرد إني عرفت الحقيقة.

وفي اللحظة دي… عرفت إن دي بس البداية.

فضلت قاعد على ركبتي.

وقلتلها بهدوء:

“إنتي عملتي الصح إنك قولتيلي.”

بس برضه ما كانتش قادرة تبصلي.

“بقالك قد إيه كده؟”

“من امبارح.”

“قولتي لماما إنك لسه ؟”

هزت راسها آه.

“قالتلك إيه؟”

قالت بصوت :

“قالت إني ببالغ.”

الكلمة دي أكتر

من أي حاجة.

قولتلها:

“ممكن أشوف ضهرك؟”

ترددت… وبعدين لفت وضهرها ورفعت التيشيرت…

وساعتها الدنيا اسودّت قدامي.

كانت كبيرة… لونها … في نصها شكل واضح زي إيد الباب… وحواليها …

مش واحدة…

ده تكرار.

نزلت التيشيرت بسرعة وهي مكسوفة.

وقالت:

“بابا… .”

الجملة دي .

هي ما كانتش …

كانت من رد فعلي.

قولتلها:

“مش … ومش هسمح لحد  تاني.”

شفايفها :

“وعد؟”

“وعد.”

في نفس الليلة خدتها لدكتور.

أكدوا … وسألوا أسئلة كتير… وجهوا ناس من حماية الطفل.

ملك حكت نفس الكلام… بهدوء… بس بوضوح.

إنها مش أول مرة.

وإن أمها بتتعصب.

وإنها كانت بتتقالها تسكت.

اتعملت تقارير… واتسجل كل حاجة.

ولأول مرة… الحقيقة بقت باينة.

لما أمها “منى” كلمتني بالليل، كانت متعصبة:

“إنتو فين؟ أنا رجعت ومش لاقياكم!”

قولتلها:

“عند الدكتور.”

سكتت شوية:

“ليه؟”

“ملك قالتلي اللي حصل.”

سكون.

وبعدين بسرعة:

“هي بتبالغ.”

قولتلها:

“أنا شوفت .”

“إنت مكبر الموضوع.”

“لا… أنا أخيرًا شايف الحقيقة.”

قالت:

“نتكلم وش لوش.”

قولتلها:

“مش النهارده… ومش هتشوفيها غير لما تبقى بأمان.”

اتعصبت:

قالتلك إيه؟”

مش “هي كويسة؟”

مش “أنا آسفة”

بس: قالتلك إيه؟

قولتلها:

“قالت الحقيقة.”

وقفلت السكة.

الأيام اللي بعد كده كانت تقيلة…

دكاترة… تحقيقات… محاكم.

ملك فضلت معايا.

أمها في الأول أنكرت… بعدين قللت الموضوع… بعدين قالت بسبب ضغط… بعدين حاولت تلومني.

بس الحقيقة ما اتغيرتش.

وخوف بنتي ما اتغيرش.

بعد كام شهر…

ملك وقفت على باب أوضتها الجديدة وقالت:

“بابا؟”

“نعم يا حبيبتي؟”

قالت بتردد:

“أنا بوظت كل حاجة؟”

قربت منها وقعدت قدامها:

“لا… إنتي قولتي الحقيقة… وده مش غلط… ده شجاعة.”

قالت:

“بس ماما زعلانة.”

قولتلها بهدوء:

“الكبار مسؤولين عن أفعالهم… إنتي مش مسؤولة إن حد … ولا مسؤولة عن اللي يحصل بعد الحقيقة.”

فكرت شوية… وهزت راسها.

“تمام.”

بعد سنة…

الدنيا مش مثالية…

بس أحسن بكتير.

ملك بقت تنام كويس.

بقت تضحك من غير خوف.

لو وقعت حاجة ما .

ولو حاجة … بتقولي.

مبقتش تهمس.

وعرفت ساعتها إننا اخترنا صح.

القصة دي مش عن جواز انتهى…

دي عن طفلة اتنقذت.

واتعلمت حاجة واحدة:

الأطفال مش بيهمسوا بالحقيقة عشان هي صغيرة…

بيهمسوا عشان اتعلموا إنها .

ولما بنتي قالتلي:

“ماما قالتلي ما أقولكش”

كانت في الحقيقة بتسألني:

لو قولتلك الحقيقة… هتحميني حتى لو ده هيغير كل حاجة؟

وأنا حميتها.

أيوه…

كل حاجة اتغيرت.

بس بنتي ما بقتش محتاجة تضيع نفسها عشان تعيش.

وده أهم نهاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى