عزمت خطيب ابنتي

على العشاء وفي منتصف السهرة، لاحظتُ أنه الشوكة تحت الطاولة كل بضع دقائق، بينما كانت ابنتي ترتجف كلما انحنى لالتقاطها. فجأة، ابتعدت مريم عنه بحركة سريعة، فانكشف للحظة جسم معدني أسفل الطاولة، وحين نظرتُ نحوه، رأيت طرف أداة حادة يلمع بين أصابعه. شعرتُ بأن أنفاسي توقفت تماماً.
لم تكن أداة مطبخ كبيرة، بل قطعة معدنية صغيرة بحجم الكف تقريباً. لكن مجرد رؤيتها تحت السفرة، بين يدَي خطيب ابنتي، جعل القلق يتسلل إلى أعماقي. رفع سامي رأسه نحوي بسرعة، ثم سحب الأداة إلى جواره بهدوء، وكأنه يخشى أن أراها بوضوح. أما مريم، فكانت تبكي بصمت وهي تضم ذراعها إلى صدرها.
همستُ وأنا أحدق في يده: “لماذا تحمل هذا في بيتي يا سامي؟”. فابتسم ابتسامة صغيرة وقال: “مجرد شيء أحمله معي دائماً، الأوضاع لم تعد مطمئنة يا خالتي”. ثم أخفى الأداة سريعاً قبل أن أستوعب ما يحدث.
لكن مريم انهارت فجأة، وهزّت رأسها بشدة وهي تبكي، وكأنها تقاوم صمتاً طويلاً: “أقسم لكِ يا أمي، حاولتُ أن أبتعد عنه لكنه كان يرفض ترك حالي”. تغير وجه سامي فوراً، واختفت ابتسامته تماماً وقال ببرود: “مريم، اصمتي”.
لكنها لم تتوقف: “كنتُ أريد إنهاء الخطوبة منذ شهرين لكنه كان يلاحقني في كل مكان”. ثم نظرت إليّ وقالت: “إذا تركته”.
وقف سامي ببطء وقال بنبرة منخفضة: “أنتِ تبالغين”. لكن مريم واصلت حديثها بسرعة: “كان ينتظرني أسفل البيت ويمنعني من الخروج وأجبرني على ترك عملي، وقال إنه جميعاً إذا حاولتُ الهرب منه”.
فيه أخيرًا: “اخرج من بيتي حالاً!”. لكن سامي تغير تماماً، وأغلق باب بهدوء وأدار المفتاح ببطء. قال دون أن يرفع صوته: “لن يخرج أحد من هنا قبل أن ننتهي من الحديث”.
أمسكتُ يد ابنتي خلفي، وقلت له محاولةً الثبات: “سامي، افتح الباب”. لكنه اقترب وهو يمسك بتلك الأداة من جديد. وفجأة، أمسك ذراعي بقوة حتى تألمت، وقرّب الأداة مني. تجمّدتُ في مكاني، بينما مريم بالبكاء: “أرجوك لا تؤذِها! سأفعل ما تريد!”.
وفي تلك اللحظة، سمعنا طرقاً قوياً على الباب. تجمّد سامي فوراً، وجاء صوت رجل من الخارج: “يا خالتي فاطمة! افتحي الباب! هل أنتم بخير؟”.
نظرت مريم نحو الخزانة، وفهمتُ فجأة أنها وضعت هاتفاً قديماً هناك وبدأت بثاً مباشراً لما يحدث منذ بداية السهرة. كان الجيران يشاهدون كل شيء. ارتبك سامي لأول مرة، وابتعد قليلاً عني. رفع الهاتف بيده ورأى أن صورته التي أخفاها قد انهارت أمام الجميع. ألقى الجهاز على الأرض بعصبية حتى .
في الخارج، ارتفعت الأصوات: “افتح الباب! نحن نسمع كل شيء!”. حاول سامي السيطرة على الموقف بالضغط على ذراعي، لكن خوفه بدأ يظهر. مريم: “أنتَ مريض!”، فشدني معه وهو يقول: “الآن العمارة كلها تراني كمذنب بسببكِ!”.
عندما سمع صوت الشرطة في الخارج، تراجع سامي. كلمة “الشرطة” أعادته للواقع. حاول البحث عن مخرج لكنه أدرك أنه محاصر. رنّ هاتفه باسم والدته، مما زاد من اضطرابه. ثم فجأة، انقطعت الكهرباء عن المكان في ظلام كامل.
وسط الظلام، قفل الباب ودخل رجال الشرطة ومعهم الجيران. في تلك اللحظة، الأداة من يد سامي وارتخت أصابعه. قيدوا يديه وأخرجوه، بينما كانت نظراته مليئة بغضب مكتوم لأنه فقد السيطرة.
جلست مريم ترتجف، وأخبرتني أنها تحملت كل ذلك وحدها خوفاً عليّ، لأن أول تهديد تلقته منه كان يخص سلامتي.
الدرس المستفاد:
فترة الخطوبة ليست مجرد وقت للترتيبات الشكلية، بل هي فرصة حقيقية لاكتشاف الطباع. الرغبة في السيطرة، الملاحقة، الغيرة المَرَضية، ومنع الطرف الآخر من حياته بحرية، كلها علامات وليست حباً. تجاهل هذه العلامات قد يؤدي إلى عواقب وخيمة، والنجاة تبدأ دائماً حاجز الصمت.




