الحاجه إجلال

لما اتجوزت الحاجة إجلال، كنت شاب عندي خمسة وعشرين سنة، مفلس لدرجة إني كنت بحسب تمن سندوتش الفول قبل ما أشتريه، ومطارد من الديون من كل ناحية.
كنت بنام في عربيتي النقل القديمة ورا سوبر ماركت صغير في آخر شارع جانبي، وأصحى كل يوم على صوت عربيات النقل وهي بترجع بضهرها، وصوت العمال وهم بيزعقوا لبعض.
في الوقت ده، كنت حاسس إن الدنيا خلصت خلاص.
ولا شغل ثابت، ولا أهل قادرين يساعدوني، ولا حتى صحاب فضلوا جنبي بعد ما غرقت.
ولما ظهرت الحاجة إجلال في حياتي، شفتها وقتها كأنها طوق نجاة نازل من السما.
كانت ست عندها واحد وسبعين سنة.
أرملة من سنين طويلة.
هادية جدًا، قليلة الكلام، وعندها بيت كبير في حي راقي، البيت نفسه كان تحفة قديمة؛ جنينة صغيرة فيها شجرة ياسمين، وبلكونة واسعة، وريحتها طول الوقت قهوة وبخور خفيف.
أنا اتعرفت عليها بالصدفة.
كنت بنقل عفش لحد قريب ليها، ويومها الدنيا كانت شتا، وأنا كنت مرهق وجعان لدرجة إني وقفت أدوخ قدام باب العمارة.
هي اللي نزلت بنفسها وسندتني تدخلني.
ادّتني كوب شاي سخن، وسابتني أقعد
ساعة كاملة من غير ما تسألني أي سؤال محرج.
وبعدها بأيام، بدأت تكلمني تاني.
ثم الموضوع اتطور بسرعة غريبة، لحد ما عرضت عليا الجواز.
الناس كلها استغربت.
وأنا وافقت فورًا.
مش علشان الحب.
ولا علشان الراحة النفسية.
أهو استحمل كام سنة وخد اللي عايزه.
وأنا وقتها كنت فاكر فعلًا إني كسبت.
لكن بعد العزا بأسبوع، رحت مكتب المحامي علشان الوصية.
وقعدت قدامه وأنا متوتر، لكن جوايا يقين إني أخيرًا هرتاح.
المحامي فتح الملف وقعد يقرأ بهدوء.
البيت لبنت أختها.
الفلوس أغلبها اتبرع بيه لجمعيات خيرية ومستشفى أطفال.
المجوهرات القديمة اتوزعت على قرايبها.
أما أنا
ولا جنيه.
حسيت ساعتها إن الأرض بتتهز تحت رجلي.
كنت مصدوم.
مش علشان الفلوس بس
لكن علشان لأول مرة أحس إني فعلًا كنت غريب عنها.
المحامي سكت شوية، وبعدها قام وطلع كرتونة جزمة قديمة من درج جنبه.
وحطها قدامي.
كان مكتوب عليها اسمي بخط الحاجة إجلال المرتب.
بصيتله باستغراب
إيه ده؟
قال بهدوء
الحاجة إجلال قالتلي أسلمهولك بعد الوصية وقالت ده الشيء الوحيد اللي هو محتاجه فعلًا.
إيديا اترعشت وأنا بفتح الكرتونة.
أول حاجة شوفتها كانت ظرف أبيض كبير.
فتحته بسرعة.
كان جواه مبلغ فلوس بسيط أقل بكتير من اللي كنت متخيله.
لكن تحت الفلوس كان فيه دفتر صغير بني قديم.
وعليه ورقة
وافقت علشان كنت شايف إنها فرصة العمر.
وقتها، أقنعت نفسي إن اللي بعمله منطقي.
قلت
هعيش معاها كام سنة، أهتم بيها شوية، وفي الآخر البيت يبقى بتاعي، وأبدأ حياتي من جديد.
كنت فاكر نفسي ذكي.
لكن الحقيقة إني كنت غلبان من جوايا أكتر مما كنت طماع.
الحاجة إجلال من أول يوم كانت بتعاملني بطريقة غريبة جدًا كأنها فاهماني أكتر من نفسي.
ما سألتنيش يوم عن ماضيّ.
ولا عيّرتني بفقري.
ولا حتى حسستني إني أقل منها.
كانت بتصحى بدري تعمل الفطار بنفسها.
ولو اتأخرت في النوم، تسيبلي الأكل متغطي على السفرة ومعاه ورقة صغيرة مكتوب فيها
كل قبل ما الأكل يبرد.
أول مرة جزمتي اتقطعت، رجعت البيت لقيت كيس جنب السرير فيه جزمة جديدة.
ولما البرد دخل، لقيت جاكيت شتوي متعلّق جنب الباب.
قلت لها باستغراب
جبتي ده ليه؟
ردت ببساطة
علشان متبردش.
بس رغم كل ده أنا ماكنتش شايف.
كنت طول الوقت مركز على حاجة واحدة بس.
الورث.
كل مرة كانت تمسك الدوا، كنت أقول في نفسي
أكيد صحتها مش أحسن حاجة.
كل زيارة دكتور كانت تخليني أفكر
يمكن الوقت قرب.
ولحد النهاردة، كل ما أفتكر تفكيري وقتها، أحس بخجل من نفسي.
لأن الست دي كانت طيبة بشكل نادر.
لكن الطمع بيعمي.
عدت الشهور، والحياة استقرت بشكل غريب.
ولأول مرة من سنين، بقي عندي سرير أنام عليه من غير خوف.
بقي عندي بيت.
وأكل.
وهدوء.
لكن قلبي نفسه كان لسه جعان.
وفي صباح شتوي هادي، صحيت على صوت خبطة جامدة في المطبخ.
جريت بسرعة.
لقيت الحاجة إجلال واقعة على الأرض، والكوباية مكسورة جنبها.
كانت بتحاول تتكلم لكن صوتها كان ضعيف جدًا.
الإسعاف جت، والمستشفى استقبلتها، وأنا قعدت قدام العناية التلات أيام بحالهم.
وللمرة الأولى خوفت.
خوفت بجد.
مش علشان الورث.
لكن علشان البيت نفسه كان هيبقى فاضي بشكل مرعب من غيرها.
بعد تلات أيام الحاجة إجلال ماتت.
البيت كله سكت.
حتى الساعة القديمة اللي في الصالة حسيت صوتها بقى أوضح بعد غيابها.
في العزا، الناس كانوا بيبصوا لي بنظرات باردة.
واحدة من قرايبها قالت بصوت واطي وهي فاكرة إني مش سامع
مكتوب فيها
اقرأ للآخر وبعدها احكم عليا.
فتحت الدفتر.
وكانت الصدمة الحقيقية.
الدفتر ده كان مذكراتها.
كل صفحة فيها كانت بتحكي عني.
عن أول يوم شافتني فيه واقف مرهق وتعبان.
عن إني كنت بحاول أبان قوي وأنا مكسور.
عن إني وأنا نايم أول ليلة في البيت كنت بصحى مفزوع كل شوية.
عن إني كنت بخبي الأكل ساعات كأني خايف يجوعني الزمن تاني.
وكانت كاتبة جملة وقفتني تمامًا
هو فاكر إنه جه علشان البيت لكن الحقيقة إنه كان محتاج أمان أكتر من أي حاجة.
كملت قراءة.
وفي صفحة بعد كده، كتبت
عارفة إنه مستني أموت علشان يرتاح. ويمكن لو كنت مكانه وعندي نفس الوجع، كنت فكرت زيه. بس أنا مش زعلانة منه.
وقفت القراءة لحظة.
قلبي وجعني بشكل غريب.
لأول مرة، حسيت إني صغير جدًا.
وفي آخر الدفتر، لقيت رسالة طويلة ليا.
كانت بتقول
يا كريم
لو أنت بتقرأ الكلام ده، يبقى أنا مش موجودة خلاص.
وأنا عارفة إنك زعلان إنك ماخدتش البيت.
بس البيت عمره ما كان هيعالج خوفك.
ولا الفلوس كانت هتديك راحة.
أنا شوفت فيك ولد تايه أكتر من إني شوفت راجل طماع.
علشان كده، سبتلك الحاجة الوحيدة اللي أنا متأكدة إنها هتنفعك.
وتحت الرسالة كان فيه مفتاح صغير.
وورقة بعنوان.
روحت العنوان تاني يوم.
كان ورشة نجارة صغيرة في حي قديم.
استقبلني راجل كبير مبتسم وقال
أخيرًا جيت.
طلع إن الحاجة إجلال كانت دافعة مقدم كبير من زمان علشان أستلم الورشة دي بالكامل.
وكانت كمان متفقة مع صاحبها يعلمني الشغل بنفسه.
أنا وقتها كنت واقف مش فاهم.
ليه تعمل كل ده؟
ليه تثق في واحد زيي؟
الراجل الكبير ضحك وقال
الحاجة إجلال كانت تقول دايمًا إنك محتاج تتعب في حاجة تخصك علشان تعرف قيمة نفسك.
ومن يومها حياتي اتغيرت فعلًا.
مش بسرعة.
ولا بالسحر.
في الأول كنت فاشل جدًا.
إيدي كانت بتتجرح، والشغل يبوظ مني، والزبون يزعق.
لكن لأول مرة في حياتي، كنت ببني حاجة بإيدي.
مش مستني حد ينقذني.
عدت سنة ثم اتنين.
والورشة الصغيرة بدأت تكبر.
بقي عندي زباين ثابتة.
وبقيت أصحى الصبح وأنا حاسس إني ليا قيمة.
وفي يوم، وأنا بنضف درج قديم في الورشة، لقيت ظرف صغير مستخبي.
كان من الحاجة إجلال.
آخر رسالة.
فتحتها بسرعة.
وكان مكتوب فيها
لو وصلت لهنا فأنا كنت صح.
أنت ماكنتش محتاج ورث.
أنت كنت محتاج فرصة تؤمن بنفسك.
وأهو بقي عندك بيت من تعبك مش من موت حد.
يومها قعدت أعيط لأول مرة من سنين.
مش علشان خسرت الفلوس.
لكن علشان فهمت متأخر جدًا إن الست دي كانت بتحاول تنقذني وأنا طول الوقت فاكرها مجرد محطة لراحة مؤقتة.
دلوقتي، بعد سنين، بقيت كل ما أعدي من قدام بيتها القديم أبص للبلكونة اللي كان فيها الياسمين، وأفتكرها.
وأفتكر إن في ناس قليلة جدًا في الدنيا بتحبك بشكل أهدى وأنضف من إنك حتى تلاحظه وقتها.
والحقيقة؟
الحاجة إجلال ما سابتليش بيت.
هي سابتلي نفسي.
تمت.








