عام

امانة ابني

شفت مرات ابني وهي بتركن عربيتها على شط الترعة، وبتحدف شنطة سفر تقيلة جوه المية. ولما شدّيتها بصعوبة من وسط الطين، سمعت صوت “تنهيدة” ضعيفة جاية من جوه.. ولما فتحتها، قلبي وقف من اللي شفته.
“الشنطة دي ما وقعتش في الترعة صدفة، دي كانت عايزة تغرق اللي جواها عشان مفيش حد يسمع صوته.”
ده كان أول خاطر جيه في بالي لما شفت **”مروة”** وهي بتنزل من عربيتها الملاكي قدام بيتي البسيط اللي بيبص على ترعة كبيرة في أطراف البلد. كنت قاعدة في جنينة البيت بشرب كوباية شاي وبصيت لقيتها داخلة بالسرعة دي ومغيرة لون الدنيا تراب وراها.

 

من ساعة ما ابني **”جمال”** مــ,ـات من تمن شهور، ومروة مابقتش تظهر خالص، ولو جت، بتيجي عشان ورقة عايزة تمضيها، أو فلوس بتقول إن “جمال كان وعدها بيها”. لا كانت بتيجي تدعيله، ولا حتى تسأل عليا. كان عندي 64 سنة، واسمي **”عطيات”**، واتعلمت أبلع وجعي لوحدي.
بس بعد الظهر ده، مروة ماكانتش زي الأرملة المكسورة. كانت زي واحدة خايفة من خيالها.
نزلت من العربية وبسرعة البرق شدّت شنطة سفر كبيرة من الشنطة الخلفية. عرفتها علطول.. دي الشنطة اللي ابني جمال جابها لها هدية في جوازهم.

مقالات ذات صلة

جرت بيها ناحية المية، وكانت بتبص حواليها كأنها خايفة حد يكون شايفها.
* “يا مروة!” صرخت فيها من مكاني.
ما التفتتش وراها.
شفتها وهي بتشيل الشنطة بكل قوتها، وترميها في المية.
الصوت اللي عملته الشنطة ماكانش صوت حاجة فاضية. صوت خبطة تقيلة.. مكتومة.. وتوجع القلب.
فضلت الشنطة عايمة ثواني، وبعدها بدأت تغطس.
مروة ركبت عربيتها، خبطت الباب بقوة، ومشت من غير ما تبص وراها مرة تانية.
ماعرفش القوة دي جت منين.. سيبت كوباية الشاي، وجريت زي ما أكون رجعت شابة، نزلت السلالم وقطعت الجنينة وطلعت على الشط. ركبي كانت بتوجعني، ونفسي مقطوع، والطين كان بيشد رجلي، بس في حاجة جوايا كانت بتصرخ إني لازم أنقذ اللي جوه الشنطة.

نزلت المية بهدومي، والمية كانت تلاجة والطين بيحاول يمسك في رجلي كأنه عايز يسحبني معاه. لما لمست يد الشنطة، حسيت إنها أتقل بكتير مما تخيلت.
سحبت بكل اللي فيا، ولما طلعتها على البر، كنت برتعش.
وهنا سمعت الصوت.. صوت ضعيف جداً.. بيشبه الأنين.. زي نَفَس مكتوم بيصارع الحياة.
إيديا كانت بترعش لدرجة إني مش عارفة أفتح السوستة. ولما اتفتحت، الدنيا كلها لفت بيا.
جوه الشنطة، ملفوف في بطانية زرقاء مبلولة، كان فيه مولود جديد.
كان أزرق من البرد، وتلج، ومكتم. والحبل السري مربوط بخيط خياطة عادي، كأنه اتولد في السر، من غير دكاترة، من غير مستشفى، ومن غير روح تستقبله بالحب.
“لا.. لا يا رب!” فضلت أتمتم وأنا بضمه لصدري.

جريت بيه على البيت، اتصلت بالإسعاف بإيد، وبضمه للتانية، وبصوت مبحوح بطلب منهم يلحقوني.
لما الإسعاف وصل، أخدوه مني بالعافية، وطلعت معاهم المستشفى، ماقدرتش أسيبه.
هناك، ممرضة سألتني: “مين اللي رمى الشنطة؟”
بلعت ريقي بصعوبة وقلت: “مرات ابني.. مروة.. أنا شفتها بعيني.”
الشرطة جت بعدين، وفضلوا يسألوني نفس الأسئلة: الساعة كام؟ كانت لابسة إيه؟ متأكدة إنها هي؟
جاوبت على كل كلمة، بس لما نطقت اسم “مروة”، العساكر بصوا لبعض بصة غريبة.
الظابط قالي: “يا حاجة عطيات، لازم نتأكد كويس قبل ما نتهم حد.”
مافهمتش.. نتأكد من إيه؟ أنا شفتها بعيني!

بعد ساعات، والطفل كان بيصارع الموت في الحضانة، الظابط رجع ونظراته تقيلة..
قاللي إن كاميرات المراقبة جايبة عربية مروة في حتة تانية خالص في نفس الوقت!
قالولي يمكن ده وهم بسبب صدمة موت ابني، يمكن عقلي بيخرفني عشان يلاقي مذنب.
وبعدين سألني السؤال اللي خلاني أحس إن قلبي هيقف:
“يا حاجة عطيات.. إنتي كنتِ بتكرهي مرات ابنك، صح؟”
ماكنتش مصدقة اللي بيحصل. أنا طلعت روح من وسط الموت، وشفتها بعيني، ودلوقتي بقيت أنا المتهمة!
بس ده كان ولا حاجة جنب اللي كنت على وشك أعرفه..

لأن الطفل اللي في الشنطة ماكانش مجرد ضحية.. ده كان مربوط بابني اللي مات.. والسر اللي ورا ولادته، كان سر ناس مستعدة تق*تل عشان يفضل مدفون.

الفصل الثاني: خيوط العنكبوت
وقفت في طرقة المستشفى الطويلة، ريحة الكلور والديتول كانت خانقة، وكل خطوة بمشيها كانت بتوجعني في عضمي، مش بس من التعب، لا، من الحيرة اللي بتهد حيلي. “مروة” في مكان تاني، والكاميرات شاهدة؟ ده كلام يخش العقل؟ أنا شفتها! شفت عينيها اللي بتلمع بالخوف، وشفت الطرحة اللي كانت لفاها بطريقة معينة، وشفت العربية اللي حافظة خبطة الفانوس اليمين فيها زي ما حافظة اسمي.

الظابط “حسام”، اللي كان بيحقق معايا، كان بيبص لي بشفقة، شفقة اللي شايف واحدة ست كبيرة خرفانة، مش شفقة اللي بيصدق ضحية.
* “يا حاجة عطيات، ارتاحي شوية، الولد في أمان، والدكاترة قايمين بالواجب. روحي كلي لقمة وبكرة نشوف الموضوع ده.”
هزيت راسي بضعف، بس كان جوه مني بركان بيغلي. “أرتاح؟ ده أنا لو غمضت عيني هشوف وش مروة وهي بتحدف الشنطة تاني.”

خرجت من المستشفى، الدنيا كانت ليل، والسما مغيمة كأنها حاسة بالهم اللي في قلبي. ركبت تاكسي وطلبت منه يوصلني لبيتي. طول الطريق، صور ابني “جمال” بتمر قدامي. جمال كان شاري مروة، كان بيحبها حب يخلي الواحد يستغرب، رغم إني كنت شايفة إنها مش من توبتنا. كانت بنت مدينة، بتموت في المظاهر، وجمال كان بيشتغل ليل نهار عشان يوفر لها عيشتها اللي بتحلم بيها.

لما وصلت البيت، دخلت الأوضة بتاعة جمال.. زي ما سبتها من يوم ما مات. ريحة البرفان بتاعه لسه في هدومه المعلقة في الدولاب. قعدت على السرير وطلعت صورة ابني وبصيت فيها.
* “يا جمال.. يا ابني، هو إيه اللي حصل؟ هي مروة دي كانت مخبية عننا إيه؟ ومين الطفل ده؟ وليه تحاول تموته؟”
فجأة، عيني وقعت على حاجة غريبة. نوتة صغيرة، مذكرات جمال، كانت مرمية ورا المكتبة الخشب. جمال كان بيكتب كل حاجة فيها. مسكتها وإيدي بتترعش، قلبت في الورق، لحد ما وصلت لآخر صفحة كتب فيها قبل ما يموت بأسابيع.
لقيت كلام زي السم: *”مروة مش اللي أنا حبيتها.. مروة دخلت حياتي عشان حاجة تانية خالص. خايف.. خايف من اليوم اللي هعرف فيه الحقيقة.”*

قلبي دق بسرعة.. الحقيقة؟ أي حقيقة؟ كملت قراءة، لقيت ورقة تانية متنية، مكتوب فيها اسم مستشفى في القاهرة، وتاريخ عملية. ده مش تاريخ مرضه، ده تاريخ حاجة تانية.
في اللحظة دي، سمعت صوت عربية بتقرب من البيت. وقفت ورا الستارة وبصيت من الشباك. كان نور عالي، عربية مروة!
جت هنا؟ دلوقتي؟ الساعة اتنين بعد نص الليل؟
نزلت من العربية وهي بتتلفت حواليها بنفس الطريقة اللي شفتها بيها الصبح. كانت لابسة أسود في أسود، وماسكة شنطة صغيرة في إيدها.
بدل ما أدخل جوه البيت، دخلت المطبخ بسرعة وأخدت س*كينة.. مش عشان ، لأ.. عشان أحمي نفسي. هي جاية تعمل إيه؟ جاية تخلص على اللي أنا عارفاه؟

دخلت المفتاح في الباب، وفتحت بشويش. كنت واقفة في الضلمة ورا الباب. دخلت هي، ونفَسها كان عالي. كانت بتدور على حاجة.. كانت بتفتح الأدراج بلهفة، بتدور على حاجة تخص جمال.
* “بتدوري على إيه يا مروة؟” صوتي طلع قوي.. أقوى مما كنت متوقعة.
انتفضت مروة ووقعت الشنطة من إيدها، وبصتلي وعينيها كانت واسعة من الرعب:
* “خالتي عطيات! إنتي.. إنتي لسه صاحية؟”
قربت منها خطوة، وكنت ماسكة مذكرات جمال في إيدي التانية:
* “سؤالك الأهم مش أنا ليه صاحية.. سؤالك الأهم هو إيه اللي في الشنطة ده؟ ومين الطفل اللي رميتيه في الترعة؟ وفين جمال في الليلة اللي دخلتِ فيها حياتنا؟”
مروة وشها بقى أصفر، والدم هرب من وشها:
* “يا خالتي، إنتي مش فاهمة حاجة.. اللي شفتيه ده خيال.. أنا كنت في القاهرة، عندي شهود!”
* “الكاميرات كدابة يا مروة.. أو يمكن أنتي اللي معاكي مفتاح اللغز. أنا عارفة إن جمال كان خايف منك.. عارفة إنه كان عارف حاجة.”

مروة ضحكت ضحكة مكسورة، وبصتلي بنظرة ماقدرتش أفسرها، كانت نظرة حزن وغل في نفس الوقت:
* “جمال ماكانش ضحية يا خالتي.. جمال كان جزء من أكبر صفقة قذرة في البلد دي. والطفل اللي في الشنطة.. ده مش مجرد طفل.. ده الوريث اللي ناس كتير مستعدة تحرق الدنيا عشان مايطلعش للنور.”
وقفت مصدومة.. وريث؟ صفقة؟ ابني اللي كنت فاكراه موظف بسيط، كان غارق في إيه؟
مروة قربت مني، وهمست بصوت يرجف:
* “لو عايزة تعيشي، وتعرفي مين اللي قت*ل جمال فعلاً.. لازم تخرجي الطفل ده من المستشفى قبل الفجر. الناس اللي ورا الموضوع ده جايين دلوقتي.. وهيمسحوا المستشفى بمن فيها.”
حسيت الدنيا بتلف بيا. كلامها كان زي الرصاص. يا ترى هي صادقة؟ ولا دي خطة تانية عشان تخلص مني؟
في اللحظة دي، سمعت صوت عربيات تانية داخلة القرية، أصوات مش مألوفة.. أصوات عربيات تقيلة..
بصيت لمروة وقلت: “لو بتكدبي عليا.. هحرقك قبل ما هما يوصلوا.”
ردت بدموع: “أنا مش بكذب.. أنا بنتي اتخطفت، والطفل ده هو المقابل اللي طلبوه عشان يرجعوها.”
في ثانية واحدة، حياتي الهادية في البلد بقت ساحة معركة. طفل، وبيت مخفي، وموت جمال، وبنت مروة.. والخيوط كلها بدأت تتشابك، وأنا يا دوب عجوزة في الـ 64، بس ورايا روح بريئة لازم أتحميها.
خرجت أجري، وكنت عارفة إن الليل ده مش هيعدي بالساهل.
**
الفصل الثالث: في قلب العاصفة

كان الليل بيمر كأنه سنين، والقرية اللي كانت نايمة في أمان، بدأت تتحول لساحة حرب صامتة. مروة بصت لي نظرة خايفة، نظرة حد ملوش غيري في الدنيا دي، رغم كل اللي عملته. ركبت عربيتها بتهور، وشاورتلي أركب جنبها. “يا خالتي، الوقت بيسرقنا، لو وصلنا المستشفى قبل الفجر ممكن نلحق ناخد الواد قبل ما يوصلوا الرجالة اللي بيدوروا عليه.”

أنا، الحاجة عطيات، اللي عمري ما ركبت عربية بتطير بالطريقة دي، مسكت في الباب بكل قوتي. الخوف كان مالي قلبي، بس الغريزة اللي خلتني أنزل الترعة وأنا ست كبيرة، هي نفسها اللي خلتني أوافق أركب مع مروة. “انطقي يا مروة، مين الناس دي؟ وايه علاقة ابني جمال بكل ده؟”

مروة سكتت لحظة، والدموع كانت محبوسة في عينيها، وبعدين قالت بصوت يرجف: “جمال مكنش موظف عادي زي ما كنتِ فاكرة. جمال كان شغال في ‘الأرشيف’. شركة استثمارية كبيرة بتغسل فلوس لناس واصلة جداً في البلد. والطفل ده.. الطفل ده هو الحفيد الوحيد لواحد من أباطرة السوق، والده اتق*تل في ظروف غامضة، وأمه كانت عايزة تتخلص من الولد عشان تسيطر على الورث، بس جمال كان معارض.. جمال كان عايز يحمي الواد، وكان بيحاول يهرب بيه قبل ما يقت*لوه هو كمان.”

الكلمات وقعت عليا كأنها خبطة شومة. ابني؟ جمال اللي كان بيقسم بلقمة العيش الحلال؟ كان في الحكاية دي كلها؟

“إنتي كدابة! ابني مايمدش إيده على حرام!” صرخت فيها، بس مروة هزت راسها بحزن: “كان بيحاول يكفر عن ذنبه يا خالتي. كان بيحاول يهرب بالطفل عشان يرجعه لأهله الحقيقيين، بس ق*تلوه.. ق*تلوه عشان ميعرفوش يوصلوا للطفل.”

وصلنا المستشفى، كانت الدنيا هادية بشكل مريب. النور في الطرقة كان بيتهز، وأصوات الحراسة اللي المفروض تكون موجودة.. مش موجودة. مروة مسكت إيدي وقالت لي: “خليكي ورايا، لازم نوصل للحضانة قبل ما يوصلوا هم من الباب الرئيسي.”

دخلنا من باب الطوارئ الخلفي، قلبي كان بيدق زي الطبل البلدي. كل خبطة في الأرض كانت بتتردد في ودني. طلعنا الدور التالت، والحضانة كانت في آخر الطرقة. لمحت ممرضة خارجة، وشها كان ميت من الرعب. مسكتها مروة من دراعها: “فين الطفل اللي دخل النهاردة في الشنطة؟” الممرضة بصت لنا بذهول: “جت ست لابسة أسود وقالت إنها أمه، وأخدته وطلعت!”

“يا مصيبتي!” صرخت. جرينا على السلالم بدل الأسانسير. مروة كانت بتصرخ: “مش هي أمه! دي واحدة من أتباعهم!”

في الوقت ده، شفت عربيتين سود غامقين داخلين أرض المستشفى بسرعة. كان واضح إنهم مش جايين زيارة. مروة سحبتني ورا عمود خرساني في الجراج. “يا خالتي، اسمعيني كويس. دي فرصتنا الوحيدة. العربية اللي هناك دي هي عربيتهم. لو قدرنا نوقفهم، يمكن نلحق الواد.”

في وسط الضلمة، شفت ست طويلة، لابسة عباية سوداء، شايلة طفل بيعيط في إيدها، وكانت ماشية بسرعة ناحية عربية واقفة والباب مفتوح. كان لازم أعمل حاجة. رميت الموبايل بتاعي ناحية العربية التانية عشان أعمل دوشة وأشتت انتباههم. الخطة نجحت! الرجالة اللي كانوا واقفين جنب العربية لفوا وشهم ناحية الصوت.

في اللحظة دي، مروة طلعت من ورا العمود، وصرخت في الست: “سيبيه!”

الست ارتبكت، والطفل وقع من إيدها على المرتبة اللي كانت حاطاها في العربية. مروة جريت بتهور، خدت الطفل ودارت وشها عشان تهرب، بس الرجالة كانوا أسرع. واحد فيهم طلع س*لاحه.. قلبي وقف، ولقيت نفسي بنط قدام مروة عشان أحميها، أو يمكن عشان أحمي الواد اللي في إيدها.

فجأة، نور عربية المستشفى (البوليس) نور في كل مكان. الظابط حسام! كان متابعنا من ساعة ما خرجنا من البيت. صراخ، طلقات نار في الهوا، وتوتر ملوش وصف. الرجالة هربوا في العربيات، والظابط حسام نزل وهو بيصوب س*لاحه.

مروة وقعت على الأرض وهي ضامة الطفل لصدرها، وأنا كنت جنبه، بنهج وبحاول ألم أنفاسي. حسام قرب مننا وبص لنا بنظرة غريبة: “الحاجة عطيات.. قولتلك استني في البيت!”

بصيت له وقلت بصوت مبحوح: “الواد ده.. أمانة يا ابني. جمال ابني مات عشانه، ومينفعش يضيع دلوقتي.”

مروة بصت لحسام وقالت: “كل حاجة في المذكرات اللي في شنطة عطيات. كل الأسماء، كل التحويلات البنكية. جمال كان مجهز كل حاجة قبل ما

حسام أخد الشنطة من إيدي، وفتح المذكرات. كان بيقلب الصفحات، ووشه بيتغير من الدهشة للغضب. “لو الكلام ده حقيقي، نص البلد دي هتروح ورا الشمس.”

أخدونا على القسم، بس المرة دي ماكنتش متهمة، كنت شاهدة.. شاهدة على عصر من الفساد ابني كان ضحيته. الطفل اتحط في مكان آمن، ومروة قعدت تعيط بحرقة، مش على جمال، ولا على نفسها، بس كانت خايفة من اللي جاي.

قعدت قدام الظابط حسام، وبدأت أحكي كل اللي شفته، كل اللي جمال كتبه، وكل اللي مروة اعترفت بيه. البلد بدأت تصحى على فضيحة هزت كيان ناس كبار.

بس وسط كل ده، وأنا قاعدة لوحدي في البيت تاني يوم، جالي جواب متسجل من مجهول. فتحته وإيدي بتترعش. كان فيه صورة ليا وأنا طالعة من المستشفى، ومكتوب تحتها: *”دي لسه البداية يا عطيات. الحقيقة بتدفع تمنها غالي، والواد ده مش هيعيش عشان يشوف بكرة.”*

الخوف رجع ينهش في قلبي تاني، بس المرة دي كان معاه عزم حديد. جمال مات، بس الواد ده بقى حتة مني. قمت وفتحت صندوق قديم في الدولاب، وطلعت منه مس*دس جمال القديم اللي كان مخبيه.. رخصته معايا، وخبرتي في التعامل مع الصيادين في البلد كافية.

التحقيقات خدت وقت طويل، والظابط حسام كان بيجيلي البيت كل يوم تقريباً، مش عشان يحقق، بس عشان يطمن عليا. في الأيام دي، بدأت الصورة توضح أكتر. جمال ابني ما كانش مجرد ضحية، كان “صندوق أسود”. كان عارف كل صغيرة وكبيرة عن عمليات غسيل الأموال، وعن صفقات الأراضي اللي كانت بتتم بأسامي مستعارة. ولما حس إنهم بدأوا يشكوا فيه، قرر يوثق كل حاجة في مذكراته، المذكرات اللي بقت دلوقتي هي “الدليل القاطع” في الق*ضية اللي هزت الرأي العام.

مروة.. مروة كانت حكاية تانية. بعد اللي حصل، قعدنا مع بعض قعدة صراحة مفيش زيها. حكت لي كل حاجة، من غير تمويه. اعترفت إنها في الأول كانت خايفة على بنتها اللي خطـ,ـفوها منهم عشان يضغطوا عليها، وإنها حاولت تتخلص من الشنطة مش عشان هي مجرمة، بس لأنهم هددوا حياتها وحياة الطفل لو الشنطة فضلت موجودة.

* “يا خالة عطيات، أنا مكنتش عايزة أأذي حد، كنت عايزة بس أعيش في سلام مع بنتي، بس هما وصلوني لطريق مسدود.”

مسكت إيديها وقلت لها: “يا بنتي، كلنا بنغلط لما بنحس إننا لوحدنا. الخوف بيخلينا نعمل حاجات عمرنا ما تخيلناها، بس اللي بيفرق هو مين فينا اللي بيرجع يواجه الحقيقة في الآخر.”

الطفل اللي كان في الشنطة، سميناه “جمال” تيمناً بابني. قضيته اتكشفت، وطلع إن أهله الحقيقيين ناس من أعيان البلد اللي كانوا معارضين لكل الصفقات المشبوهة دي، واتق*تلوا عشان يورثوا الولد ويحطوه في إيد ناس تانية تتحكم في ثروته. الرأي العام في مصر كلها اتفاعل مع القصة، والقصة بقت “تريند” في كل حتة، لدرجة إن القنوات الفضائية كانت بتبعت عربيات بث قدام البيت عشان تاخد مني لقاء، بس كنت برفض. أنا مش بطلة سينما، أنا أم خدت حق ابنها.

الفصل السادس: الرحلة نحو العدالة

المحاكمات كانت طويلة وشاقة. وقفت في قاعة المحكمة، لابسة توبي الأسود، وواقفة قدام القاضي بثبات ماكنتش أعرف إني أملكه. شفت في قفص الاتهام الرجالة اللي دخلوا بيتي، وشفت الناس اللي كانوا بيحركوهم من ورا الستار، ناس ببدل غالية ووجوه باردة مافيهاش ذرة إنسانية.

لما سألني القاضي: “يا ست عطيات، إيه اللي خلاكي تخـ,ـاطري بحياتك عشان طفل غريب؟”

بصيت للجمهور، وبصيت لجمال في مذكراته اللي كانت قدامي، وقلت بصوت جهوري هز القاعة:

* “يا سيادة القاضي، هو مش غريب. ده روح كان متهدد بالضياع زي ما ابني ضاع. أنا لا بطلة ولا حكيمة، أنا أم شافته بيترمي زي الزبالة، وقلبي ماطوعنيش. لو كان جمال ابني موجود، كان هيعمل أكتر من كده.”

القاعة سكتت، والدموع كانت في عيون ناس كتير. الحكم في النهاية كان تاريخي؛ أحكام بالسجـ,ـن المؤبد لمدبري الجـ,ـرائم، وتفكيك للشبكة اللي كانت بتمص دم الناس. العدالة أخدت مجراها، مش بس عشان ابني، بس عشان كل روح بريئة كانت ممكن تضيع في سكة الظلم دي.

### الفصل السابع: الهدوء اللي بعد العاصفة

عدت سنة كاملة. البيت اللي كان يوم من الأيام مسرح للرعب، بقى دلوقتي مكان للس*كينة. مروة وبنتها بقوا بييجوا يزوروني كل أسبوع، والطفل “جمال” الصغير بقى بيجي يملى البيت ضحك وصريخ.

بقت عادتي كل يوم العصر، أقعد في الجنينة، أبص على الترعة اللي بقت هادية، وأفتكر جمال. مش بفت

كر الوجع، ولا بفتكر الطريقة اللي مات بيها، لأ.. بفتكر ضحكته وهو صغير، بفتكر طموحه، وبفتكر إنه في الآخر، مات بطل.

أنا دلوقتي في الـ 65 من عمري، وشعري بقى أبيض زي القطن، بس روحي لسه شابة. اتعلمت إن الحق مش بيجي بالساهل، وإن الواحد لازم يفضل واقف على رجليه حتى لو كل اللي حواليه قالوا له “خلاص، كبرتِ”.

أحياناً بطلع المذكرات، بقرأ صفحة أو اتنين، وأبتسم. جمال ساب لي تركة تقيلة، بس ساب لي معاها “عيلة” تانية. مروة بقت زي بنتي، والواد جمال هو حفيد الروح اللي بيونسني في كبري.

القرية رجعت لحالها، بس الناس بقوا بيخافوا يعملوا حاجة غلط، لأنهم عارفين إن في “بيت عطيات” فيه ست، مهما كبرت، بتشوف اللي مش شايفينه، وبتسمع صراخ الحق حتى لو كان مدفون في قاع الترعة.

قعدت النهاردة وبصيت للسما، قلت لنفسي: “يا جمال، يا ابني، نمت مرتاح دلوقتي يا بطل؟”

حسيت بنسمة هوا باردة لمست وشي، كأنها رد منه، أو كأنها حضن من روح ابني اللي عمره ما فارقني.

القصة هنا مش عن الموت، ولا عن الشنطة، ولا عن الفلوس. القصة عن “الوفاء”. وفاء الأم لابنها، ووفاء الحق لأصحابه. أنا عطيات، وعشت عشان أشوف الحقيقة بتنتصر، وعرفت إن العمر ما يقاس بالسنين، بس بيقاس بالمواقف اللي بنقفها، وبالأرواح اللي بنقدر ننقذها من الضياع.

وكل ما بفتكر اللحظة اللي طلعت فيها الشنطة من الطين، بقول لنفسي: “لو رجع بيا الزمن، هعمل نفس اللي عملته، وهنزل المية، وهفتح السوستة، وهخرج الحياة من قلب الموت.. مية مرة.”

الدنيا بتدور، والناس بتيجي وبتمشي، بس الحق بيفضل هو الأساس. والست العجوزة اللي في بيت على أطراف القرية، لسه قاعدة، بتشرب شايها، وبتراقب الدنيا بعيون صقور، مستعدة لأي حق تاني يضيع، عشان ترجعه لأصحابه.. لأن دي مهمتي اللي مكملة لحد ما يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

**هنا تنتهي القصه قراءة ممتعة

زر الذهاب إلى الأعلى