أخبار

في جنازة زوجي

أما الشرفة الواسعة التي تحيط بالمنزل، فكانت تسمح لصوت المطر بالدخول من كل الجهات.
لكن المطر هنا لم يكن يشبه أي مطر عرفته من قبل.
لم يكن يبدو كعاصفة.
بل كرفيق هادئ يجلس إلى جوارك كي لا تشعري بالوحدة.
تجولت بين الغرف ببطء.
وكانت صور حسن معلقة على الجدران في كل مكان.
في بعضها كان شابًا يقف وسط المزارع.
وفي أخرى كان أكبر سنًا يبتسم بين العمال.
وفي صورة صغيرة كان يحتضن كلبًا ضالًا بابتسامة دافئة جعلتني أشعر أنني أعرفه رغم أنني لم ألتقِ به يومًا.
وفي صباح اليوم التالي دخلت إلى المطبخ.
فوجدت مائدة إفطار أُعدت بعناية.
وبجانبها ورقة صغيرة كُتب عليها بخط جميل
مرحبًا بكِ يا أمينة.
هذا البيت كان ينتظر وصولك منذ سنوات.
جلست وحدي أمام الطاولة.
لا أولاد.
لا أحفاد.
لا ضجيج.
لا مطالب.
فقط أنا.
تناولت لقمة صغيرة.
ثم امتلأت عيناي بالدموع من جديد.
لكنها لم تكن دموع الحزن نفسها.
كانت دموع امرأة بدأت تشعر أخيرًا أن لها مكانًا في هذا العالم.
مكانًا لا يُطلب منها فيه أن تعطي أكثر مما تملك.
وفي صباح اليوم التالي اصطحبني قيس إلى المزرعة.
وكلما ارتفعت السيارة بين الجبال، ازداد المشهد حولي جمالًا.
امتدت الحقول الخضراء إلى ما لا نهاية.
وتسلل الضباب بين التلال كأنه نهر أبيض هادئ.
وتناثرت البيوت الريفية الصغيرة بين الأشجار.
وكان الناس يلوحون لنا بابتسامات ودودة كلما مررنا بالقرب منهم.
نساء يكنسن أمام بيوتهن.
وأطفال يركضون بين الحقول.
وعمال يبدأون يومهم منذ ساعات الفجر الأولى.
أما أنا فكنت أنظر من نافذة السيارة بصمت.
وأفكر في السنوات الطويلة التي قضيتها بين المستشفيات والصيدليات والفواتير وغرف المرض.
سنوات كاملة نسيت خلالها كيف تبدو الحياة خارج دائرة التعب.
هنا فقط شعرت أن الهواء مختلف.
كان يحمل رائحة الأرض بعد المطر.
رائحة الحياة.
رائحة شيء ما يزال حيًا رغم كل ما مر به.
ثم ظهرت أمامنا لافتة خشبية كبيرة عند مدخل المزرعة.
تباطأت السيارة.
ورفعت عيني إليها.
كان الاسم محفورًا على الخشب بخط واضح
الأخوان
وفي اللحظة التي قرأت فيها الاسم، عادت الصورة القديمة إلى ذهني فورًا.
أبو علي.
وحسن.
واقفان جنبًا إلى جنب أمام منزل خشبي قديم.
وفجأة شعرت أن كل قطعة مفقودة من الحكاية بدأت تستقر في مكانها الصحيح.
ترجلت من السيارة وأنا ما زلت أحدق في المكان من حولي.
وفي تلك اللحظة خرجت امرأة في أواخر الستينيات من عمرها من باب المنزل الرئيسي.
كانت تبتسم وكأنها تعرفني منذ زمن طويل.
اقتربت مني مباشرة واحتضنتني بحرارة.
ثم قالت
كان أبو علي يذكر اسمك دائمًا.
نظرت إليها بدهشة.
كان يتحدث عني هنا؟
ابتسمت وقالت
في كل مرة كان يتصل فيها بالمزرعة أو بالمكتب الإداري، كان يوصينا بأمر واحد.
وما هو؟
قالت
كان يقول عندما تصل أمينة يومًا، لا تعاملوها كضيفة، بل عاملوها كصاحبة الدار.
توقفت الكلمات في حلقي.
صاحبة الدار.
بدت العبارة أكبر من قدرتي على استيعابها.
أنا التي قضيت عمري كله أخدم الآخرين، وأضع نفسي دائمًا في آخر الصف.
تجولت داخل المنزل الكبير.
كانت هناك شرفة واسعة تصطف فيها الكراسي الهزازة.
وطاولة طعام طويلة تكفي لعائلة كاملة.
وأحواض زهور ملونة تزين المكان.
وغرفة نوم أُعدت بعناية وكأن أحدًا كان ينتظر وصولي منذ سنوات.
وفوق الطاولة الصغيرة بجوار وجدت صورة أخرى.
كان أبو علي فيها بشعره الأبيض الكامل.
يجلس إلى جوار حسن.
وعلى ظهر الصورة تاريخ يعود إلى خمسة عشر عامًا.
حدقت فيها طويلًا.
ثم تذكرت ذلك الأسبوع جيدًا.
كنت قد بقيت في المنزل لأرعى أحفادي.
أما أبو علي فأخبرني يومها أنه مسافر لمراجعة طبيب متخصص.
شعرت بوخزة صغيرة في قلبي.
ليس بسبب الرحلة نفسها.
بل بسبب السر الذي احتفظ به كل تلك السنوات.
همست وأنا أحدق في الصورة
لماذا لم يأخذني معه؟
كان قيس ينظر إلى التلال الممتدة أمامنا.
ثم قال بهدوء
لأنه كان يعرف أولادك جيدًا. كانوا يتابعون حساباته وأملاكه منذ سنوات، وكان يخشى أنهم إذا علموا بأمر هذه الممتلكات فسيحاولون الضغط عليك للتصرف فيها. كما كان يعلم أنكِ لن تتركيه وتسافري بعيدًا وهو يصارع المرض.
وأدركت أنه كان محقًا.
فلو طلب مني الرحيل يومها…
لما تركت جانبه أبدًا.
وبحلول الظهيرة بدأ هاتفي يهتز بلا توقف.
علي.
ثم زهراء.
ثم سارة.
ثم عشرات الرسائل المتلاحقة.
أمي أين أنت؟
يجب أن نتحدث بشأن الوصية.
لا يصح أن تختفي هكذا.
هناك مشكلات قانونية كبيرة.
ابتسمت رغم نفسي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى