في صباح جنازة ابي

لكنه كان يحتفظ بمفتاحها دائمًا.
وعندما دخلتها شعرت وكأن رائحته ما زالت تملأ المكان.
جلست في مكتبه الصغير.
وأمام كومة من الأوراق القديمة.
ثم بدأت أراجع كل ما تركه.
ساعات طويلة مرت وأنا أقلب الملفات والعقود والملاحظات.
حتى عثرت على دفتر صغير أسود اللون.
كان مخبأ داخل درج جانبي.
وعندما فتحته وجدت عشرات الملاحظات المكتوبة بخطه.
مواعيد.
أرقام.
أسماء شركات.
وأسماء أشخاص.
لكن هناك اسمًا تكرر أكثر من مرة.
اسم أحد الموظفين الكبار في الشركة.
الرجل الذي كان يعمل مع أبي منذ سنوات.
وبجانب اسمه كتب أبي أكثر من مرة
يجب مراجعة العقود التي وقعها.
شعرت أنني اقتربت خطوة جديدة من الحقيقة.
لكن الحقيقة نفسها كانت أكبر مما توقعت.
وفي صباح اليوم التالي تلقيت اتصالًا جديدًا من المحامي.
وطلب مني الحضور فورًا.
وعندما وصلت وجدته ينتظرني ومعه رجلان لم أعرفهما.
قدم أحدهما نفسه باعتباره محققًا ماليًا.
أما الآخر فكان خبيرًا قانونيًا يعمل مع الشركة منذ سنوات.
نظر إليّ المحامي وقال
بعد مراجعة الملف ظهرت أمور خطيرة.
تسارعت نبضات قلبي.
وسألته
مثل ماذا؟
فتح المحقق المالي ملفًا أمامه.
ثم قال
هناك تحويلات مالية خرجت من الشركة خلال الأشهر الماضية.
وما المشـ,ـكلة؟
أجاب
المشكلة أنها خرجت إلى شركات وسيطة لا تقدم أي خدمات حقيقية.
ثم أضاف
ومعظم هذه التحويلات انتهى في حسابات مرتبطة بأشخاص مقربين من أحد أفراد العائلة.
شعرت أن الدم تجمد في عروقي.
لكن الرجل لم يذكر اسمًا.
ولم أسأله.
لأنني بدأت أخاف من الإجابة.
ومع توسع المراجعة ظهرت حقائق أخرى.
عقود مبالغ في قيمتها.
مشاريع متوقفة عمدًا.
خسائر غير منطقية.
ووثائق تحمل توقيعات تثير الشبهات.
وكان واضحًا أن شخصًا ما يعمل منذ فترة طويلة لإضعاف الشركة من الداخل.
لكن السؤال الأهم ظل بلا جواب.
هل كانت وفاة أبي جزءًا من ذلك كله؟
أم مجرد مصادفة؟
مر يوم آخر.
ثم يوم ثالث.
وفي مساء اليوم الرابع تلقيت اتصالًا لم أتوقعه.
كان من أحد الأطباء الذين أشرفوا على استقبال أبي في المستشفى ليلة وفاته.
قال إنه يريد مقابلتي.
وعندما التقينا أخبرني بمعلومة جعلت كل شيء يزداد تعقيدًا.
قال إن الوقت المسجل لوصول أبي إلى المستشفى لا يتطابق مع الوقت الذي أخبرني به زوجي.
بل إن هناك فارقًا كبيرًا بينهما.
فارق يكفي لأن يطرح أسئلة كثيرة.
أسئلة لم يعد من الممكن تجاهلها.
وفي تلك اللحظة فقط اتخذت قراري.
لم أعد أستطيع اعتبار ما يحدث مجرد مصادفات متراكمة.
ولم أعد أستطيع إقناع نفسي بأن كل شيء طبيعي.
لذلك عدت إلى المحامي في صباح اليوم التالي.
ووضعت الملف أمامه.
ثم قلت بصوت ثابت رغم الاضطراب الذي يملأ داخلي
أريد فتح تحقيق رسمي.
نظر إليّ طويلًا.
وكأنه كان ينتظر سماع هذه الجملة.
ثم هز رأسه ببطء.
وقال
كنت أعلم أنك ستصلين إلى هذا القرار.
لم أجب.
لأنني كنت أفكر في شيء واحد فقط.
في أبي.
وفي الليلة الأخيرة التي رأيته فيها حيًا.
وفي الجملة التي قالها قبل أن أغادر.
الجملة التي بدت غامضة وقتها.
أما الآن فقد أصبحت أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.
لقد قال
إذا شعرتِ يومًا أن الجميع يطلب منك الإسراع… فتوقفي.
وأنا أخيرًا… توقفت.
في صباح اليوم التالي خرجت من مكتب المحامي وأنا أشعر أن حياتي انقسمت إلى نصفين؛ نصف انتهى ليلة وفاة أبي، ونصف آخر بدأ الآن، نصف لم أعد فيه تلك المرأة التي تكتفي بتصديق ما يُقال لها، أو تقبل التفسيرات الجاهزة لأنها الأسهل والأقل ألمًا، بل أصبحت امرأة تعرف أن وراء كل سؤال مهمل حقيقة قد تغيّر كل شيء، وأن أكثر الأكاذيب خطورة هي تلك التي تُقال وسط الفوضى والحزن لأن الجميع يكون مشغولًا عن ملاحظتها.
لم يمر سوى يومين حتى بدأت الجهات المختصة بمراجعة ما قدمناه من مستندات وملاحظات وتقارير، ولم يكن الملف الذي تركه أبي دليلًا على جريمة بحد ذاته، لكنه كان كافيًا لفتح أبواب كثيرة ظلّت مغلقة لفترة طويلة، خصوصًا بعد ظهور نتيجة التحاليل التي أثبتت وجود مادة مهدئة في جسدي يوم الجنـ,ـازة، وبعد اكتشاف التـ,ـناقضات المتكررة في الروايات المتعلقة بساعات أبي الأخيرة.
أما زوجي…
فبدأ يتغير.
في البداية حاول أن يبدو هادئًا.
بل ومتعاطفًا.
وقال إنه يتفهم حزني وارتباكي.
وأنه سيدعمني مهما كانت قراراتي.
لكن كلما تقدمت التحقيقات خطوة، كان هدوؤه يتآكل أكثر.
وكلما ظهر سؤال جديد، أصبح أكثر عصبية.
وكلما ذُكر اسم أبي أو الشركة أو الملف الذي تركه، كنت أرى ذلك التوتر القديم يعود إلى عينيه من جديد.
وفي الأسبوع التالي حدث ما لم يكن يتوقعه أحد.
فأثناء مراجعة السجلات الطبية الخاصة بأبي، اكتشف المحققون أن هناك اختلافًا بين الوصفة العلاجية الأصلية التي كتبها طبيبه المختص وبين بعض الأدوية التي كانت تصل إليه خلال الأشهر الأخيرة. لم يكن الاختلاف كبيرًا. لكنه كان موجودًا. وكان كافيًا لطرح سؤال جديد. من الذي كان يحصل على الأدوية؟ ومن الذي كان يعرف تفاصيلها؟ ومن الذي كان يستطيع الوصول إليها؟ وبينما كانت هذه الأسئلة تتراكم، ظهر أمر آخر أكثر خطورة. فقد كشفت التحقيقات المالية أن الأموال التي خرجت من الشركة لم تكن عشوائية كما بدا في البداية، بل كانت تسير ضمن نمط واضح، وكأن شخصًا ما كان يستنزف المؤسسة بهدوء وعلى مراحل صغيرة حتى لا يلفت الانتباه. وحين تمت مراجعة التواقيع والموافقات والإجراءات الإدارية، بدأت الأسماء تتكرر.
الاسم نفسه. ثم الاسم نفسه مرة أخرى. ثم الاسم نفسه في ملف ثالث ورابع وخامس. وعندها فقط بدأت الصورة تكتمل. لكن الصدمة الأكبر لم تأتِ من الشركة. بل من الهاتف. فقد تمكن المختصون من استعادة محادثات ورسائل ظن أصحابها أنها اختفت إلى الأبد. رسائل تتحدث عن الوكالات. والأسهم. والوصية. وموعد الدفن. وكمية الأموال التي ستصبح متاحة بعد انتهاء الإجراءات. ولم يكن محتوى الرسائل وحده صادمًا. بل تاريخها. لأن بعضها كُتب قبل وفاة أبي بأيام. أيام كاملة. في تلك اللحظة لم يعد السؤال هل كان هناك طمع؟ بل أصبح إلى أي مدى وصل هذا الطمع؟ وعندما استدعوا زوجي للاستجواب مجددًا،
بدأت التنـ,ـاقضات تظهر بشكل لا يمكن إخفـ,ـاؤه. مرة يذكر وقتًا معينًا لمغادرة المنزل.
ثم يذكر وقتًا آخر.
مرة يقول إنه اتصل بالإسعاف .
ثم يتبين وجود فترة طويلة غير مفسرة.
ومرة يؤكد أنه لم يكن يعرف شيئًا عن بعض المعاملات.
ثم تظهر مستندات تثبت العكس.
وكلما حاول تفسير نقطة…
فتح بابًا جديدًا من الأسئلة.
أما أنا فكنت أراقب كل ذلك وكأنني أعيش داخل حلم ثقيل.
لأن الرجل الذي كنت أدافع عنه أمام أبي لسنوات، والرجل الذي كنت أظن أنه شريك حياتي، بدأ يتحول أمام عيني إلى شخص لا أعرفه.
شخص يزداد غموضًا كلما اقتربنا من الحقيقة.
لكن الحقيقة الكاملة لم تكن قد ظهرت بعد.
لأن هناك شيئًا واحدًا ظل عالقًا في ذهني منذ اليوم الأول.
قبـ,ـضة أبي.
تلك القبـ,ـضة التي أخافت زوجي أكثر من أي شيء آخر.
وتلك القبـ,ـضة التي لم أستطع نسيانها.
وفي إحدى الجلسات، سأل أحد المحـ,ـققين سؤالًا بسيطًا
لماذا كان المرـ,ـحوم قابضًا على يده بهذه الطريقة؟
ساد الصمت للحظات.
ثم قال شخص آخر
ربما لا شيء.
لكنني كنت أعرف أن الأمر لم يكن بهذه البساطة.
لأنني رأيت الخوف في وجه زوجي عندما ذُكرت اليد.
ورأيته يحاول إنهاء كل شيء بسرعة قبل أن تُفتح.
ورأيته يراقب الغـ,ـرفة وكأن حياته كلها معلقة بما يوجد داخل تلك القـ,ـبضة.
ومع تزايد الشبهات، صدر قرار بإجراء فحص شرعي إضافي ومراجعة كل ما يتعلق بالوـ,ـفاة من جديد.
لم يكن القرار سهلًا.
ولا مريحًا.
لكنني وافقت عليه.
لأنني كنت مدينة لأبي بالحقيقة.
مهما كانت مؤلمة.
وفي اليوم الذي أُعيد فيه فحص الجثـ,ـمان، لم أستطع النـ,ـوم.
بقيت مستيقظة حتى الفجر.
أفكر.
وأتذكر.
وأستعيد كل لحظة مرت منذ تلك الليلة.
حتى جاءت المكالمة.
كانت من المحامي.
وعندما سمعت صوته، عرفت فورًا أن شيئًا كبيرًا قد حدـ,ـث.
قال
يجب أن تأتي.
لم أسأله لماذا.
ولم أطلب أي تفاصيل.
فقط انطلقت.
وعندما وصلت وجدت عدة أشخاص داخل الغـ,ـرفة.
وكانت الوجوه متوترة بصورة غير طبيعية.
أما المحامي فكان يحمل ظرفًا شفافًا صغيرًا.
وضعه أمامي.
وقال
هذا ما عُثر عليه.
شعرت أن أنفاسي توقفت.
نظرت إلى الظرف.
وفي داخله كانت توجد ورقة صغيرة مطوية بعنـ,ـاية.
ورقة قديمة.
ومجعدة. وكأنها ظلت مضـ,ـغوطة لفترة طويلة. لم أمد يدي فورًا. لأنني أدركت أن كل ما حدث منذ وفـ,ـاة أبي قاد إلى هذه اللحظة. لحظة واحدة فقط. فتحت الورقة ببطء. وكان الخط خط أبي. تعرفت إليه فورًا. رغم ارتجـ,ـاف الحروف. ورغم ضعـ,ـف الكتابة. ورغم أن الكلمات بدت وكأنها كُتبت في ظروف صعبة. لكنها كانت كلماته. دون شـ,ـك. ولم تكن الرسالة طويلة. بل قصيرة جدًا. كتب فيها إذا حدث لي شيء مفاجئ… لا تتعـ,ـجلوا دفـ,ـني. الملف عند المحامي.








