أخبار

رواية امي

كان ارتباط أمي بشقيقتها حالة فريدة تتجاوز المألوف، علاقة وثيقة لدرجة التماهي، حيث تلاشت حدود الخصوصية بين بيتنا وبيت خالتي. كان والدي – رحمه الله – يرى في هذا التعلق المفرط تهديداً لاستقرار أسرته، فكثيراً ما نشبت الخلافات حول نقل أسرارنا، لكن أمي كانت ترى في أختها العالم بأسره. مع مرور السنوات، استسلم والدي للواقع بمرارة، وعاش حياته صابراً من أجلنا نحن الأبناء، حتى أنه في أيامه الأخيرة، أوصانا بضرورة الحفاظ على تماسكنا، محذراً من الانجراف خلف تلك التأثيرات التي أفسدت سكينتنا.

 

لم أكن أدرك عمق مأساة والدي إلا حين بدأت أمي ترسم ملامح مستقبلي قسراً. فمنذ نعومة أظفاري، كانت تصر على ربط مصيري بابنة خالتي “ريهام”، وكأنه عقد أبدي لا فكاك منه. نشأتُ وأنا أحلم بحياة مستقلة، وكرست حياتي لأكون صيدلياً متميزاً، وفي أروقة الجامعة، التقيت بـ “حبيبة”. لم تكن مجرد زميلة، بل كانت انعكاساً للنقاء والأخلاق التي طالما تمنيتها. حين أعربتُ عن رغبتي في الارتباط بها، لم أكن أعلم أنني أفتح أبواب الجحيم على نفسي.

حين فاتحت أمي برغبتي في الارتباط بحبيبة، اصطدمت بجدار من الرفض القاسي. لم تكن مجرد وجهة نظر، بل كان إصراراً على تدمير طموحي الشخصي. هددتني بالحرمان من الميراث، وبقسوة لم أعهدها، وكأنني عدوٌ لا ابنها. كان الغضب يغلي في صدري، لكنني آثرت الحكمة على الصدام؛ فلم أجد سبيلاً للنجاة سوى الاستقلال بحياتي.

تزوجتُ حبيبة، وبدأت رحلة شاقة في محاولة إيجاد توازن بين بري بأمي وبين حماية بيتي الصغير. كانت الضغوط النفسية تلاحقنا في كل ركن، والمواقف الغامضة تتوالى، حتى أنني اضطررت في لحظة ضعف وانسياق خلف ضغوط العائلة، للزواج من ريهام “زوجة ثانية” ظناً مني أنها قد تُنهي حالة الاحتقان، لكنها كانت بداية لكابوس جديد. عاشت ريهام بيننا مشحونة بذات مشاعر الغيرة والتحريض التي زرعتها فيها والدتها، فصارت حياتي جحيماً لا يطاق.

انفجرت الأزمة في ليلة مشؤومة؛ حين وقع حادث مأساوي في المطبخ أدى إلى وفـاة ريهام وإصابة خالتي بجروح بليغة. في تلك اللحظات، توضحت أمامي الحقائق التي كانت غائبة؛ حيث بدأت أمي، تحت وطأة الصدمة، تكشف عن أسرار دفينة. لم تكن المسألة مجرد غيرة أو تفضيل، بل كانت أطماعاً مادية مرتبطة بموروثات قديمة وآثار يعتقد البعض بوجودها تحت أساسات البيت، وهو سر سعى والدي لدفنه وحمايتنا منه طوال حياته.

بعد الحادث، خفتت حدة الأمور، لكن حياتنا تغيرت للأبد. لم أعد ذلك الابن الذي يبحث عن موافقة والدته على حساب كرامته، بل أصبحت أكثر تمسكاً بحبيبة التي كانت خير سند وصابرة على كل ما مررنا به. لم أقاطع أمي، فالبر في عقيدتي لا يتجزأ، لكنني تعلمت درساً قاسياً: أن الحياة لا تُبنى على الأطماع أو التحكم في خيارات الآخرين.

لقد علمني الصبر أن “من يتق الله يجعل له مخرجاً”. واليوم، ونحن نعيش بعيداً عن تلك الأجواء، أدركت أن أقوى الحصون هي تلك التي نبنيها بالصدق والكلمة الطيبة. أمي تعيش الآن أيامها في صمت، تراجع فيها سنوات من القرارات الخاطئة، بينما أمضي أنا مع حبيبة نحو مستقبل هادئ، متذكرين دائماً أن الله يمهل ولا يهمل، وأن العدل هو الميزان الذي يضبط خيباتنا قبل أفراحنا.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى