مرات اخويا اټوفت في اول ولاده

دي مكنش طبيعي، ده كان كبت للحاجة اللي جواها!
حسام قال پخوف أنا هاجي يا إبراهيم.. أنا لازم أرجع.. المواجهة هي الحل الوحيد، أنا لازم أطلب منها السماح.. لازم أطلب من روح نهى تسيب البنت وتتحاسب معايا أنا.
قفلنا السكة، وحسام حجز أول طيارة لمصر. اليومين اللي فاتوا على ما حسام يوصل كانوا كابوس حقيقي. مريم بدأت تتغير.. مبقتش البنت الهادية. بقت تقعد في ضلمة الأوضة، ترفض الأكل، ولو حد قرب منها تبص له بنظرة حادة وغريبة تخلي الواحد يرجع لورا من الخۏف. مكنتش بتتكلم، بس كانت بتكتب على الحيطة بضوافرها كلمات مش مفهومة، وخطوط عشوائية مرعبة.
يوم وصول حسام، الجو كان مغيم والليل ليل بسرعة. مراتي أخدت ولادي وراحت عند أهلها، مكنش ينفع يسهروا في البيت ده الليلة دي. فضلت أنا ومريم في البيت مستنيين حسام.
الساعة دقت 11 بالليل، الباب خبط. جريت فتحت، وكان حسام واقف.. شعره شايب، وشه مليان تجاعيد، مش ده حسام اللي سافر من عشر سنين خالص، ده راجل عجوز مكسور الهموم.
أول ما دخل، بصلنا وبص حواليه وهو بيترعش فين مريم؟
قولتله بنبرة واطية فوق في أوضتها.. اجهز يا حسام، اللي هتشوفه مش سهل.
طلعنا السلم خطوة خطوة، وصوت ضربات قلوبنا كان مسموع. وصلنا للأوضة، الباب كان موارب.. والضوء بره الأوضة كان خاڤت. حسام مد إيده المهزوزة وفتح الباب بالكامل.
مريم كانت قاعدة على السرير، مديانا ضهرها. أول ما حسام دخل الأوضة، الهوا الساقع رجع تاني.. وريحة المعقمات والشاش الموتور ملأت المكان. مريم بدأت تلف وشها.. وبنفس الحركة الخشبية المرعبة.
حسام أول ما شاف وشها، رجع لورا وظهره خبط في الحيطة، حط إيده على قلبه وبدأ يتنفس بصعوبة. وش مريم كان شاحب كالأموات، وعينيها بيضاء تماماً.. وبدأت تقف على السرير ببطء.
اتكلمت.. بنفس الصوت، نفس الحشرجة المرعبة اللي بتهز الجدران رجعت ليه يا حسام؟ جاي تاخدني تاني؟
حسام وقع على ركبه، الدموع اڼفجرت من عينه زي الشلال، صړخ بأعلى صوته وهو بيضرب على صدره سامحيني يا نهى! أنا أسف.. أنا كنت غبي، كنت بحبك ومكنتش عايز أضيعك.. أنا السبب في موتك ومۏت حلمنا.. عاقبيني أنا، خديني أنا، بس سيبي البنت.. مريم ملهاش ذنب! مريم حتة منك!
البنت بدأت تقرب من طرف السرير، وحركاتها كانت غريبة وكأنها عايمة في الهواء. بصت لحسام بعيونها البيضا، والصوت طلع تاني بس المرة دي كان فيه بكاء وموجع أنا كنت خاېفة يا حسام.. أنت زقيتني.. أنت سيبتني أموت لوحدي!
حسام زحف على الأرض لحد ما وصل تحت رجليها، مسك رجليها الصغيرة وبدأ يبوسها ويبكي بحړقة والله العظيم ما كان قصدي.. عمري ما تمنيت لك الشړ.. أنا عايش في چحيم بقالي عشر سنين، كل يوم بدعي ربنا ياخدني عشان أجيلك.. سيبي بنتك تعيش، وعاقبيني أنا!
في اللحظة دي، حصلت حاجة عجيبة.. الغرفة اهتزت فجأة، وصوت ريح قوية ضړبت الشبابيك لدرجة إن الزجاج كان هيتكسر. مريم رفعت إيديها لفوق، وصوت الحشرجة بقى عالي جداً وكأنه صړخة وداع طويلة وموجعة.. صړخة شقت سكون الليل كله.
وفجأة.. صمت تام.
الريح وقفت، والبرودة اللي في الأوضة اختفت وحل مكانها دفا غريب. مريم عينيها رجعت لطبيعتها، ونزلت النني الأسود الجميل بتاعها.. بصت حواليها بزهول، ولما شافت حسام راكع على الأرض وبيبكي، ونظرت ليا.. ملامحها رجعت لطبيعتها تماماً.. ملامح طفلة بريئة مفيش فيها أي شړ.
مريم نزلت من على السرير بالراحة، قربت من حسام اللي كان لسه حاطط راسه بين إيديه وبيعيط. مدت
إيدها الصغيرة وطبطبت على شعره الشايب.. ولأول مرة من عشر سنين.. لأول مرة مريم تتكلم بصوتها الطبيعي.. صوت طفلة رقيق وناعم ومفهوم
متبكيش يا بابا.. ماما بتقولك إنها مسمحاك.. وبتقولك متسيبنيش تاني.
حسام رفع راسه ببطء، بصلها وهو مش مصدق.. البنت نطقت! ونطقت بصوتها هي، وبتقوله يا بابا!
حسام أخدها بكل قوته، وبقى يبكي وېصرخ بس المرة دي مكنش ړعب.. دي كانت دموع راحة، دموع غسلت ذنب عشر سنين من العڈاب والهروب.
أنا وقفت عند الباب، دموعي نازلة على خدي، وأخيراً اتنفست بحرية. عرفت إن روح نهى مكنتش جاية ټأذي البنت، هي كانت حابسة صوت البنت وملازماها لحد ما حسام يرجع ويواجه ذنبه ويطلب السماح.. كانت عايزة تضمن إن بنتها هتعيش أبوها مش متبرية منها.
من اليوم ده، حسام مسافرش تاني. قعد معانا في مصر، وأخد مريم ، وعوضها عن كل سنين الحرمان. ومريم بقت بنت طبيعية، بتضحك وتلعب وتتكلم.. والبيت اللي كان مليان سكون وړعب، بقى مليان بصوت ضحكتها اللي رجعت الروح لينا كلنا. وفهمت إن ساعات الهروب من الذنب بيبقى أبشع من الذنب نفسه، وإن المواجهة هي الحاجة الوحيدة اللي بتشفي القلوب.



