قصص و روايات

بنت عمة زوجي

ساعة بالظبط وسمعت صوت فرملة عربية سمير تحت البيت، وقلبي بدأ يدق برعب. ثواني وباب الشقة اترزع بقوة هزت الجدران. دخل سمير وعيونه بتطلع شرار، ووشه أحمر وعروقه بارزة من الغضب.
أول ما شافني، جري عليا من غير ما ينطق بحرف واحد، وقبل ما أفتح بوقي عشان أدافع عن نفسي أو أشرح له اللي حصل، لقيت كف إيده نزل على وشي بقوة! القلم كان شديد لدرجة إن راسي لفت والدنيا اسودت في عيني، ووقعت على الأرض من شدة الضربة.
حطيت إيدي على خدي وأنا مذهولة وبصرخ: “والله العظيم كدابة يا سمير! هي اللي بدأت وقالتلي..”
مخلانيش أكمل الكلمة، وزعق فيا بصوت زي الرعد زلزل العمارة: “اسكتي خالص! مش عايز أسمع صوتك ولا أشوف وشك.. اطلعي فوق شقتك فوراً، ورجلك دي متلمسش شقة أمي تاني أبداً! من قدامي!”
قمت من على الأرض وأنا كلي بترعش وببكي بحرقة، وقبل ما أخرج من باب الشقة، اتلفتّ

وبصيت ورايا.. لقيت شذى واقفة ورا سمير، بتطبطب على كتفه وهي بتدعي الخوف والدموع في عينيها، لكن عينيها التقت بعيني وغمزتلي بابتسامة نصر حقيرة، كأنها بتقولي: “أهو طردك ومد إيده عليكي قدامي.. شفتي مين فينا الغالية؟”
طلعت شقتي ورجلي بتجرجرني بالعافية من كتر الوجع والذل. قفلت الباب عليا ورميت نفسي على السرير، وفضلت أعيط بحرقة طول اليوم لحد ما عيني ورمت وصوتي اتنبح من كتر الكتمان. كنت حاسة بقهر ملوش آخر، وجوزي اللي هانني وضربني قدام الغريبة كسر جوايا كل حاجة حلوة.
على آخر اليوم، لما حسيت إن الدنيا هديت شوية، قلت لنفسي مفيش حل غير إني أنزل لحماتي، هي ست كبيرة وأكيد لو حكتلها الحقيقة وعرفتها كدب شذى وتمثيلها، مش هترضى بالظلم ده ولا هتقبل إن ابنها يمد إيده عليا بالشكل ده في بيتها.
نزلت وفتحت باب الشقة براحة ودخلت.. بس يارتني ما نزلت!

 وعصبيتي عمتني تماماً. قربت منهم بانفعال شديد وزعقت بصوت كله قهر وغضب: “أنت بتعمل إيه يا سمير؟! إيه المسخرة وقلة الأدب اللي بتحصل قدامي دي؟! أنت اتجننت خلاص؟!
سمير رفع عينه وبصلي بكل برود مستفز، ولا كأنه لسه ومبهدلني من كام ساعة، وقال بنبرة باردة تفرس: “جرى إيه يا ندى؟ مالك داخلة تصرخي وتعملي شوشرة زي القضا المستعجل كدة؟ مش شايفة رجل البنت ورمت إزاي من الحمل والتعب؟ بدل ما تقفي تشرشحي وتعملي ليلة
الكلام نزل عليا زي الصاعقة، حسيت إن ودني بتصفر ومبقتش مستوعبة الجبروت والبرود اللي بيتكلم بيه! أنا؟ أنا ندى، مراته اللي لسه مضروبة ومطرودة من كام ساعة،
شذى أول ما سمعت كلامه، راحت مالت براسها لورا على الكنبة، وعملت نفسها بتتباكى وتتأوه من الوجع بخبث، وقالت بصوت مسرسع: “آه.. تعبانة أوي يا سمير، رجلي بتنقح عليا مش قادرة.. سيبها يا حبيبي، دي بدل ما تصعب عليها حالتي داخلة تظلمني وتصرخ في وشنا، أنا مش عارفة هي بتكرهني كدة ليه؟!”
حماتي خرجت من الأوضة على صوت الزعيق، وبدل ما تنصفني

أو حتى تزعق لابنها على المنظر ده، بصتلي بقرف وقالت: “جرى إيه يا بت أنتِ؟ أنتِ مش هتبطلي غيرة وعمايل سودا بقى؟ البنت حامل وتعبانة وابن عمها بيراعيها، تعالي ساعديها بدل قعدة المتفرجين دي، ولا أنتِ فالحالي بس في طول اللسان؟”
سمير هز راسه بتأكيد وكمل تدليك وهو مش هامّه نظرات الكسرة والقهر اللي في عيني، وقال بزجر: “سمعتي أمي قالتلك إيه؟ اخلصي يا ندى، هاتي علبة الكريم التانية واقعدي هنا، وبطلي تبصي لنا كأننا عاملين جريمة.. دي شذى، يعني أختي قبل ما تكون بنت عمي!”
وقفت مكاني، دموعي المحبوسة نزلت غصب عني، بس المرة دي مكنتش دموع ضعف.. كانت دموع قرف من  اللي قدامي. بصيت لسمير وهو موطي على رجليها، وبصيت لشذى اللي كانت بتبصلي من تحت لتحت بنظرة تشفي خبيثة وكأنها بتقولي “مبقتش ليكي مكان هنا خلاص”.. وفي اللحظة دي، حسيت إن أي خطوة هخدها لقدام معاهم هتكون على حساب اللي باقي من كرامتي.

سمير مش بس اكتفى بالبرود ده، لاء.. ده ساب رجلها وبصلي بنبرة أمر خالية من أي رحمة وقال: “بقولك إيه.. اطلعي جري على المطبخ، حطي شوية مية سخنين في طبق كبير، وهاتيهم هنا عشان نحط رجلها فيهم والورم ده يفش بسرعة.. وبعد ما تخلصي، اغسلي لها رجلها ونشفيها كويس بالفوطة عشان ترتاح وتعرف

تنام.”
أنا اتسمرت في مكاني، وحسيت إن الأرض بتلف بيا. غسيل رجلين؟! بيطلب مني أغسل رجل الست اللي لسه متبلية عليا ومخلية جوزي يمد إيده عليا قدامها؟!
شذى أول ما سمعت كلامه، راحت مالت بجسمها عليه أكتر، وقالت بصوت كله دلال وخبث: “تسلملي يا رب يا سمير.. ماليش غيرك يحس بيا وبتعبي.. بس حرام بلاش تتعب ندى، باين عليها مش طايقاني خالص وهتموت وتأكلني بسنانها.”
سمير اتعصب من نظراتي وزعق فيا وهو بيخبط على الكنبة: “أنتِ لسه واقفة بتبربشي بعينك؟! ما تخلصي يا ندى! أنتِ هتعملي فيها هانم؟ بقولك البنت تعبانة ومش قادرة، اخلصي هاتي المية واغسلي لها رجلها وبطلي قلة ذوق!”
حماتي كملت على قهرتي وقالت وهي بتلوح بإيدها: “جرى إيه يا بت؟ هتكبري على بنت عم جوزك؟ ما تروحي تشوفي اللي وراكي واعملي اللي جوزك قالك عليه بدل النطاعة دي!”
بصيت لسمير، وبصيت لشذى اللي كانت عينيها بتلمع بالنصر والشماتة، ومستنية تشوفني وأنا مكسورة وبغسل رجلها تحت رجليها.. كل أنش فيا كان بيترعش من كتر الإهانة، والدموع جمدت في عيني من كتر القرف والوجع.
بلعت ريقي بصعوبة، وحسيت بغصة في حلقي كأنها خنجر بيجرحني. كنت واقفة بين نارين: نار كرامتي اللي بتتداس بالأقدام، ونار خوفي من قسوة سمير وجبروته اللي لسه معلّم على وشي من كام ساعة.
بخطوات تقيلة كأني جبل شايلاه فوق ضهري، دخلت المطبخ. فضلت واقفة قدام البوتاجاز وأنا بملى الحلة مية، والدموع بتنزل من عيني من غير ولا صوت، دموع قهر ملوش آخر. كنت بسأل نفسي: “أنا عملت إيه لكل ده؟ بعت أهلي وعشت مع بني آدم مبيصونش، وعشان مين؟ عشان واحدة جاية تخطف جوزي وبيتي عيني عينك!”.
شلت حلة المية السخنة وخرجت للصالة، حطيت الطبق تحت رجليها. شذى نزلت رجليها بالراحة في المية وهي بتتنفس براحة مصطنعة، وبصتلي وعينيها بتطق شرار وشماتة، وسمير قاعد جنبها بيراقبني بنظرات حادة وكأنه واقف فوق راسي بسرباج عشان يذلني.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى