تظاهرت بالنوم

رفعت ملفًا أمام الكاميرا.
لأنني وجدت كاتب العدل الذي زوّر أول توكيل. ولأنني عرفت أنهم كانوا سيجعلونكِ توقّعين التنازل النهائي غدًا.
غدًا.
يوم واحد فقط، وكنت سأختفي قانونيًا.
لا داخل سيارة.
ولا في عيادة.
بل على كرسي، بقلم، وتحت اسم اخترعوه لي.
عُثر على سيارة كريم عند الظهيرة، مهجورة قرب طريق المطار.
كان فيها ملابس، وحقيبة، وآثار ډم.
لم تكن آثار دمه.
كانت ډم سهام.
عضتي تركت علامتها.
في ذلك العصر، داهمت الشرطة مكتب كريم في برج طبي في عمان الغربية.
وجدوا ملفات أخرى، بعضها لنساء لم يُبلغ أحد عن اختفائهن، لأنهن رسميًا كنّ متزوجات، أو في مصحات، أو تحت العلاج.
وهنا عرفت بړعب أن محو الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى عڼف واضح.
أحيانًا يمحونك بالأوراق.
بعد ثلاثة أيام، قبضوا على سهام في إربد، وهي تحاول دفع مبلغ نقدي للحصول على وثائق مزورة.
لم يكن كريم معها.
حين أخبرتني الرائد هالة بالخبر، كنت جالسة إلى جانب أمي في غرفة المستشفى.
كانت تلك أول مرة ألمس يدها.
كان جلدها خشنًا.
حقيقيًا.
سألت
أين هو؟
وضعت الرائد هالة صورة على الطاولة.
رجل بقبعة، يمشي قرب محطة حافلات كبيرة.
قالت
نعتقد أنه يحاول مغادرة البلاد.
تيبست أمي.
كريم لا يهرب دون أن ينهي ما بدأه.
كنت أعرف ذلك أيضًا.
كريم لم يفقد السيطرة.
بل أجّلها فقط.
في تلك الليلة، بينما كان الجميع نائمين، وجدت ورقة مطوية داخل كتاب رسالتي الجامعية.
لم تكن هناك من قبل.
كان الخط خط كريم.
يمكنكِ استعادة اسمك يا نور. لكن ذاكرتكِ عندي.
وتحتها عنوان.
عمّان القديمة.
بيت طفولتي.
اتصلت بالرائد هالة.
لم أتصل شجاعةً مني.
بل لأنني فهمت أخيرًا أن محاولة فعل كل شيء وحدي هي بالضبط ما كان كريم يريده.
ذهبنا عند الفجر.
كان الشارع تفوح منه رائحة الخبز الساخن والرصيف المبتل.
كان البيت مغلقًا، والدهان متقشرًا، ونباتات الجهنمية متسلقة فوق البوابة.
بقيت أمي داخل السيارة، محاطة بعناصر الأمن، ويداها مشدودتان إلى صدرها.
دخلت وأنا أرتدي سترة واقية.
كان الأمر غريبًا.
جزء مني ما زال يشعر أنه طالبة، وزوجة، وامرأة مشوشة.
وجزء آخر كان يمشي كأنه نور، الطفلة التي نجت
دون أن تعرف.
في الداخل، كان كل شيء مغطى بأقمشة بيضاء.
كان الغبار يرقص في ضوء الصباح.
وفي غرفة الجلوس كان هناك تلفاز قديم، وطاولة، ودراجة حمراء صدئة.
رأيتها فانهرت.
تذكرت أبي وهو يضحك.
تذكرت يديه الملطختين بالشحم.
تذكرته يناديني يراعة لأنني كنت أركض في الحوش عند الغروب.
ثم سمعت تصفيقًا بطيئًا.
خرج كريم من الممر.
كان شعره مبعثرًا، وقميصه ملطخًا، ويده ملفوفة بضماد.
لم يكن يحمل سلاحًا.
كان يحمل جهاز تسجيل صوتي.
قال
مرحبًا بعودتكِ إلى البيت.
وجّه رجال الأمن أسلحتهم نحوه.
انبطح أرضًا!
ابتسم كريم.
إذا أطلقتم الڼار، فلن تعرف أبدًا أين النسخة الأخيرة.
تقدمت الرائد هالة خطوة.
أي نسخة؟
نظر إليّ وحدي.
ذاكرتكِ يا نور. الجلسات. ما اكتشفه والدكِ. ما صړخت به أمكِ في الحريق. كل شيء هنا.
رفع جهاز التسجيل.
خطوت خطوة إلى الأمام.
هذه ليست ذاكرتي.
رمش كريم.
بالطبع هي. أنتِ ما تتذكرينه.
هززت رأسي.
لا. أنا أيضًا ما حدث لي، وما اخترت أن أفعله بعده.
تشققت ابتسامته قليلًا.
من دوني، لم تكوني لتوجدي.
قلت
من دونك، كنت سأعيش.
شدّ كريم قبضته على جهاز التسجيل.
ولأول مرة رأيت الخۏف في عينيه.
لم يكن خوفًا من السچن.
كان خوفًا من أن يصبح بلا أهمية.
خوفًا من أن تقف تجربته أمامه، وتتوقف عن طلب الإذن كي تتنفس.
اندفع نحو النافذة.
أسقطه أحد العناصر أرضًا.
وقع جهاز التسجيل وانفتح.
لم يكن بداخله شريط.
كان بداخله بطاقة ذاكرة صغيرة.
التقطتها الرائد هالة بقفازات.
صړخ كريم باسمي المزيف
ليلى!
لم ألتفت.
صړخ بالاسم الآخر
نور!
ولم ألتفت لذلك أيضًا.
لأنني لم أعد بحاجة إلى طاعة أي اسم منهما لأعرف من أكون.
استغرقت المحاكمة أشهرًا.
شهدت ثلاث مرات.
وشهدت أمي مرتين.
وقدمت رنا الرسائل، والتسجيلات، والبث المباشر من تلك الليلة.
وتحدث كاتب العدل لتخفيف حكمه.
أما سهام، فحاولت أن تلقي اللوم على ابنها، ثم على زوجها ، ثم عليّ.
قالت إنني غير .
طلب القاضي الهدوء عندما ضحكت بصوت عالٍ.
لم تكن ضحكة سعيدة.
كانت ضحكة امرأة اتهموها بالجنون لأنها بدأت ترى قضبان قفصها.
لم يخفض كريم عينيه أبدًا.
حتى وهو مقيد اليدين، ظل يصحح للخبراء كلامهم، ويستخدم مصطلحات طبية طويلة، متظاهرًا بأن رعبه كان علمًا.
لكن حين شغّلوا تسجيل الغرفة البيضاء، بدا صوته صغيرًا
هناك انتهى الطبيب.
وبقي المچرم فقط.
استعادة حياتي لم تكن مثل الأفلام.
لم أفتح عينيّ فجأة لأتذكر كل شيء.
بعض الأيام كنت أستيقظ ولا أعرف في أي عام نحن.
وفي أيام أخرى كنت أشتاق إلى كريم، ثم أتقيأ من الذنب لأنني اشتقت إليه، حتى شرحت لي معالجتي أن الجسد يعتاد القفص أيضًا.
عدت إلى الجامعة الأردنية بعد أشهر.
مشيت في الحرم الجامعي، أمي على ذراعي ورنا على ذراعي الأخرى.
وقفت أمام مبنى المكتبة، ونظرت إلى الأعمدة الحجرية كأن أحدًا لصق الزمن المكسور على جدار ضخم.
كنت أنا كذلك.
قطعًا.
لكنها ما زالت متماسكة.
بعد عام، ناقشت رسالتي.
لم تكن عن الذاكرة كما كان كريم يريد.
كانت عن الهوية، والعڼف النفسي، والآليات التي يتعلم من خلالها الضحېة أن يشك في نفسه.
جلست أمي في الصف الأول.
أما رنا، فكانت تبكي قبل أن أبدأ أصلًا.
وعندما انتهيت، سألني أحد الأساتذة
بأي اسم تريدين تسجيل شهادتك؟
نظرت إلى النموذج.
ليلى الشامي كان اسمًا صنعته كڈبة.
لكنه كان أيضًا اسم المرأة التي تظاهرت بابتلاع .
والمرأة التي أخفت الهاتف داخل كيس الأرز.
والمرأة التي فتحت عينيها فوق السرير الطبي.
أما نور الحسيني، فكانت الأصل.
الفتاة ذات الدراجة الحمراء.
الابنة التي عادت.
أمسكت القلم وكتبت
نور ليلى الحسيني الشامي.
بعد ذلك ذهبنا إلى بيت عمّان القديمة.
بدأت أمي تفتحه شيئًا فشيئًا.
ليس كي نعيش فيه فورًا.
بل كي يتوقف عن كونه متحفًا للألم.
زرعنا جهنميات جديدة في الحوش.
طليْنا المطبخ باللون الأصفر.
وعلّقت الدراجة الحمراء على الجدار، لا كذكرى حزينة، بل كدليل.
في
أحد الأيام، وجدت صندوقًا فيه صورة لي في الخامسة عشرة، أرتدي الزي نفسه الذي رأيته في حقيبة سهام.
وعلى ظهر الصورة كتب أبي
عندما تشكين في نفسكِ يومًا، تذكري أنكِ كنتِ دائمًا نورًا.
جلست على الأرض وبكيت حتى جاءت أمي تبحث عني.
لم تقل انتهى كل شيء الآن.
لأنه لم ينتهِ تمامًا.
احتضنتني فقط وقالت
أنتِ هنا.
وكان ذلك، على الأقل، حقيقة.
كرر كريم [tps_title][/tps_title]لعامين كاملين أن أثق به.
أما الآن، فأنا أثق بأشياء أخرى.
بنفسي حين أشعر أن شيئًا ما ليس صحيحًا.
بأصدقاء يصرون على الاطمئنان.
بأمهات ينجون من الحرائق.
وبالملاحظات التي تتركها لنفسك عندما لا تمتلك بعد القوة الكافية للهروب.
أحيانًا، في الليل، أستيقظ عند الساعة الثانية وسبعٍ وأربعين دقيقة فجرًا.
أنظر إلى الباب.
أتوقع أن أرى قفازات، وكاميرا، ودفترًا أسود.
لكن لا يكون هناك سوى غرفتي، وكتبي، وكأس ماء صببته لنفسي.
عندها أشعل الضوء.
أمسك قلمًا.
وأكتب اسمي كاملًا مرة واحدة
نور ليلى الحسيني الشامي.
ثم أعود إلى النوم.
ليس لأن أحدًا خدّرني.
بل لأن ذاكرتي، أخيرًا، لم تعد ملكًا لأحد سواي.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




