منوعات

امل حماتي

شفنا طنط وهي بتقوم بصعوبة، تفتح درج المطبخ، وتطلع منه علبة مخلل ليمون وزيتون كانت شرياها من بره ومخبيَاها في أخر الدرج ورى العلب!
مسكت ليمونة مخللة، وحطت منها حتة كبيرة في بقها مع كل معلقة أكل بتاكلها من الأكل العادم اللي أنا عاملاه! كانت بتاكل المخلل بشراهة غريبة، وكأنها بتدور على أي طعم قوير حالة العُدم والوحدة اللي عايشة فيها، أو يمكن ضغطها كان ببيوطى جداً من كتر القعدة لوحدها والتفكير!
​وبعد ما خلصت أكل، مسحت إيدها، ورجعت علبة المخلل مكانها في أخر الدرج، وغسلت بقها بمية كتير عشان ما نشمش ريحة المخلل لما نرجع!

​اتاريها طوال الأيام اللي فاتت، كانت بتاكل الأكل المظبوط اللي أنا بعمله، وتاكل معاه مخلل حادق جداً من ومانا، فاليقمة كلها في بؤها تتحول لكتلة ملح! ولما نيجي نسألها بليل، كانت بترد

بعفوية شديدة بناءً على الطعم اللي فضل في بؤها من المخلل، وفي نفس الوقت كانت بتتكسف تقول إنها أكلت مخلل عشان عارفة إننا بنخاف على ضغطها وبنمنعها منه!
​مصطفى حط إيده على وشه وقعد يعيط بصوت واطي.. كان حاسس بذنب رهيب. الذنب مش إننا أثرنا معاها في الأكل، الذنب إننا سيبناها للوحدة تتآكل فيها طول النهار لدرجة إنها بتدور على طعم يرجع لها ذكريات زمان، أو يسلّيها في الأربع حيطان!
​في ساعتها، قفلت الموبايل، وقمت من جنب مصطفى.

مقالات ذات صلة

مسحت دموعي، ودخلت المطبخ.. فتحت الدرج، وطلعت علبة المخلل.
مشيت بخطوات هادية وراحت أوضتها، فتحت الباب بالراحة لقيتها قاعدة على السري بتسبح في الضلمة.
​قعدت جنبتها على طرف ، وحطيت علبة المخلل في حجرها.
طنط برقت بذهول واتحرجت جداً وقالت بصوت لجلج: “ولاء.. انتي.. انتي لقيتي العلبة دي فين؟ والله يا بنتي أنا…”
​مسكت إيدها وبستها بحرارة، وقلت لها والنبرة طالعة بالعافية من خنقة الزور:
“حقك عليا يا طنط.. حقك عليا يا أمي. أنا اللي آسفة إني سبتك طول اليوم لوحدك.. آسفة إننا افتكرنا إن علبة أكل سخنة في الميكرويف هي كل اللي انتي محتاجاه.

​طنط بصتلي والدموع اتجمعت في عينها، ومصطفى دخل  وقعد الناحية التانية، حضن إيدها وقبل رأسها وقال:
“يا أمي.. لو الأكل عادم من غير بابا، ومُر من غير لمتنا.. فحقك علينا. من بكرة مفيش قعدة لوحدك تاني.”
​اتفقنا من ليلتها على نظام جديد خالص..
مصطفى كلم شركته وضبط معاهم إنه يشتغل يومين في الأسبوع من البيت (Work from home). وأنا قدمت طلب في شركتي ونقلت فرع أقرب

وبيخلص بدري ساعة.
والأهم من ده كله.. اتصلت بأختها (خالتو هدى) وبقيت أعمل لها عزومة كل أسبوع تيجي تقعد معاها بالنهار، واتفقنا مع جارتنا اللطيفة في الدور الأرضي تدخل تشرب معاها الشاي الظهرية.
​وتاني يوم.. وقفت في المطبخ، بس المرة دي ما مسكتش معلقة رقمية ولا وزنت ملح بالجرام.
طبخت صينية بطاطس بالفراخ، وحطيت الملح بالمناسبة والبركة زي ما أي ست بيت مصرية بتعمل.. وحطيت جنبها طبق مخلل صغير مخدوم صح!

​ولما قعدنا كلنا نتغدى مع بعض بالليل، واللمة دافية والضحكة مالية المكان، أخدت طنط أول معلقة.. بصتلي وابتسمت ابتسامة صافية من قلبها وقالت:
“الله يسلم إيديكي يا ولاء يا بنتي.. الأكل النهاردة.. سكر عسل، ومظبوط بالتمام والكمال!”
​عرفت ساعتها إن الأكل عمره ما كان محتاج معايير ولا جرامات.. الأكل كان محتاج بس “لمة ونََفَس طيب”.. والملح الحقيقي اللي بيظبط طعم الحياة، هو وجود الناس اللي بنحبهم جنباً إلى جنب.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى