عام

فتاة التراب

اندش الأطباء من هذا التقدم، لكن الفرحة لم تدم طويلاً..

فجأة، ظهرت عائلة أميرة في المستشفى، ولم تكن زيارتهم بدافع الاطمئنان، بل حملوا معهم طلباً وغير متوقع. وصلت شقيقتها الكبرى، **رندة**، برفقة محامٍ، وادّعت أن طارق ليس مؤهلاً لاتخاذ القرارات الطبية الصحيحة بحق أميرة.

قالت رندة ببرود:

مقالات ذات صلة

— “أميرة بحاجة الآن إلى شخص يفكر بعقل بارد ومنطق، بعيداً عن العواطف. نحن عائلتها ونحن أدرى بمصلحتها”.

لم يصدق طارق ما تسمعه أذناه! فصاح فيهم غاضباً وعيناه تشتعلان بالقهر:

— “أين كنتم طوال الأشهر الثمانية الماضية؟! لقد تركت عملي، وبعت سيارتي لأغطي تكاليف علاجها، ونمت على هذا الكرسي بجانب فراشها ليل نهار.. والآن تأتون لتسلبوني حق رعاية زوجتي؟!”

تجنبت رندة النظر في عينيه، بينما أخرج المحامي وثائق رسمية قائلاً:

— “طبقاً لهذه الأوراق، فإن موكلتي تمتلك تفويضاً طبياً مؤقتاً وقّعت عليه أميرة قبل أشهر من ، يتيح لشقيقتها التدخل وسحب الأجهزة أو نقلها مستشفى آخر إن لزم الأمر”.

تصفح طارق الأوراق بيدين ترتجفان، وشعر فوراً بأن هناك خطباً ما.. كان التوقيع يشبه توقيع زوجته، لكنه لم يكن خط يدها الحقيقي بالتأكيد. كان هناك تزوير واضح، وكأنهم يسرعون الزمن لإنهاء حياة أميرة.

## **الجزء الثالث: لغز التراب وسر الهوية المفقودة**

قبل أن يتمكن طارق من استيعاب الصدمة أو التحقيق في أمر الوثائق، تدهورت حالة أميرة الصحية فجأة وبشكل خطير ومفاجئ. اكتشف الأطباء مضاعفات طارئة بدأت تشكل خطراً حقيقياً على حياتها وحياة الجنين، وامتلأت الغرفة فجأة بالطاقم الطبي وصوت الأجهزة المتسارع.

أمسك طارق بيد أميرة بقوة وسط نقاشات الأطباء الحادة حول الخيارات المتاحة، وهمس لها:

— “لن أترككِ وحدكِ أبداً.. قاومي يا أميرة”.

وفي تلك اللحظة الحرجة، ولأول مرة منذ أشهر، فتحت أميرة عينيها لثوانٍ معدودة! لم تستطع الكلام، ولم تقو على النطق، لكنها نظرت مباشرة إلى عيني زوجها طارق، ثم تحولت نظرتها بجهد لتستقر على وعاء التراب، وحركت شفتيها ببطء شديد كأنها تلفظ أنفاسها الأخيرة.

انفجرت ليلى الواقفة عند الباب بالبكاء وقالت:

— “إنها تسمعني.. لقد نظرت إليّ!”.

تحرك الأطباء بسرعة فائقة لإنقاذها، وتمكنوا من تثبيت حالتها مؤقتاً بصعوبة. في تلك الليلة المظلمة، غادر الجميع ولم يبق في الغرفة سوى طارق، والجدة مريم التي دخلت لتطمئن عليه.

جلس طارق مطأطأ الرأس، ونظر إلى وعاء التراب وقال بيأس:

— “يا خالة مريم.. أميرة حاولت أن تقول شيئاً عن هذا التراب قبل أن تغيب مجدداً. أرجوكِ، أخبريني بالحق، ما قصة هذا الوعاء؟”

تنهدت الجدة مريم، واقتربت من الطاولة، ثم مدت يدها وأزاحت طبقة التراب السطحية، لتكشف عن وجود تجويف فخاري مزدوج في قاع الوعاء! أخرجت منه ملفاً بلاستيكياً صغيراً يحتوي على أوراق قديمة مصفرّة، ونظرت إلى طارق قائلة:

— “لقد حان الوقت لتعرف الحقيقة التي جئت من أجلها يا بني. أنا لم أحضر هذا التراب كطقس شعبي فحسب.. هذا التراب مأخوذ من حديقة المنزل القديم الذي ولدت فيه أميرة في قريتنا بالجنوب”.

صُعق طارق وقال:

— “ماذا تقولين؟! أميرة ولدت هنا في العاصمة، ورندة هي شقيقتها الكبرى!”

ردت الجدة مريم بنبرة حاسمة:

— “رندة ليست شقيقتها، وأميرة ليست ابنة هذه العائلة! قبل خمسة وعشرين عاماً، كنت أعمل ممرضة في قريتنا، وكانت هناك عائلة ثرية جداً تمتلك أراضي شاسعة. مات الوالدان في حادث مدبر بسبب صراع على الميراث، ولم تنج سوى طفلة صغيرة تدعى أميرة. لحمايتها من أعمامها وجشعهم، قامت قريبتي -التي كانت تعمل لدى العائلة- بتهريب الطفلة وإعطائها لعائلة هنا في العاصمة لتبنيها وتغيير هويتها لحمايتها.. هذه العائلة كانت عائلة رندة”.

تابع طارق والأنفاس تحتبس في صدره:

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى