عشت ٨ سنين راضية

قرب مني بخطوات بطيئة وهو بيقول بصوت بارد، خالي من أي مشاعر، كأنه شخص غريب عمري ما عرفته ولا نمت في بيت واحد معاه ٨ سنين
ايه يا ندى؟ وشك جاب ألوان ليه؟ كنتي فاكرة إن السر هيفضل مدفون طول العمر؟
الورقة وقعت من إيدي على الأرض. عيني كانت متعلقة بالاسم المكتوب في خانة الأم. مها عبد الرحمن… بنت خالتي! أقرب واحدة لقلبي، البنت اللي كبرنا سوا، اللي كانت بتمسح دموعي لما كنت بروح أعيط لها من قسوة حماتي وتلقيحها عليا بسبب الخلفة! مها اللي ماتت في حادثة عربية من سنة، والكل كان فاكر إنها متجوزة مهندس عايش بره مصر ومحدش فينا شافه غير مرة واحدة في كتب الكتاب!
صوتي طلع بالعافية، كأنه طالع من بير غويط، الحروف بتدبح في حنجرتي
مها؟… مها بنت خالتي يا طارق؟ البنت اللي كانت أقرب ليا من أختي؟ طب إزاي؟ إمتى؟ وليه؟
ابتسم ببرود، ابتسامة شيطان متجسد في صورة إنسان، وميل شال الورقة من على الأرض ونفضها ببطء مستفز وقال
ليه مستغربة أوي كده؟ الحكاية أبسط مما تتخيلي. أنا ومها كنا بنحب بعض من قبل ما أتجوزك أصلاً. بس أمي رفضتها عشان كانت غلبانة وأبوها على قد حاله، وأجبرتني أتجوزك إنتي عشان بنت ناس ومرتبك حلو وهتساعديني في المعيشة. بس أنا مقدرتش أنسى مها… فضلنا على تواصل، وبعد جوازنا بسنتين، اتجوزتها في السر. وهي وافقت تعيش في الضل عشان بتحبني.
حسيت إن روحي بتنسحب مني… الكلمات بتنزل على دماغي زي المطارق. 8 سنين من عمري اتبخروا في ثانية.
طب والعيب الطبي؟ صرخت فيها وأنا حاسة إن عقلي هيشت مني، التحاليل اللي قعدت تبكي قدامي وتقولي أنا مش بخلف والدكاترة قالوا مفيش أمل، وخلتني أقف قدام أهلك وأقول العيب فيا وأشيل أنا والكسرة عشان أحافظ على رجولتك قدامهم؟!
ضحك بصوت عالي، ضحكة وجعت قلبي أكتر من ألف
يا ندى إنتي طيبة أوي… أو بمعنى أصح، ساذجة أوي! أنا عمري ما كان عندي عيب طبي. أنا سليم وزي الفل، والدليل حور اللي واقفة بره دي. أنا زورت التحاليل دي وعملت المسرحية دي كلها عشان أقفل باب الخلفة معاكي
مجرد زوج خاين، ده مجرم محترف! ده ممكن ياخد تأبيدة في قضايا التزوير والاختلاس دي.
قلتله بجمود أنا مش عايزاه بس يتسجن… أنا عايزة أجرده من كل حاجة. عايزة ترجعلي، وعايزة كرامتي تتردلي قدام أهله، وأهم حاجة… عايزة حور.
المحامي ابتسم وقال بالنسبة للشقة، قضية تزوير وبطلان عقد البيع مضمونة. بالنسبة لكرامتك، دي هنسيبها لوقتها. أما حور… بمجرد ما يثبت إنه أب غير صالح ومزور ومختلس، وتدخل أمه في الصورة كست مسنة غير قادرة على الرعاية، هنقدر نرفع قضية ضم حضانة ليكي بصفتك الأم البديلة اللي ربت البنت، خصوصاً إن أهل أمها الحقيقية ميتين. بس إحنا هنلعبها أذكى من كده… إحنا هنخليه هو اللي يتنازل عن حضانتها برجليه.
عدى شهرين. شهرين وأنا ببلع السم كل يوم وهو بيبصلي بنظرة شفقة ممزوجة باحتقار. وحماتي ما زالت بتيجي كل أسبوع تسمعني الموشح إياه
ياختي مش فاهمة عاجبه فيكي إيه! لا بتخلفي، ولا فيكي ريحة الفالحة، وكمان جايبالنا عيلة من الشارع نربيها عشان تعوضي نقصك!
وكنت بسكت… ببتسم ابتسامة باهتة وأنا عارفة إن النهاية قربت.
لحد ما جه اليوم الموعود.
كان يوم عيد ميلاد طارق. حماتي أصرت تعمل عزومة كبيرة في شقتنا، وعزمت أعمام طارق، وعماته، وأخواته البنات، وحتى والدتي وأخويا الكبير كانوا موجودين. البيت كان مليان ناس، والكل قاعد بيضحك ويهزر.
وطبعاً، حماتي مقدرتش تفوت الفرصة كالعادة. في عز ما الناس قاعدة، بصتلي وقالت بصوت عالي عشان الكل يسمع
أخوكي محمود مراته حامل في التالت يا طارق… عقبال ما نفرح بيك يا حبيبي وتتجوز اللي تجيبلك حتة عيل من صلبك يشيل اسمك، بدل ما إنت عايش تربي في عيال الناس وتصرف على أرض بور.
أمي اتكسفت ووشها جاب ألوان، وأخويا كان هيقوم ، بس أنا مسكت إيده، وقمت وقفت في نص الصالة.
الابتسامة اللي كنت رسماها على وشي اختفت، وظهر مكانها وش تاني مرعب، وش الست اللي انداست وانقهرت وقررت تحرق الأخضر واليابس.
قلت بصوت عالي، هادي، بس
عندك حق يا حماتي… طارق فعلاً محتاج حد يشيل اسمه. بس المشكلة إن طارق… شال اسمه من زمان أوي، ومن غير ما يقولكم.
الكل سكت، والعيون كلها اتعلقت بيا. طارق وشه جاب ألوان، وقام وقف بسرعة وقال بارتباك إنتي بتقولي إيه يا ندى؟ ادخلي جوه، إنتي أعصابك تعبانة.
لا أنا مش تعبانة يا طارق… أنا فقت. فقت من غيبوبة استمرت 8 سنين!
مديت إيدي في شنطتي، وطلعت رزمة ورق متصورة يجي 20 نسخة. وبدأت أوزعها على أعمامه، وأمه، وأخويا.
دي شهادة ميلاد حور يا جماعة… بصوا كده في خانة الأب. الأب طارق محمود العزازي. والأم مها عبد الرحمن… بنت خالتي الله يرحمها!








