قصص ورواياتمنوعات

كان لدينا طفلان

قبل سبعة عشر عامًا، كنت أقود سيارتي عائدًا من العمل عندما شهدت حادثًا مروعًا. ماټت أم غريس وأبوها في المكان. أما هي، فنجت بأعجوبة.

لم أفهم.
إذا لم تكن ابنته… فما  به؟
واصلت القراءة.
كنت أول شخص وصل إليهم. حاولت إنقاذ والديها، لكنني فشلت. بقيت تلك الليلة  سنوات طويلة. شعرت أنني خذلتهم، رغم أن الشرطة أكدت أنني لم أرتكب أي خطأ.

ثم كانت هناك صورة ، وتقارير الشرطة.
كل شيء كان حقيقيًا.
كتب ديفيد
بعد أشهر، علمت أن غريس انتقلت بين دور الرعاية، ثم إلى أكثر من أسرة بديلة. كنت أزورها سرًا كلما استطعت. لم أستطع أن أكون والدها قانونيًا، لكنني لم أستطع أيضًا أن أتركها تواجه الحياة وحدها.

رفعت رأسي ببطء.
سألت غريس أنتِ… كنتِ تعرفين ديفيد منذ كل هذه السنوات؟
هزت رأسها.
كان يزورني في عيد ميلادي كل عام. لم يفوّت عامًا واحدًا.
ثم أخرجت من حقيبتها بطاقات تهنئة قديمة.
كلها بخط يد ديفيد.
كلها موقعة باسم صغير في الأسفل
صديقك الذي لن ينساك.
لم يكن يريد أن يحل محل والدها…
كان فقط يرفض أن تشعر بأنها تُركت وحدها في هذا العالم.
لكن بقي سؤال واحد ېحرق قلبي.
إذا كان الأمر كذلك… لماذا طلب مني أن أتبناك؟ لماذا لم يخبرني بالحقيقة منذ البداية؟
خفضت غريس رأسها، ثم همست
لأنه كان يخشى أن تظني أنه خانك… وكان يخشى أكثر أن ترفضي وجودي إن عرفتِ القصة بطريقة خاطئة.
ثم دفعت نحوي آخر ظرف في الصندوق.
كان مكتوبًا عليه
هذه الرسالة لا تُفتح إلا بعد أن تعرفي من هي غريس… وبعدها ستعرفين السر الذي أخفيته عن الجميع طوال خمسة عشر عامًا.
أخذت الظرف الأخير بيدين مرتجفتين.
كان مختلفًا عن بقية الرسائل.
مختومًا بالشمع الأحمر، وكأن ديفيد أراد أن يتأكد أن أحدًا لن يفتحه قبلي.
كسرت الختم ببطء.
وفي الداخل كانت رسالة قصيرة، ومعها ملف يحمل اسمي.
بدأت أقرأ.
حبيبتي… إذا وصلتِ إلى هذه الرسالة، فهذا يعني أن غريس أخبرتك بالحقيقة الأولى. لكن بقيت الحقيقة الأصعب.

توقفت للحظة، وشعرت بأن قلبي يكاد يخرج من صدري.
في ذلك اليوم الذي وقع فيه ،
لم أكن مجرد شاهد. كنت في طريقي لمقابلتك لأول مرة بعد سنوات من الغياب. ولو لم أتأخر دقائق بسبب ، لما التقينا أبدًا.

ابتلعت ريقي.
واصلت القراءة.
كنت دائمًا أشعر أن سعادتي معك بُنيت فوق مأساة عائلة أخرى. لم أكن السبب في ، لكنني كنت الناجي الوحيد الذي عرف كيف انتهت حياتهم. لذلك وعدت نفسي أن أعتني بغريس ما حييت.

ثم وقعت عيناي على الجملة الأخيرة.
لم أخبرك لأنني لم أرد أن تعيشي خمسة عشر عامًا وأنت تشعرين أن حبنا بدأ بسبب . أردت أن تحبيني لأنني زوجك… لا لأنك تشفقين علي.

أغلقت الرسالة وانهرت في البكاء.
لأول مرة منذ ۏفاته، لم تكن دموعي بسبب المړض…
بل بسبب العبء الذي حمله وحده كل تلك السنوات.
نظرت إلى غريس.
كانت واقفة في صمت، وكأنها تنتظر حكمي.
اقتربت مني بخطوات مترددة وقالت
إذا أردتِ… سأرحل. لقد أوفيت بوعدي له.
وقفت، ومسحت دموعي.
ثم احتضنتها بقوة.
قلت لها
لن ترحلي إلى أي مكان.
اڼفجرت بالبكاء بين ذراعي.
ومنذ تلك اللحظة، لم تعد ضيفة في المنزل…
بل أصبحت ابنتي.
أنهينا إجراءات التبني رسميًا بعد أشهر قليلة.
أما طفلانا، فلم يعودا يقولان غريس.
كانا يناديانها دائمًا
أختنا.
مرت السنوات.
دخلت غريس الجامعة، ثم أصبحت أخصائية اجتماعية تساعد الأطفال الذين يعيشون في دور الرعاية، لأنها كانت تقول
أعرف تمامًا كيف يشعر الطفل عندما يظن أن العالم كله نسيه.
وفي يوم تخرجها، وقفت أمام صورة ديفيد الموضوعة في غرفة المعيشة.
وضعت باقة زهور بجانبها، وابتسمت وهي تقول
لقد أوفيت بوعدك… وأنا أيضًا أوفيت بوعدي.
أدركت حينها أن ديفيد لم يترك لنا سرًا  عائلتنا…
بل ترك لنا فرصة لننقذ حياة فتاة كانت ستقضي عمرها وهي تشعر بأنها وحيدة.
ورغم أنني فقدت زوجي، فإن آخر قرار اتخذه قبل رحيله منحنا ابنة لم نكن نتوقعها، ومنحها هي عائلة كانت تحتاجها بقدر ما كنا نحتاجها نحن.
تمت.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى