ضحكت علي خطيبتي

ماريان مسحت دموعها بسرعة، ونزلت لمستوى صوفيا، ثم همست لها بنبرة حنونة ولكنها مكسورة
لا يا حبيبتي… عمو بس تعبان شوية. روحي أقفي مع طنط كاترين ثانية واحدة عقبال ما أكلمه.
الست الكبيرة التي كانت تقف بجانب السيارة البيضاءوالتي عرفت لاحقاً أنها متطوعة في دار رعاية كنسية تابعة للحيأخذت يد صوفيا الصغيرة ومشيت بها خطوات للداخل، تاركة إيانا تحت زخات المطر الخفيفة.
استجمعت قواي ووقفت، خطوت نحو ماريان والدموع تملأ عيني
ماريان… بنتي؟ صوفيا بنتي؟! إزاي؟ إنتِ هربتي وأنتِ حامل! أمي قالتلي إنك نزلتِ الجنين وإنك…
قاطعتني ماريان بنظرة جامدة، شاحبة، خالية من أي انفعال. لم يكن فيها غضب، بل قهر مستقر أعمق من البحر.
قالت بصوت هادئ ومتقطع من البرد
أمك قالتلك؟ وأنت صدقت يا فيكتور. زي ما صدقت الصورة، وزي ما صدقت إني سرقت الفلوس، وزي ما صدقت إني خنتك مع راجل غني.
أمسكتُ بكتفيها بلهفة
طب ليه ما دورتيش عليا؟! ليه ما اتصلتيش؟! ليه سبتيني أعيش أربع سنين فاكر إنك دمرتيني وأنتِ محتاجة المساعدة؟!
ضحكت ماريان ضحكة خفيفة، مريرة، شقت قلبي إلى نصفين.
ثم أخرجت
من شنطتها القماشية القديمة محفظة جلدية متهالكة، وسحبت منها ورقة مطوية مطوية عشرات المرات حتى كادت تتقرأ من الأطراف.
فتحتها ومدتها إليّ.
كانت إيصال سداد بنكي… باسمي واسمها.
بتاريخ اليوم التالي لها من البيت.
وقالت جملتها الصادمة الثانية
المبلغ اللي كان في الحساب… ال ٢٥ ألف دولار يا فيكتور… مكنتش أنا اللي أخدتهم. أمك هي اللي سحبتهم بالتوكيل اللي كان معاها من حسابنا المشترك يوم ما
.
الفصل الثاني الظرف المغلق والسر المنسي
شعرت وكأن الأرض تتحرك تحت قدمي.
أمي؟! أمي هي اللي سحبت الفلوس؟!
أومأت ماريان برأسها
يوم ما طردتني بالليل من غير مليم في جبيبي، وأنا حامل في الشهر الثاني، ورحت قعدت في ملجأ للستات، صحيت الصبح ورحت البنك عشان أسحب نص المبلغ المشترك عشان ألاقي مكان أعيش فيه وأتابّع مع دكتور. البنك قالي إن الحساب اتصفر بالكامل من ساعة واحدة… بتوقيع والدتك.
الدم بدأ يغلي في عروقي. تذكرت اليوم الذي جاءت فيه أمي إلى وأخبرتني فيه ببكاء مزيف القتالة هربت وسحبت الفلوس كلها من البنك وسابتلك الحساب فاضي!
ولأني كنت أعمى بالغل والكبرياء، لم أذهب للبنك، لم أطلب كشف حساب، ولم أفكر حتى في مراجعة التوقيعات!
سألتها بصوت يرتجف
والظرف يا ماريان؟ الظرف اللي سبتيهولي
قبل ما تمشي وقلتِ لي اقراه؟ كان فيه إيه؟
نظرت ماريان إلى السماء، ثم التقت عينها بعيني، وقالت بصوت مليء بالحزن
الظرف كان فيه تقرير المحامي اللي شفتني واقفة معاه في الصورة… المحامي ده كان من مركز حماية الأسرة، وكان التقرير بيثبت إن أمك كانت بتيجي ورانا في الشركة وتشتكي لرؤسائي في الشغل إني ست غير مضبوطة عشان يطردوني! وكان فيه كمان التحليل الطبي الأول للجنين، وتقرير البصمة الوراثية المبكر اللي بيأكد إن الحمل ده منك أنت بس.
ثم أضافت بنبرة أحرقت ما تبقى من كرامتي
لكن أنت ما فتحتش الظرف يا فيكتور. أنت أديته لأمك… وأمك قدام عينك وقالتلك دي ورقة تنازل مزورة.
تذكرت ذلك الموقف! نعم! أمي أخذت الظرف مني وهي تقول سيبلي الورق ده يا بني أنا هحفظهولك عشان المحامين! وفي نفس الليلة، أحرقت الأوراق في المدفأة وزعمت أنها كانت مجرد كذبة أخرى من ماريان!
سقطتُ على الأرض مرة أخرى. كيف كنت بهذا الغباء؟ كيف أغمضت عيني وسلّمت عقلي وقلبي لأمي لتصيغ لي واقعاً مزيفاً دمر حياة ز زوجتي وابنتي؟!
قربت من ماريان، صرخت بتوسل
سامحيني يا ماريان… أنا كنت غبي! كنت مخدوع! أرجوكِ تديني فرصة أصلح كل حاجة! أنا معايا فلوس، شغلي اتحسن، هعوضك أنتِ وصوفيا عن كل يوم برد وعذاب!
ابتعدت ماريان خطوة للخلف، ونظرت إليّ بعينين مليئتين بالأسى وقالت
الفلوس مش هتصلح حاجة يا فيكتور… الفلوس مش هترجع الأيام اللي صوفيا كانت بتعيط فيها من السخونية وما معيش ثمن دوا الحرارة. الفلوس مش هتمحي ليالي الخوف اللي قضيتها في الملاجئ وأنا خايفة أمك تتوصل مكاننا وتاخد البنت مني!
سكتت لحظة، ثم التفتت نحو باب الكنيسة وأكملت بصوت خافض
والأهم من ده كله… السر الأخير اللي أنت ما تعرفوش.
توقفت أنفاسي.
سر إيه يا ماريان؟
قالت بجمود
صوفيا… عندها ثقب ممتد في الشريان الأورطي في القلب يا فيكتور. محتاجة عملية جراحية عاجلة خلال أسبوعين، أو قلبها الصغير مش هيتحمل.
الفصل الثالث مواجهة الشياطين
كانت الشوارع مظلمة وأنا أقود سيارتي بسرعة جنونية متجهاً إلى بيت أمي.
المطر كان يضرب الزجاج الأمامي، لكن النار التي كانت تتأكل صدري كانت أشد حرارة من أي لهب.
خلال الأربع سنوات الماضية، كانت أمي تعيش معي في شقة كبيرة، تتصرف وكأنها الضحية التي ضحت بحياتها من أجلي، تذلني بين الحين والآخر بذكر الخائنة ماريان، وتزنّ على أذني لأتزوج من ابنة إحدى صديقاتها الغنيات.
فتحت باب البيت بعنف جعل الجدران تهتز.
كانت أمي تجلس في الصالة، تشرب الشاي وتتابع التلفزيون بدفء وراحة.
رفعت رأسها بخوف من صوت الباب
فيكتور؟! في إيه يا بني دخلتك دي؟ مال هدومك مبلولة كده ليه؟!
تقدمت نحوها بخطوات ثقيلة، أخرجت هاتفي ورميته على الطاولة أمامه.
كانت على الشاشة صورة صوفيا… بملامحي، بعينيّ، بابتسامتها المكسورة.
سألتها بصوت خفيض ومرعب
مين دي يا أمي؟
أمي نظرت للشاشة، ثم ارتبكت لثانية، ولكن سرعان ما عادت لملامح الجمود والإنكار
دي… دي بنت مين دي؟ أنا أعرف منين؟
صرخت بكل ما أوتيت من قوة حتى اهتزت الثريا في السقف
دي صوفيا!! بنتي من ماريان! البنت اللي قلتِ لي إن ماريان نزلتها! البنت اللي سبتوها تأكل من طوابير الإطعام في البرد وأنتِ قاعدة هنا قدام الدفاية!!
قامت أمي من مكانها وبدأت تصرخ هي الأخرى
أنت رجعت تتكلم مع القتالة دي تاني؟! البت دي مش بنتك! دي جايباها من الشارع عشان تبتزك وتاخد فلوسك!
سحبت من جيبي إيصال البنك القديم، والنسخة المطبوعة من حركة الحساب التي أخرجتها من البنك بالهاتف قبل صعودي .
رميتها في وجهها
ال ٢٥ ألف دولار يا أمي! ال ٢٥ ألف دولار بتوع بيتنا وتحويشة عمرنا اللي سحبتيهم بتوقيعك من البنك يوم ما طردتي ماريان وشهدتي عليها زور إنها !!
تجمّدت أمي في مكانها.
كوب الشاي من يدها وتناثرت القطع على السجاد.
شحب وجهها تماماً، ولم تجد كلمة واحدة تقولها. الإنكار لم يعد ممكناً.
جلست على الكرسي وهي ترتعد، وقالت بنبرة ملؤها الأنانية القاتلة
أنا… أنا
عملت كده عشان مصلحتك! ماريان كانت ست قوية ومستقلة، مكنتش بتسمع كلامي! كانت هتاخدك مني وتخليك تحت جزمتها! الفلوس دي أنا حطيتها في شهادات باسمك أنت! مأخدتهاش لنفسي!
ضحكت بهستيرية ودموعي تنزل بكثرة
عشان مصلحتي؟! حرمتيني من بنتي أربع سنين عشان مصلحتي؟! خلقتِ مني راجل قاسي ونذل طرد مراته الحامل في الشارع عشان مصلحتي؟! حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا شيخة!
تقدمت نحوها، وسحبت مفاتيح الشقة التي كانت في يدها
الشقة دي… والفلوس دي… وكل حاجة سيبتهالك هنا… هترجع للناس اللي اتقهروا بسببك. أنتِ قدامك ساعتين تلمي هدومك وتروحي تعيشي في شقة أختك في القرية. مش عايز أشوف وشك تاني طول ما أنا حَي.
صرخت أمي وهي تبكي
بتطرد أمك عشان واحدة غريبة وبنت مش متأكد منها?!
رددت بقسوة لم أعرفها في نفسي من قبل
أنا بطرد الشخص اللي دمر حياتي وجردني من إنسانيتي. البنت دي بنتي، وأنتِ حرمتيني من أنقى حاجة في الدنيا عشان عقدك النفسية وأنانيتك.
الفصل الرابع المعركة من أجل صوفيا
في صباح اليوم التالي، كنت أقف أمام باب المستشفى التخصصي في العاصمة.
لم أعد ذلك الرجل الذي يحكمه الكبرياء. كنت أركض ضد الزمن.
ماريان كانت تجلس في ممر قسم جراحة القلب للأطفال، تضم صوفيا إلى . صوفيا كانت تبدو شاحبة جداً، ونفسها متقطع.
عندما رأتني ماريان، وقفت بسرعة، وبدى عليها الخوف من أن أكون
جئت لأصنع مشكلة.
لكنني جثوت على ركبتي أمامها، وأخرجت ملفاً كاملاً.
ماريان… أنا بعت الشقة بالكامل النهاردة الصبح لتاجر عقارات بسعر أقل من سوقها عشان أخد الكاش فوراً. والفلوس دي بالكامل اتحولت لحساب المستشفى هنا باسم صوفيا. أكبر قلب في البلد حجز غرفة العمليات لبكرة الصبح.
ماريان بصتلي بذهول، ودموعها بدأت تنزل بصمت
فيكتور… أنت…
قلت لها ونبرتي العبرات
أنا مش جاي أطلب منك ترجعيلي… أنا عارف إن اللي عملته لا يُغتفر، وإن السنين اللي ضاعت مش هترجع. أنا جاي بس أعمل واجبي كأب… جاي أنقذ بنتي، وأديكي حقك اللي اتسرق منك.
صوفيا مدّت يدها الصغيرة ولمست وجهي، ومسحت دموعي بأصابعها الدافئة
عمو… أنت بتعيط ليه؟ هو قلب صوفيا هيخف؟
حملتها بين ذراعي لأول مرة في حياتي.
شعر بالدفء يتدفق في جسدي. كان رأسها الصغير يستند على كتفي، وصوت دقات قلبها الضعيفة والسريعة يتسلل لصدري.
قبّلت رأسها الكيرلي الصغير وقلت لها
هتخفي يا صوفيا… بابا هنا ومش هيسيبك تاني أبداً.
نظرت إلي ماريان، ولأول مرة منذ أربع سنوات، رأيت الشك والغضب يختفيان من عينيها، ليحل محلهما أمل خافت ولكن حقيقي.
الفصل الخامس بين الحياة والموت
صباح اليوم التالي، كانت غرفة العمليات تحتضن المعركة الكبرى.
خمس ساعات كاملة ونحن نجلس في ممر المستشفى… أنا وماريان.
لم نتحدث كثيراً، لكن أيدينا كانت ملتقية. كنت أمسك بيدها الباردة بكل قوتي، أستمد منها القوة، وأدعو الله ألا يعاقبني في طفلتي عن الذنوب التي ارتكبتها بحق أمها.
مرت الساعات كأنها دهر.
تذكرت كل كلمة قالها لي الناس، كل مرة استمعت فيها لكلام أمي وتركت عقلي للظنون. أدركت أن الشك هو السلاح الأكثر قتلاً في هذه الحياة، وأنه قادر على تدمير أنبل المشاعر إذا لم يتسلح الإنسان بالحق والضمير.
في الساعة الثانية ظهراً، انفتح باب غرفة العمليات.
خرج الطبيب وهو ينزع كمامته الطبية.
قفزنا من مكاننا في نفس اللحظة.
ابتسم الطبيب بإنهاك وقال
الحمد لله… الجراحة نجحت بالكامل. قدرنا نصلح الثقوب ونرمم الشريان. صوفيا بطلة صغيرة، وقلبها قادم على الحياة بصفاء.
.
وضعتُ رأسي على رأسها وأنا أبكي معها، شاكراً الله على هذه الفرصة الثانية التي لم أكن أستحقها.
الفصل السادس بداية جيدة على أنقاض الماضي
بعد ستة أشهر…
في شقة صغيرة جديدة مطلة على حديقة هادئة في ضواحي المدينة.
كانت صوفيا تركض في الحديقة، ترتدي فستانها الوردي المفضل، وتضحك بصوت عالٍ وهي تلاحق فراشة ملونة. وجهها كان ممتلئاً بالصحة والورود، ولم يعد هناك أي أثر للضعف أو الشحوب.
كنت أجلس على المقعد الخشبي، وبجواري ماريان.
لم نعد لبعضنا فوراً كزوجين. كنا نعلم أن الجروح العميقة تحتاج إلى وقت لكي تتأكل وتندمل. لكننا بدأنا رحلة التعافي معاً.
أصبحت أزور صوفيا يومياً، وأتشارك مع ماريان في كل تفاصيل حياتهما. عدت للعمل بجدية، واسترددت اعتباري ونفسيتي.
أما أمي… فقد انتقلت للعيش في القرية مع أختها. لم أقطع علاقتي بها تماماً، فالدين والأخلاق يمنعاني من ذلك، لكنني وضعت حداً صارماً وواضحاً لا تدخل في حياتي الشخصية، ولا زيارات لماريان وصوفيا إلا بشروطهما ورغبتهما.
التفتت إليّ ماريان وهي تنظر لصوفيا، وقالت بصوت هادئ
فيكتور…
نعم يا ماريان؟
صوفيا امبارح سألتني سؤال قبل ما تنام.
سألتها بفضول
سألتك إيه؟
ابتسمت ماريان ابتسامة دافئة، كانت هي الأولى الحقيقية التي أراها منها منذ سنين
سألتني هو بابا هيعيش معانا في البيت الجديد ولا هيفضل يزورنا بس؟
اتسعت عيناي ونظرت إليها بلهفة
وأنتِ جاوبتيها قلتي إيه؟
أخذت ماريان نفساً عميقاً، ثم مسكت يدي وقالت
قلت لها… إن بابا مسافر رحلة صلح طويلة… ولما تخلص، هيجي يعيش معانا ومش يمشي تاني أبداً.
قبلتُ يدها بدفء، وعيناي تفيضان بالدموع
الرحلة خلصت يا ماريان… وأنا وصلت لبيتي الحقيقي.
ركضت صوفيا نحو كلينا ورمت نفسها بين أحضاننا، لنتعانق نحن الثلاثة تحت أشعة الشمس الدافئة، تاركين خلفنا كل ظلام الماضي، ومستقبلين حياة جديدة بنيت
على الصدق، والحب، والعدالة.
تمت بحمد الله.
صلوا على النبي، والحق دايماً بيبان، والصدق والرجوع عن الخطأ بيصلحوا اللي دمره الظن والافتراء






