بنت اختي

ساد الصمتُ الأرجاء، وتوقفت قطرات الوقت في غرفة ابنتي الصغيرة جنى. الجملة الأخيرة التي ناطقت بها بنت أختي ليان نزل عليا ثقلها كالصاعقة ماما قالتلي لو عرفتي، أقولك إن بنتك هي اللي طلبت مني!
كانت الطفلة ذات الثماني سنوات تقف ودموعها تسيل على خدودها، تمسك في يدها المترعشة شريطاً صغيراً من الذكريات وبطاقة ذاكرة إلكترونية Memory Card صغيرة كانت مخبأة داخل علبة ألعاب قديمة في درج التسريحة.
بصيت ل جنى بنتي، لقيت عينيها مليانة براءة ورهبة، ودموعها محبوسة في عينيها وهي بتقول بصوت مرتعش
والله العظيم يا ماما أنا ما طلبتش منها حاجة! هي كانت كل ما تيجي تقفل الباب وتطلع الموبايل، وتقعد تفتش في درج التسريحة وفي ورق بابا وفي العلب اللي تحت السرير، وتقولي لازم أصور كل ده عشان ماما تفرح بينا وتجيبلي العروسة اللي وعدتني بيها!
الدم هرب من وشي.
الشرائط، والصور، والأوراق اللي كانت بتتفتش وتتصور… مكنتش لعب أطفال ولا مجرد فضول صغار! دي كانت عملية استطلاع وتجسس متكاملة ومنظمة، بتنفذها طفلة بريئة بتوجيه مباشر ومباشر جداً من أختي الكبيرة نجلاء!
بداية الخيط وتفكيك اللغز
سحبت ليان بنت أختي بهدوء، وقعدتها على السرير بجانب جنى. مسحت دموعها، وقلت لها بصوت دافي وهادي عشان ما أخوفهاش، لأنني عارفة إن الأطفال في السن ده مجرد أدوات في إيد الكبار
يا ليان يا حبيبتي… أنا مش زعلانة منك، ولا هعاقبك ولا هقول لماما إنك عيطتي. بس عايزاكي تقوليلي الحقيقة… ماما كانت بتطلب منك تصوري إيه بالظبط؟ وكانت بتقولك تعملي إيه بالصور دي؟
الطفلة بلعت ريقها وبصت في الأرض، وبدأت تحكي بعفوية وبراءة شلت تفكيري
خالتو… ماما كل يوم جمعة قبل ما نيجي عندكم، كانت بتديني موبايلها القديم وتفهمي أعمل إيه. تقولي ادخلي أوضة جنى واقفلي الباب عشان محدش يشوفك، وافتحي درج مكتب عمو جوزي وصوري كل العقود والظروف البيضاء. وتقولي صوري التسريحة من جوه، والعلبة الدهب الصغيرة، وصوري الفواتير اللي محطوطة على الرف… وقالتلي لو خالتو قفلت عليكم الباب أو سألتكم بتعملوا إيه، قولي لها بنلعب عرايس، ولو حست بحاجة قولي جنى هي اللي طلبت تصوري لعبها عشان ما تزعلش منك!
أنا بقيت قاعدة مش قادرة أستوعب كمية الغل والتخطيط السليم اللي طالع من أختي!
أختي نجلاء… أختي الوحيدة اللي دخلتها بيتي، وأمنتها على أسراري، وكانت كل ما تيجي عندي تظهر المحبة والود والطيبة، وتدعيلي ولجوزي بالبركة، تطلع من ورا ضهري بتستغل بنتها الصغيرة وتدربها على سرقة الصور والورق والتجسس على أسرار بيتي وذمتي المالية وورق شغلي أنا وجوزي!
أخدت بطاقة الذاكرة الميموري والموبايل القديم اللي كان مع ليان، وركبت البطاقة في اللابتوب بتاعي في الأوضة التانية.
أول ما الفولدرات اتفتحت… دمي اتجمد في عروقي.
كان فيه مئات الصور المأخوذة بدقة وعلى مدار شهور
صور لعقود ملكية الشقة والأرض اللي اشتراها جوزي الشهر اللي فات.
صور إيصالات أمانة وشيكات تجارية خاصة بشغل جوزي ومشاريع شركته.
صور لقطع ذهبية وفواتير شراء مجوهرات كانت محطوطة في خزانتي.
وصور لمستندات عائلية خاصة بأسهم وعقارات ورثناها عن والدنا المرحوم!
دوافع الجريمة والانكشاف الشامل
في اللحظة دي، فهمت السر اللي كان مخفي!
نجلاء أختي كانت طوال السنين اللي فاتت حاسة بالغيرة الشديدة والغل المقيم بسبب نجاح جوزي وتوسيع شغله، وبسبب إن والدي قبل ما يموت كتب جزء من المحل القديم باسمي نتيجة وقوفي جنبه في مرضه. نجلاء كانت بتحاول تجمع أدلة وصور ومستندات عن ثروتنا وحساباتنا عشان ترفع دعوى بطلان وتزوير على ورث والدي، وتستخدم الشيكات والعقود الخاصة بشغل جوزي عشان تضغط علينا وتسربها للمنافسين لابتزازنا مالم نكتب لها نصيب إضافي!
وقفت في نص الصالة، وأنا حاسة بمرارة ونار بتطلع من صدري. أختي اللي من دمي ولحمي… تجردت من الأمانة والرحمة، وما اكتفتش بالاستغلال، دي لوثت براءة بنتها الصغيرة وعلمتها الكدب والتجسس والتظاهر!
سمعت
صوت جرس الباب برن…
كانت نجلاء أختي طالعة الشقة بعد ما خلصت مشوارها في السوق السفلية عشان تاخد بنتها.
فتحت الباب… دخلت نجلاء بابتسامتها الصفراء المعتادة، وهي شايلة شنط الخضار والأكل وقالت ببرود
إيه يا سارة؟ ليان فين؟ يلّا عشان نلحق ننزل قبل ما الدنيا تظلم.
بصيت لها بمنتهى الهدوء والصلابة، وما رديتش على سلامها.
مشيت بخطوات ثقيلة، وحطيت اللابتوب مفتوح على السفرة في نص الصالة، وشغّلت العرض البطيء لكل الصور والمستندات اللي بنتها صورتها من جوه الأوضة!
نجلاء أول ما عينها وقعت على الشاشة وشافت صور العقود والشيكات المصورة بموبايلها، وشه اتقلب أصفر كأنه ميت! الشنط سقطت من إيدها على الأرض، وعينيها بدأت تزيغ في الزوايا بتوتر وإرباك قاتل.
حاولت تتلجلج وتصنع الضحكة
إيه ده يا سارة؟! إيه الصور دي؟! دي ليان البت الصغيرة كانت بتلعب بالموبايل وأكيد فتحت الكاميرا بالغلط وهي بتلعب مع جنى!
صرخت فيها بصوت حاد كالرصاص هز أركان الشقة كلها لأول مرة في حياتي
تلعب بالغلط يا نجلاء؟! البت الصغيرة تلعب بالغلط فتفتح درج مكتب جوزي المقفول بتكتيك وتصور الشيكات وعقود الأرض وفواتير الذهب صيداً صيداً وبدقة؟! البت الصغيرة تقوللي بلسانها ماما هي اللي قالتلي صوري دول عشان تجيبلي العروسة، ولو خالتك كشفتك قولي جنى هي اللي طلبت مني?!
نجلاء اتسمرت مكانها، ولسانها اتعقد تماماً ومش عارفة تلاقي كذبة واحدة تداري بيها الفضيحة العائلية والأخلاقية دي!
المواجهة وتطهير البيت
قربت منها، وبصيت في عينها بمنتهى الاحتقار والكسرة
أنتِ إيه يا شيخة؟! أنتِ إيه النوع ده من البشر؟! غل وحقد وكره لحد ما تستغلي طفلة عندها 8 سنين… بنتك المتربية البريئة، وتحوليها لجاسوسة وحرامية صغيرة تدخل بيتي وتقفل الباب على بنتي عشان تسرق أسراري وشقايا وشقى جوزي?!
نجلاء بدأت ترتبك وتزعق عشان تغلوش على موقفها
أنا أختك الكبيرة! وأنتِ وجوزك أكلتوا حقنا في ورث أبونا وأنا كنت بعرف حقي فين وأصون أهلي!
رديت عليها بصوت قاطع وواثق يخرس أي افتراء
أبونا كتب حق كل واحد بالعدل والشرع والورق الرسمي والمحكمة شهدت عليه! لكن أنتِ اللي عينك فارغة وغلّك عمى قلبك! أنتِ مش بس خنتي أختك وأمنتها على بيتك… أنتِ دمرتي براءة بنتك وزرعتي جواها الخيانة والكدب من صغرها!
في اللحظة دي، دخل جوزي محمود الشقة بعد ما رجع من شغله، وسمع الجزء الأخير من الكلام وشاف الصور المفتوحة على شاشة اللابتوب.
محمود لما شاف عقود شركته وشيكاته وتصوير الخزانة الخاصة بيه بموبايل نجلاء، وشه اتقلب أحمر قانٍ وبص لأختي بنظرة ذهول وازدرار لا يوصف.
قال محمود بصوت حازم وصارم
يا خسارة يا نجلاء… يا خسارة أخت مراتي اللي كنت بعتبرها زي أختي وبدخلها بيتي وأنا مطمن! أوراق شغلي وشيكاتي المدرسية تتصور عشان تبتزيني بيها أو تسربيها للغشاشين في السوق؟!
نجلاء حاولت تلم حاجتها وتجري، وتجر بنتها ليان معاها من إيدها بغل.
لكن محمود وقف قدام الباب وقالها بمنتهى الجدية والصلابة
الصور والميموري دول هيفضلوا معانا، واللابتوب ده متسجل عليه كل حاجة. لو فكرتي تبصي لبيتنا بصة شر، أو تنطقي بكلمة افتراء واحدة على ورث أو شغل، المستندات دي والتسجيلات بصوت بنتك هتكون في النيابة بتهمة التجسس واستغلال قاصر وشروع في سرقة واختلاس أوراق تجارية!
نجلاء شالت شنطتها وجرت ببنتها على السلم وهي بتداري وشها من الجيران والأقارب بعد ما اتفضحت فضيحة العمر قدام العيلة كلها.
من اليوم ده… انتهت أسطورة أختي الكبيرة وحبيبتي.
قفلت باب بيتي تماماً، وغيرت كالون الشقة بالكامل، ومسحت أي أثر للمستندات والأوراق القديمة وحطيتها في خزنة إلكترونية مشفرة في البنك.
نجلاء قعدت في بيتها مكسورة، ومحدش من العيلة بقى يطيقها أو يدخل بيتها بعد ما عرفوا الجريمة البشعة اللي عملتها في حق بنتها البريئة وفي حق أختها.
أما ليان… فبعت لها بعد فترة عن طريق والدتي أخصائية نفسية للأطفال، عشان تعالج الآثار السلبية والكدب اللي أمها زرعته جواها، وترجعها طفلة بريئة بتبتسم وتلعب من غير خوف ولا تدحلب.
أنا وبنتي جنى رجعنا نعيش في أمان، وبيتنا بقى في قمة الهدوء والاستقرار… ورأسي ظلت مرفوعة للسماء… اتعلمت واتعلم الجميع إن البيت أمانة، وأن الفتنة والغل لما يدخلوا النفوس بيمحوا صلة الرحم، وأن الحذر واجب حتى من أقرب الناس، وأن النية الصافية والوقفة الحازمة هما السند الوحيد اللي بيحفظ كرامة البيت وأمان أطفالنا للأبد.
تمت بحمد الله.
صلوا على النبي، والحق دايماً بيبان والنية الصافية ربنا بينصر صاحبها في النهاية
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”








