منوعات

المستشفي

لما رفعت رجل الولد الصغير اللي دخل  المستشفى وهو شايل كيس بقالة فيه ست زجاجات فاضية، وقابض في إيده على 12 جنيه متنيين بعناية، اكتشفت إن عنده كسر متساب من غير علاج… لكن اللي خلّى الدم يتجمد في عروقي مش الكسر.
كانت فيه علامة هلال صغيرة واضحة على رجله.
نفس العلامة بالظبط اللي كانت عند ابني الوحيد، اللي اختفى من قدام عيني من خمس سنين.
“أرجوكي… متضربينيش، أنا هبقى كويس.”
صوته كان واطي ومرعوش، وهو بيبصلي بخوف وأنا بحاول أكشف على رجله.
وقفت للحظة مش عارفة أتنفس.

الولد كان داخل مستشفى حكومي في القاهرة، لابس هدوم قديمة ومقطعة، وشعره منكوش، ووشه عليه تراب، ورجله متورمة بشكل واضح.
كان فاكر إن المستشفى مش بتساعد غير اللي معاهم فلوس.
وأنا كنت مسؤولة عن وحدة حماية الطفل في المستشفى.
لكن في اللحظة دي، أنا ماكنتش شايفة وظيفتي ولا منصبي.
كنت شايفة طفل صغير مرعوب، مقتنع إن الألم لازم يستحمله عشان يستحق حد يساعده.
قربت منه بهدوء وقلت:
“بص يا حبيبي… أنا اسمي مريم. والدكاترة هنا هيعالجوا رجلك، ومش محتاج تدفع ولا جنيه. إنت مش لازم تعمل أي حاجة عشان تستحق العلاج.”
بصلي باستغراب.

كأن كلمة “مساعدة” نفسها كانت حاجة غريبة عليه.
وبعدين فتح إيده الصغيرة، ووراني الفلوس.
“طب… الاتناشر جنيه كفاية؟”
السؤال ده وجعني أكتر من منظر الأشعة.
بصيت للفلوس، وبعدين بصيت في عينيه.
“كفاية لإيه يا حبيبي؟”
هز كتفه وقال:
“عشان الدكتور يعالجني.”
سكت.
#انجي_الخطيب
الكسر كان بقاله كام يوم.
يعني الولد كان بيمشي على رجله المكسورة، وبينام وهو بيتألم، وبيحاول يعيش يومه بشكل طبيعي… وكل ده لأن حد أقنعه إن العلاج له تمن، وإن اللي معهوش فلوس ملوش حق يتعالج.
كنت نفسي أحضنه.

نفسي أخده في حضني وأقوله إن خلاص، مفيش حاجة تخوف.
لكن خوفي إنه يترعب مني خلاني أتحرك بالراحة.
قبل ما ألمس رجله قلتله:
“ممكن ألمس رجلك؟”
هز راسه بالموافقة.
كنت كل ما أقرب منه، أستأذنه.
لحد ما دخل اللواء حسام، رئيس مباحث القسم، للمستشفى.
أول ما شاف الولد، عينيه وقعت على العلامة اللي على رجله.
وبعدين رفع عينيه وبصلي.
وشه اتغير.
“مريم…”
صوته كان واطي.
“إنتِ متأكدة؟”
بصيتله.

من خمس سنين، حسام كان من الناس اللي شاركوا في البحث عن ابني يوسف، اللي اختفى وهو عنده سنتين من جنينة عامة في القاهرة.
اليوم ده مايتنسيش.
أختي الصغيرة داليا كانت معاه.
ثواني واحدة بس غفلت فيها عنه…
ولما رجعت تبص، يوسف كان اختفى.
قلبنا عليه في كل حتة.
المستشفيات.
الأقسام.
المحطات.
المواقف.
الحدائق.
وزعنا صورته في الشوارع، وعلى المحلات، وعلى عربيات التاكسي.
وأنا فضلت خمس سنين أدوّر عليه.

خمس سنين وأنا كل ما أسمع صوت طفل في الشارع ألف وشي بسرعة.
خمس سنين وأنا مستنية حد يخبط على بابي ويقولي:
“ابنك اتلاقى.”
حسام كان شايفني وأنا بوزع صور يوسف لحد ما إيدي كانت بتوجعني.
وكان عارف قد إيه أنا انهرت لما القض..ية اتقفلت من غير نتيجة.
لكن دلوقتي…
كان واقف قدامي، وباصص لنفس العلامة اللي عمرها ما فارقت ذاكرتي.
قلتله:
“أنا متأكدة من إيه؟”
قال:
“من العلامة.”
بصيت للولد.
وبعدين قلتله:

“أنا متأكدة إني لازم أحميه… لكن مش هسمح لنفسي أقرر إنه ابني قبل ما نتأكد.”
حسام هز راسه.
“هبدأ إجراءات التحقق من الهوية فورًا.”
بصيت للولد وقلت:
“إنت اسمك إيه يا حبيبي؟”
اتردد شوية.
وبعدين قال:
“اسمي كريم.”
ابتسمت له رغم إن قلبي كان بيرج.
“خلاص يا كريم… من النهارده هنناديك كريم.”

ولأول مرة من ساعة ما دخل المستشفى، كتافه نزلت شوية، ووشه ارتاح.
لكن فجأة، الممرضة قربت من كيس البقالة اللي كان شايله.
أول ما مدت إيدها تاخده، الولد شد الكيس بسرعة لصدره.
“لأ!”
الممرضة اتفاجئت.
“حبيبي ده بس عشان نحطه جنبك.”
هز راسه بعنف.
“دول بتوعي.”
قعد على  وفتح الكيس.
طلع الزجاجات واحدة واحدة.
واحد…
اتنين…

تلاتة…
لحد ما وصل لست زجاجات.
وبعدين طلع الـ12 جنيه.
فضل يعدهم مرة تانية.
اتناشر جنيه بالظبط.
بصيتله وسألته:
“إنت كنت هتعمل إيه بالفلوس دي؟”
قال بمنتهى البراءة:

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى