منوعات

ابويا اصر اتجوز بنت عمي

لدنيا قامت وما قعدتش. عمي جاب أبويا وجاه جري، حصلت خناقة وشد وجذب يهدوا جبال.. عمي كان بيدافع عن بنته بمنتهى الاستماتة، وأبويا نفسه وقف وقال: “لو أنت مش مصدق يا ابني، نروح لدكتور ونشوف، والطب يقطع الشك باليقين”. بس أنا كنت عارف إن لو رحت لدكتور اللعبة هتتكشف، وحلم حريتي هيروح، فقفلت الباب في وشهم كلهم وقلت بحدة: “أنا مش هَلف معاكم على دكاترة عشان يضحكوا عليا بكلمتين مش مقتنع بيهم!”.
​لفيت ليها وقتها.. لقيتها منهارة على الأرض، بتتنفض زي العصفور المدبوح. بصلتي بـ نظرة عمرها ما فارقت خيالي، ولا أظنها هتتفارق حتى وأنا بموت. نظرة كانت بتقول كلام كتير أوي، كان أشدها: “افتكر اليوم ده كويس”.
​ورميت عليها يمين الطلاق في ساعتها.
​عمي أخد بنته ومشي وهو شايل كسرة الدنيا، وأبويا قعد مكانه مكسور الخاطر، عينيه في الأرض، مش قادر يتكلم ولا يرفع عينه في عين أخوه ولا يواجه الناس. وفي الصباحية. . بدل ما أكون عريس، كنت مجهز شنطي، ودعتهم بحجة إني مصدوم ومش قادر أتحمل كلام الناس، وطلعت على القاهرة.. سبتها هي تلتهمها ألسنة الخلق، وتواجه المصير المحتوم لأي بنت تطلق في الريف من أول يوم، في قضية تمس شرفها.
​عدت السنة الأولى، والتانية.. وأنا عايش في القاهرة في عالم تاني خالص. فسح، وسهر، وحياة طول وعرض، ولا على بالي ولا كأني دمرت حياة إنسانة. وهي هناك في البلد، عايشة في كرب ما يعلم بيه إلا ربنا، تحت نظرات القرف والشك من القريب والبعيد. بس رغم كل ده، عرفت إنها مكانتش بتستسلم، كانت بتقاوم وتروح جامعتها كل يوم، عشان ما تخسرش كل حاجه.
​وبعد سنتين من الفرفشة والحياة اللي اخترتها، اتعرفت على زميلتي في الشغل، البنت اللي كنت بحلم بيها بجمالها وثقافتها القاهرية. اتصلت بأبويا وقلتله إني هتجوز. أبويا وأمي جوم القاهرة وحضروا الفرح، وشوشهم كانت باهتة ومكسورة، مش راضيين عن العيشة ولا الجوازة، بس مكانش عندهم القدرة ولا الحيل إنهم يعارضوني بعد المصيبة اللي حصلت بسببي.
​مرت ٥ سنين كاملة على ليلة الطلاق السودا دي.. ٥ سنين وأنا مقطوع عن البلد، عايش حياتي بالطول والعرض ومطمن إن الصفحة دي اتقفلت للأبد.
​وبعد الـ ٥ سنين قررت أرجع البلد، أخدت مراتي في إيدي ورحت  وانا للحقيقه مكنتش عارف ازاي هشوف منارواحط عيني في عينها بعد اللي حصل بس كان لازم ارجع مش هينفع افضل هربان على طول
دخلت البيت وأنا فاكر اني حققت كل اللي نفسي فيه.. لكن اللي كان مستنيني هناك، صدمة عمرها ما جت على بالي، ولا تخيلت إنها ممكن تحصل…
أول ما خطيت عتبة البيت، لقيت الهدوء اللي يخنق. أبويا قاعد على الكنبة، وبجنبه عمي! أيوه، عمي اللي كنت فاكر إنه طردني من حياته للابد، قاعد بيبصلي بجمود لا فيه كره ولا فيه لهفة.. كان في نظرة “شبع من كل حاجة وما بقاش فارق معاه حاجة”.
​مراتي الدلوعة كانت ماسكة في إيدي، بتبص للبيت الريفي بقرف متداري، وفجأة سمعت صوت كعب جزمة نازل من على السلم.. صوت واثق، موزون، له هيبة.
​رفعت عيني.. ومكنتش هي!
​دي مش منار الانطوائية، البنت الخام اللي كانت بتتنفض زي العصفور. دي كانت ست ثانية خالص. لابسة بدلة رسمية شيك جداً، رافعة شعرها، في عينيها لمعة نصر وقوة تهز أجدعها راجل. منار اتخرجت من الجامعة بامتياز، ومسكت شركة مقاولات كبرت في المحافظة، وبقت هي اللي بتدير أرض أبويا وأرض عمي وكل الشغل!
​أبويا بصلي وقال بصوت جاف: “أهلاً يا باشمهندس.. أديك رجعت بعد ما شبعت. سلم على الدكتورة منار.. الشريكة الكبيرة في كل حاجة نملكها”.
​الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. منار قربت مني بخطوات ثابتة، بصلت لمراتي وابتسمت ابتسامة مجاملة راقية، وبعدين بصلتي بثبات يكهرب: “حمد الله على السلامة يا ابن عمي.. نورت بيتك”.
​المفاجأة الأكبر الكبرى مكنتش بس في شكلها ونفوذها.. الصدمة الحقيقية لما عمي وقف وقالي

مقالات ذات صلة
الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى