قصص وروايات

وهي بتولد

في صباح اليوم التالي، عندما ذهبت للبنك لبدء إجراءات الميراث، جلست أمام مدير الفرع الذي طلب مني الاطلاع على كشف حساب التركة. نظر إلي طويلا ثم أخرج ملفا وقال بتردد: “البقاء لله يا أستاذ ياسر، ولكن يؤسفني أن أخبرك أن حسابات المرحوم كلها مدينة، والرصيد صفر وهناك مديونيات للبنك تتجاوز الملايين”. صرخت فيه مستحيلا، فأدار الشاشة نحوي وقال بهدوء إن الفيلا والسيارات مرهونة، والمصنع كان يعمل بخسارة.

ثم أشار إلى سطر تتكرر فيه إيداعات ضخمة: “هذه التحويلات التي كانت تغطي فوائد القروض وتمنع ملاحقة أخيك طوال العامين الماضيين مصدرها حساب مدام ريهام”. أكمل المدير أنها باعت شجقتها ومجوهراتها وكانت تحول راتبها بالكامل للبنك، وكانت تسدد أقساط المظاهر الكاذبة التي كان يصر عليها كمال لكي يحافظ على صورته الاجتماعية.

خرجت من البنك وأنا لا أرى أمامي، وتذكرت وجهها الصابر. لم تكن بخيلة، بل كانت تحمل جبلا من الأسرار وحدها لتحمي عائلته من الانهيار. ركضت إلى شقتها وطلبت السماح منها، وبكت ريهام بحرقة على ما عانته من ظلم وتفهم الجميع لاحقا حجم التضحيات الصامتة التي قدمتها لستر العائلة.

القصة الثالثة: حماية الهدوء وحقيقة الماضي الخفي
أسمي لورين، أبلغ من العمر 27 عاما، وأدركت مؤخرا أن أكثر اللحظات هدوءا دائما ما تتبعها عواصف مفاجئة. في عشاء عيد زواجنا الخامس كان كل شيء يبدو مثاليا؛ الشموع والموسيقى الهادئة والمطعم الجميل. رفعت كأسي مبتسمة لزوجي ماتيو، لكنه لم يرفع كأسه ولم يلمس طعامه على الإطلاق. كان وجهه شاحبا وتجمعت قطرات العرق على جبينه وهو ينظر حوله بريبة.

فجأة قام من مكانه وقال: “يجب أن نغادر.. الآن”. ضحكت بارتباك وسألته عما إذا كان قد نسيت شيئا، فأمسك يدي بعنف وسحبني من الكرسي. في الخارج، فتح السيارة ويداه ترتجفان، وقال بصوت يغلبه التوتر إنه رأى شخصا في الداخل لم يكن من المفترض أن يكون هناك. سألته عما يعنيه، فهمس قائلا إنه عميل فيدرالي مرتبط بحياة سابقة قبل أن يقابلني.

شرح لي بهدوء أنه قبل سنوات أدلى بشهادته في قضية كبرى ضد شبكة منظمة، ونتيجة لذلك وُضع في برنامج حماية الشهود بأسماء وهويات جديدة. قال وهو يبكي إنه لم يكن مسموحا له أن يحب أو يرتبط بأحد، لكنه استسلم لمشاعره نحوي لأنه وجد فيّ الصدق الحقيقي. أخبرني أن لديه ظرفا يحتوي على جواز سفر ومبلغ مالي، وأنه يتفهم إن أردت الرحيل والعودة لحياتي الطبيعية.

لكنني نظرت إليه وحسمت أمري؛ الكذبة مهما كانت دوافعها قاسية، لكن الحب الحقيقي يعني أن نواجه التحديات معا لا أن نهرب. قُدنا السيارة إلى مكتب صغير حيث التقينا بمسؤولين أعطونا وثائق وهويات جديدة، ومع بزوغ الفجر كنا نجلس في سيارة تابعة للجهات الأمنية نغادر المدينة نحو مجهول جديد.

بعد مرور سنة على تلك الليلة، نعيش اليوم في مدينة أخرى بأسماء جديدة، بلا احتفالات صاخبة، لكننا على قيد الحياة معا. تعلمت من هذه التجربة أن الحب الحقيقي لا يظهر فقط في قاعات الاحتفالات المضيئة، بل في القرار الهادئ بالثبات والاستمرار ومواجهة الصعاب يدا بيد مهما كانت الظروف.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى