اختي التوأم اختفت

كانت شبه ماما بشكل يخوف.
المديرة سألتني:
— حضرتك تعرفيها؟
أنا ما رديتش.
لأني كنت مركزة في حاجة تانية.
الست رفعت إيدها قبل ما تمشي.
وفي صباعها…
كان فيه نفس الخاتم اللي اختفى مع ليلى ليلة عيد ميلادنا.
خرجت من المدرسة وأنا مش شايفة قدامي.
ما رجعتش البيت.
رحت دار الرعاية عند بابا.
دخلت أوضته.
كان قاعد قدام الشباك.
أول ما شاف البلوفر في إيدي…
وشه وقع.
ما قالش كلمة.
طلعت المفتاح وحطيته قدامه.
قلت:
— المرة دي هتتكلم.
بص للمفتاح.
إيده بدأت تترعش.
قلت:
— ليلى عايشة؟
سكت.
قربت منه أكتر.
— بابا… ليلى عايشة؟
رفع عينه ناحيتي.
ولأول مرة من أربعين سنة…
نطق اسمها.
— يا ريتني كنت خليتها تمشي.
قلبي وقف.
قلت:
— يعني إيه؟
دموعه نزلت.
— أنا السبب إن أختك اختفت.
قعدت قدامه وأنا حاسة إني مش سامعة غير ضربات قلبي.
قلت:
— إنت عملت فيها إيه؟
قفل عينه لحظة طويلة.
وبعدين قال:
— ليلة عيد ميلادكم، ليلى عرفت حاجة ماكانش المفروض تعرفها.
— إيه؟
تنفس بصعوبة.
— عرفت إن مامتكم كانت عايزة تسيبني، وعرفت أوراق تزوير قديمة كنت مخبيها.
بصيتله.
— وليلى عرفت؟
هز راسه.
— سمعتني وأنا بتخانق مع أمكم، وخرجت من البيت وراها.
قلت:
— وإنت خرجت وراها وحبستها!
بص للكاع وقال بصوت مكسور:
— قفلت عليها باب المخزن… قلت أسيبها ساعة بس لحد ما تهدى وتتراجع، وخفت تقول لأمها.
— وبعدين؟
— لما رجعت… كانت اختفت، والشباك الخلفي كان مكسور، وما بلغتّش عشان كنت خايف الشرطة تلاقي الورق.
نزّل رأسه.
أنا وقفت.
أربعين سنة…
أمي ماتت وهي فاكرة بنتها اتخطفت، وأبوها كان عارف آخر مكان كانت فيه.
قلت:
— الست اللي ادت البلوفر لسلمى مين؟
رفع رأسه فجأة.
— ست؟ شبه ماما؟
ملامحه اتحولت لرعب.
— قالت إيه؟
— قالت إن الحكاية لسه ما انتهتش.
حاول يقوم من كرسيه.
— لازم تروحي… المخزن. المفتاح ده مش مفتاح باب المخزن، ده مفتاح صندوق تحت الأرض.
رحت المخزن في نفس الليلة مع ابني.
المكان كان مهجور، باب حديد مصدي، وشيابيك مكسورة.
دخلنا بفلاش الموبايل، ولقينا بلاطة مختلفة في الأرض.
رفعناها، وكان تحتها صندوق حديد صغير.
إيدي كانت بترتعش وأنا بحط المفتاح واتفتح.
جوه الصندوق كان فيه ملفات، صور، وحزمة خطابات مربوطين بشريط قديم.
أول جواب كان مكتوب بخط ليلى:
“لو الرسالة دي وصلتك، يبقى أنا غالبًا ما رجعتش. عرفت بابا بيعمل إيه، بس بابا مش الشخص الوحيد.”
فتحت الورقة اللي بعدها، وكان فيها أسماء، من ضمنهم اسم خالنا؛ أخو ماما، الراجل اللي قضى عمره يقول إنه بيدور على ليلى.
وفي آخر الخطاب، كتبت ليلى:
“لو حصل لي حاجة، دوري على خالي.”
قلبي اتقبض، وفجأة سمعنا صوت ورا الباب.
— مكنستش المفروض تفتحي الصندوق.
لفينا، وكان خالي واقف وعمره فوق التمانين.
وقبل ما ننطق، ظهرت الست اللي شفتها في كاميرا المدرسة؛ نفس الشعر الأبيض، نفس العرجة، ونفس الخاتم.
قربت من النور، وبصيت في عينيها.
قلت:
— ليلى؟
دموعها نزلت وقالت:
— وحشتيني.
ماعرفتش أتحرك، وفضلت باصة لها لحد ما مدت إيدها، وشفت بتلة عباد الشمس البنية في البلوفر اللي كانت لابساه تحت بالطوها.
جريت عليها وحضنت أختي لأول مرة من أربعين سنة.
قالت وهي بتعيط:
— ليلة اختفائها، بابا حبسني، وبعد ما مشي ظهر خالي، وهو اللي كان شريك بابا الحقيقي. فتح الباب وقالي لو رجعت البيت أبوكي هيدخل السجن وأمك هتضيع. لما رفضت، ضربني ولما فقدت الوعي خدني لبيت بعيد. هربت بعد سنين، ولما جيت يوم جنازة ماما وشفتوني، بابا شافني وقالي لو قربت منكم هيخلي اللي حصل زمان يحصل تاني!
قلت بدموع:
— عشان كده بعتي البلوفر؟
قالت:
— كنت مستنيا بابا يضعف عشان يعرف إن السكوت خلص.
في اللحظة دي، دخلت الشرطة اللي كنت اتصلت بيها قبل ما ندخل المخزن، وأخدوا خالي.
بعدها رحنا لدار الرعاية عند بابا، أول ما شاف ليلى بدأ يعيط ويقول:
— سامحيني.
ليلى وقفت وقالت:
— سامحتك من زمان عشان أقدر أعيش، بس المسامحة مش معناها إن الحقيقة تتدفن.
وسابت فوق سريره بلوفر عباد الشمس.
بعد شهور، اتفتحت التحقيقات القديمة وظهرت أوراق التزوير والحقيقة كاملة.
أنا وأختي بدأنا من جديد، وفي عيد ميلادنا اللي بعده قعدنا جنب بعض لأول مرة من يوم ما كان عندنا ستاشر سنة؛ ليلى لابسة بلوفر عباد الشمس، وأنا لابسة بلوفر الورد الأبيض.
سلمى بصت لنا وضحكت:
— دلوقتي فهمت ليه البتلة البنية دي مهمة.
ليلى لمستها وقالت:
— لأنها الغلطة الوحيدة اللي أنقذت الحقيقة.
وأنا يومها فهمت حاجة واحدة: أحيانًا السر ممكن يفضل مدفون أربعين سنة، لكن كفاية خيط صغير واحد يطلع من الماضي عشان يفك الحكاية كلها.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




