الفستان دا

«بالفستان ده تحسي إنك طالعة من زريبة!»، اتريق عليا جوزي ومحروسته قدام الكل في المحكمة، وكانوا فاكرين إني هطلع من الجوازة دي على البلاطة. ما اتكلمتش ولا جادلت، مسكت طرف الفستان اللي أمي الله يرحمها كانت مخيطاهولي، وسلمت المحامي بتاعي فولدر فيه ورق بقاله 17 سنة. أول ما القاضي فتح أول صفحة، الضحكة اختفت من على وشهم هما الاتنين. الجزء الأول — بالفستان ده ناقصك بس جردل وتروحي تحلبي جاموستين في الغيط!
ضحكة طارق رنت في الصالة بتاعة محكمة الأسرة في التجمع الخامس. وجنبه، نيرمين، الست اللي سابني عشانها بعد سبعطاشر سنة جواز، حطت إيدها على بؤها وبتضحك بتمثيل وشياكة مسبوقة.
— ده شكله ملموم من وكالة البلح يا حبيبي!
أنا ضغطت بأصوابعي على قماش الفستان التل المنسوج. الفستان ده أمي كانت مخيطاهولي بإيدها يوم تخرجي من الكلية، أيام ما مكنش حيلتنا نوديه لترزي ولا نجيب جاهز. يمكن ألوانه بهتت، بس بالنسبة لي كان يسوى الدنيا وما فيها وميجوش جنبه حاجة من الهدوم الماركات اللي هي لابساها.
طارق كان متأكد إن اليوم ده هيخرج فيه من المحكمة وهو واخد الشركة، والشقة، والحسابات اللي في البنك، ومش هيسيبلي مليم واحد. أنا بقا كنت جاية معايا محامي انتداب، وفولدر قديم شايلة فيه شوية ورق بالعافية عرفت أطلع بيهم يوم ما غير كوالين الشقة وطردني في الشارع.
الجلسة يا دوبك كانت بتبدأ، والمحامي بتاعي قام وقف.
— سيادة القاضي، الصبح ده وصلنا كشف حسابات جديد بيشير لحسابات وعقارات مش متسجلة باسم الأستاذ طارق، وبنطلب مهلة عشان نراجع التحويلات دي.
القاضي قعد يقلب في الورق كام دقيقة، وبعدين رفع عينه.
— تأجيل الجلسة لمدة تلاتين يوم.
وش طارق احمر وبقى زي الطماطماية:
— حسابات إيه يا سيادة القاضي؟! الورق ده كله متراجع ومخلصين!
المحامي بتاعه قعد يهديه بالعافية، ونيرمين عمالة تبرطم جنبه وبتقوله إنهم كانوا حاطين حجز في مطعم كبير عشان يحتفلوا بطلاقنا.
خرجت من المحكمة ومش حاسة إني كسبت حاجة، أنا كل اللي خدته هو شهر واحد مهلة.
كانت الدنيا بتشمس والجو حر في الشارع. فتحت شنطتي لقيته فاضل معايا ألف وثمانمية جنيه. عليا إيجار تلت شهور للأوضة اللي أأجرتها في دار السلام من يوم ما طارق رماني. وصاحبة البيات إدتني مهلة تلت أيام يا أدفع يا أترمى في الشارع.
تاني يوم، الشغلانة الوحيدة اللي حيلتي في السوبرماركت راحت لما قفلوا الفرع بسبب “إعادة الهيكلة”. نزلت دورت على شغل مسح وتنظيف في شركات ومكاتب، وقعدت تلت ليالي أغسل بلاط لحد ما إيديا اتسلخت ورجليا وجعتني، وفي الآخر المشرف مشى الكلام ودا الشغلانة لبنت أخته.
بعت سلسلة فضة كانت بتاعة أمي، وحلق صغير كنت جيباه بأول مرتب قبضته في حياتي. الفلوس يا دوبك كفت سداد جزء من الإيجار وشوية أكل لموزعين على كام يوم.
في ليلة من الليالي، وانا قاعدة في مطعم فول وطعمية صغير، لمحت ورقة ملزوقة جنب الخزنة:
”مطلوب عمالة فوراً لمزرعة مواشي وألبان. الإقامة متوفرة. المزرعة في طريق المنصورة.”
فضلت باصة للورقة كتير.
افتكرت تريقة طارق عليا في المحكمة:
«بالفستان ده، أخرك تروحي تحلبي جاموس!»
مسكت التليفون وطلبت النمرة.
تاني يوم، وصلت مزرعة قريبة من المنصورة، معايا شنطة هدوم، وكتابين قدام بتوع تكنولوجيا أغذية، وكرامتي المتكسرة.
صاحب المزرعة، الحاج متولي، وداني للست أم سعد، واحدة شغال بقالها تلاتين سنة في حلاب المزرعة.
أول شفت ليا كان كارثة. البقرة زقتني خلتني خبطت في السور الحديد، وماكينة الحلب وقعت من إيدي مرتين، والبنات الشغالين قعدوا يضحكوا عليا.
الأستاذة جاية فاكرة نفسها في مصيف ومش عارفة تمسك حتى البقرة!
بلعت ريقي وسكت، وكملت شغل.
بالليل، وأنا قاعدة إيديا ورمانه ومش حاسة بيها، فكرت إن طارق كان عنده حق، وإني فعلاً ما أستهلش حاجة.
لقيت أم سعد جيت قعدت جنبي وطبطبت عليا وقالتلي:
— يا بنتي، هنا ما يفرقش أنتِ جاية منين ولا ابن مين، المهم هنا حيلتك أد إيه وهتستحملي قد إيه من غير ما تخلي حد يكسر نفسك ولا ينسيكي أنتِ مين.
ما كنتش اعرف وقتها إن المزرعة دي مش بس هتكون النجاة ليا من الفقر.
دي كمان هتحط تحت إيدي الدليل اللي هيهد كل الكدب والفلوس اللي طارق عمل بيهم ثروته.
واللي حصل بعد كده كان اغرب من الخيال، حاجة ما تخطرش على بال حد إنها تبدأ بتريقة على فستان قديم!الجزء الثاني
أول كم أسبوع في المزرعة كانوا أصعب مما تخيلت بمراحل. كنت بقوم الساعة أربعة الفجر، اتعلمت إزاى أراجع ماكينات الحلب، وأعرف البقرة العيانة، وأشتغل وأنا في قمة إرهاقي لدرجة إني كنت بنام من غير ما أفكر في طارق لحظة واحدة.
أم سعد مابقتش تعاملني كواحدة خايبة لما اكتشفت إني فاهمة كويس في جودة اللبن، ودرجات الحرارة، ومعدلات الإنتاج والتصنيع.
— وانتِ عرفتي الكلام ده كله منين يا خايبة؟
— أنا دارسة تكنولوجيا أغذية يا خالتي.
الحاج متولي، صاحب المزرعة، كان سامع الحوار، فطلب مني أراجع خسائر كانت عندهم بقالها شهور. اكتشفت مشاكل في دورة التبريد ولخبطة في خطوط التوزيع، وفي أسبوعين بس قدرنا ننزل الهالك للنص.
في الوقت ده، بدأت أقرب من إبراهيم، المسئول عن الخيل. كان بطل في قفز الحواجز لحد ما وقع وقعة جامدة أثرت على ظهره ونهت شغفه، كان طبعُه هادي، وبصته لي مفيهاش أي شفقة.
في يوم بالليل شافني واقفة عند السور بسرح بفكري.
— انتِ لسه بتحاربي حد مش موجود هنا اصلاً!
— أنت ماتعرفش عني حاجة.
— أنا عارف شكل البني آدم اللي خسر حاجة ولسه سايب الخسارة دي هي اللي تمشيه.
الجملة دي ضايقتني لأنها كانت صح ومستني.
بدأنا نتكلم كل يوم بالليل، ولأول مرة من يوم ما طردني طارق، ألاقي حد بيسمعني من غير ما يسألني: “انتِ عملتي إيه خلاه يبص لغيرك؟”.
بس طبعاً، مش الكل كان مبسوط.
سحر، الممرضة بتاعة المزرعة، كانت حاطة عينها على إبراهيم بقالها سنين. بدأت كلام ملوش لازمة زي: “بنات البندر دول بيعرفوا يلاقوا لنفسهم مطرح في أي حته بسرعة!”، وبعدها جت قالتلي إن إبراهيم خلاص جاله شغل في الإسكندرية ومسافر، والأحسن مأملش نفسي.
أنا صدقتها. وبدأت أبعد.
إبراهيم وقفني عند الإسطبل:
— بتبعدي ليه؟
— مش محتاج تبرر لي خططك ولا سفرك.
— سفر إيه؟!
وقتها فهمت إنها كانت حوارات مرسومة.
بعدها بكام يوم سحر جتلي وهي بتبكي، واعترفت إنها هي اللي ألفت حكاية السفر:
— شفتك جاية مكسورة، ومع كده بص لك بصه عمره ما بصها لي.. الغيرة أكلتني.
ما قدرتش أكرهها، بس قلت لها بكل هدوء: “أرجوكي متقرريش حاجة في حياتي تاني”.
كنت فاكرة إن دي أكبر مفاجأة في الشهر، بس طلعت غلطانة.
في نفس الأسبوع، الحاج متولي طلبني في مكتبه، وكان حاطط قدامه تقارير الإنتاج اللي أنا عدلتها.
— يا ندى.. المعادلات وطرق الحساب دي.. جايباها منين؟
جالي هبوط في قلبي.. دي كانت نفس الطريقة والمعادلات اللي عملتها من سنين لأول مصنع ألبان عمله طارق!
الحاج متولي فتح دولاب ورق قديم:
— من فترة اشترينا خط إنتاج مستعمل من شركة كانت بتورد لـ طارق جوزك.. وكان فيه ورق جوه الصناديق.
طلع فولدر أصفر وقدمه لي.
عرفت خط إيدي قبل ما ألمسه.
معادلاتي.. تركيباتي.. توقيعي.. وتواريخ من أيام ما طارق مكنش حيلته حتى مقر للشركة.
ومع الورق، كان فيه عقد كبس في الآخِر، أنا عمري ما شفته قبل كده!
العقد كان فيه اسمي كـ “المؤلف الفني والمسئول عن الابتكار والتطوير”، وفيه توقيع طارق بإيده وموافقته على الكلام ده!
كان فاضل أيام على جلسة المحكمة.. ولأول مرة، مكنّاش رايحين نجادل مين الصح ومين الغلط.. إحنا كنا رايحين نثبت مين اللي سرق مجهود التاني وتعب سنينه!
الجزء الثالث والأخير
مسكت الفولدر وضمتها لصدري كأني خايفة حد يخطفه مني. طارق كان دايماً بيطلع في البرامج ومع أصحابه يقول: “أنا بنيت الشغل ده كله من الصفر بجهدي”، لحد ما صدق كدبته ورسخها في دماغي. بس الورق ده مابينساش.
المحامي بتاعي لما شاف الورق قال لي:
— الورق ده يقلب القض..ية رأساً على عقب يا ندى. ده إثبات رسمي إن حقك الفني والفكري قائم قبل ما الشركة تتأسس اصلاً، وهو معترف بدورك ده كتابياً!
افتكرت أمي الله يرحمها وهي قاعدة تحت اللمبة بتخيط الفستان التل، وتعمل ورديات زيادة عشان تكفي مصاريف كليتي. كانت دايماً تقولي: “الفقر مش عيب يا بنتي، العيب إنك تبيعي أصلك وكرامتك”.
أنا اتخرجت بمجهودي، وفي بداية جوازنا من طارق كنا شغالين في مخزن متأجر، أنا بطلع عيني في التركيبات والجودة، وهو بينزل يبيع ويسوق. لما الشركة كبرت، بدأ يمسح اسمي واحدة واحدة لحد ما بقيت “مراته اللي ملهاش في الشغل”، ولما بقى معاه ملايين قال لي: “إحنا خلاص مابقيناش ينفع نكون مع بعض، انتِ وقفتِ في مرحلة قديمة!”.
يوم الجلسة الحاسم..
دخلت المحكمة ونفس الفستان التل عليا.
طارق أول ما شافني ابتسم بسخرية:
— أهلاً.. الحلابة جاية ببدلة الشغل الرسمية ولا إيه؟
ونيرمين ضحكت بقلة ذوق.
بصيت في عينه بثبات وقالت له:
— أه.. وفي المزرعة شفت ناس شغالين بيلقموا لقتهم بشرف، مش بيسرقوا شقا غيرهم ويقولوا بتاعنا!
الضحكة اختفت من وشهم.
المحامي بتاعي قدم الأول كشوفات الحسابات المتهربة، والتحويلات اللي طارق عملها باسم نيرمين وباسم شركات وهمية قبل الطلاق عشان يحرماني من حقي الشرعي.
طارق حاول يبرر:
— دي حسابات تجارية ومش محتاجة توضيح!
هنا المحامي طلع الفولدر الأصفر، وسلمه للقاضي.القاضي مسك الورق وبص لـ طارق:
— الأستاذ طارق.. التوقيع ده توقيعك؟
طارق وشه جاب ألوان وشفايفه نشفت:
— هو.. يشبه توقيعي يا فندم..
القاضي بحدة:
— أنا بسألك ده توقيعك ولا مش توقيعك؟
سكت شوية بصوت واطي:
— أيوه.. توقيعي.
المحامي كمل واثبت إن أصل الشركة والتركيبات والتطوير قائم على مجهودي المستقل الموثق قبل الجواز، وإن الأموال اللي اتحولت لـ نيرمين تعتبر تهريب أصول من الحقوق المشتركة.
طارق اتجنن في القاعة وعلا صوته:
— الفلوس دي فلوسي! أنا اللي جبت العملاء وأنا اللي عملت الاسم!
القاضي ضرب بالشاكوش:
— اتكلم بأدب واحترم المحكمة!
طارق بصلي بشر وقال:
— انتِ عايزة إيه؟ عايزة تخربي بيتي وتاخدي شقايا؟!
رديت عليه بكل هدوء الدنيا:
— أنا مش عايزة أخد حاجة مش بتاعتي يا طارق.. أنا بس جاية أمنعك تسمي شقانا وإحنا سوى إنه كان شقاك لوحدك.
الحكم صدر..
المحكمة حكمت بفرز وتجنيب أصول الشركة، وإعادة تقييم ممتلكات طارق، وإلغاء التحويلات اللي تمت لشركات نيرمين، مع تعويض مالي كبير ليا يعادل حصتي الفكرية والمادية في تأسيس الشركة.
خرجت من القاعة وأنا حاسة إن جبل انشال من على صدري. مش عشان الفلوس.. عشان كرامتي، وعشان أمي اللي كانت بتخيطلي الفستان، وعشان سنين عمري اللي اتسحقت.
بره المحكمة، كان في انتظاري الحاج متولي، وأم سعد، وسحر، وإبراهيم.
أم سعد أول ما شافتني قالت بضحكة:
— ها يا سيادة الباشمهندسة.. هتتكبري علينا بقا بعد الملايين دي؟
— ولا عاش ولا كان اللي يتكبر عليكي يا خالتي، ده أنا لسه عليا علام حلب الجاموس من غير ما أبهدل نفسي!
سحر سلمت عليا وعينيها مليانة دموع، وأنا طمنتها بابتسامة.
والحاج متولي سلمني مفاتيح المكتب الجديد في المزرعة:
— من يوم الاثنين مستنيكي في شغلك كمديرة جودة وتطوير.. المزرعة دي مش شغل بالشفقة، أنتِ أثبتِ إنك شاطرة وتستاهلي.
خرج طارق ونيرمين من المحكمة، ونيرمين كانت بتصرخ فيه في الشارع وتزعق له إنه ضحك عليها وقالها إن الورق كله مترتب، وسابته ومشيت وهو واقف مش عارف يعمل إيه.
بصيت لـ إبراهيم اللي كان واقف بعيد بيبتسم لي:
— وهتعملي إيه في الفستان ده دلوقتي؟
مسكت قماش الفستان وقلت:
— هشيله في أول الدولاب.. عشان كل ما أبص له أفتكر إن القيمة مش في الفستان، القيمة في اللي لابساه.
بعدها بشهور، بدأت حياة جديدة.. مع الشخص اللي ما حاولش ينقذني من ضعفي، بس سابني أقف على حيلي بنفسي. طارق شركته أفلست واضطر يبيع أجزاء منها لسداد الديون والالتزامات، ونيرمين سابته.
أما أنا، فعملت معمل صغير لتطوير منتجات الألبان في المنصورة، وكتبت اسمي على كل منتج طالع منه.. بكل فخر.




