قصص و روايات

اوراق الميراث

جوزي كان نايم على سرير المستشفى، وأنا لسه وارثة مبلغ وقدره… فلوس تكفيني أعيش عيشة الملوك طول عمري.

لكن قبل ما أدخل أبشره، سمعته بيضحك وهو بيتكلم مع ست تانية وبيقول: طول ما هي فاكرة إن حالتي بتسوء، هتديني آخر جنيه معاها.

في اللحظة دي، خبيت أوراق الميراث جوه شنطتي، واتصلت بمحامي ومشيت…من غير ما أعرف إن المكالمة اللي سمعتها ما كانتش غير بداية لخيانة أكبر بكتير.

وقفت مكاني قدام باب أوضته في المستشفى لما سمعته بيقول وهو بيضحك بثقة: هي مخلصة ليا تمامًا. طول ما هي مقتنعة إني ممكن أموت، هتفضي كل حساباتها علشاني من غير ما تسأل.

جسمي كله اتجمد.جوه شنطتي كانت أوراق الميراث اللي استلمتها من المحامي في نفس اليوم.

ميراث ضخم ما كنتش أتخيل في يوم إنه يبقى من نصيبي.

وقبلها بدقايق بس، كنت واقفة في الممر بتخيل اللحظة اللي هدخل فيها وأفاجئ الراجل اللي عشت معاه تقريبًا 30 سنة.

كنت متخيلة إني همسك إيده وأقوله:خلاص… إحنا أخيرًا ارتحنا. مش هنشيل هم الفلوس تاني.

لكن بدل اللحظة دي، وقفت ورا الباب أسمعه بيتكلم مع ست تانية.المكالمة كانت على مكبر الصوت.سمعتها بتسأله:وإنت مش حاسس بالذنب؟ إنت تقريبًا خلصت كل تحويشة عمرها، وهي عايشة بأقل القليل علشانك.

رد بمنتهى البرود: أحس بالذنب ليه؟ هي بتحب تنقذني. محتاجة دايمًا تحس إني ضعيف ومحتاجها… ودي الطريقة اللي بفضل مسيطر بيها عليها.

كل حاجة ضحيت بيها علشانه عدت قدام عيني في ثواني.

بعت دهب كان غالي عندي.عملت إعادة تمويل للبيت.

سحبت فلوس كنت محوشاها لسن التقاعد.واشتغلت ساعات إضافية بشكل مرهق علشان أدفع تكاليف العلاج والدكاترة والأدوية والفواتير اللي ما كانتش بتخلص.

الغريب إن الدكاترة كانوا دايمًا بيقولوا إن حالته ممكن السيطرة عليها.لكن كل شوية كانت تظهر أزمة جديدة…وعلاج جديد…

وفاتورة جديدة محتاجة فلوس.وفي الصبح، لما المحامي سلّمني أوراق الميراث وأكدلي قيمة اللي ورثته، أول شخص فكرت فيه كان جوزي.كنت عايزة أريحه.كنت فاكرة إن الفلوس دي هتكون بداية حياة جديدة لينا إحنا الاتنين.

لكن دلوقتي كنت واقفة أسمعه هو والست اللي معاه بيتكلموا عن فلوسي، من غير حتى ما يعرفوا إن حياتي المادية اتغيرت تمامًا من ساعات قليلة.
سمعته بيكمل: لما أخرج من المستشفى، هقول لها إن الشغل بيقع. هتسدد القروض، وتجيب معدات جديدة، وتسدد الديون… هي دايمًا بتحل مشاكلي.

الست ضحكت وقالت:طب ولو هي عندها خطط تانية لفلوسها؟

ضحك بصوت أعلى وقال: خطط إيه؟ هي أصلًا حياتها كلها بتلف حواليا.

الجملة دي وجعتني أكتر من أي حاجة سمعتها.رجلي ضعفت، وسندت على الحيطة وأنا بسأل نفسي:

إزاي طول السنين دي كنت فاكرة التلاعب حب؟

في اللحظة دي، عدت ممرضة وسألتني: حضرتك مش هتدخلي؟ جوزك بيسأل عنك.

رسمت ابتسامة بالعافية وقلت:نسيت حاجة مهمة في العربية… هرجع حالًا.

لكن ما رجعتش…دخلت الأسانسير ونزلت من المستشفى من غير ما أبص ورايا.

ركبت عربيتي القديمة، وقفلت الأبواب، وطلعت أوراق الميراث من شنطتي.فضلت باصة للرقم المكتوب قدامي.

ثروة حقيقية.

مبلغ يكفّيني أعيش عيشة الملوك طول عمري، ولسه يفضل منه لولادي وأحفادي…بعد ثواني، موبايلي اهتز.

رسالة منه:— إنتِ فين؟ مش إنتِ قولتي إن عندك خبر مهم جدًا؟

فضلت باصة للشاشة شوية، وبعدها كتبت:— الطريق زحمة جدًا. نتكلم بعدين.

وبعدها قفلت الموبايل.لأول مرة من يوم ما اتجوزنا، قررت إني مش هجري عليه لمجرد إنه محتاجني…رجعت البيت.

حطيت أوراق الميراث على نفس ترابيزة المطبخ اللي قضيت عليها سنين وأنا بحسب الفواتير، وبقرر إيه اللي هدفعه وإيه اللي ممكن يستنى للشهر الجاي.

أنا القديمة كانت ممكن تسامح…لكن الست اللي كانت قاعدة على الترابيزة دلوقتي…ماقدرتش.ظظفتحت كشكول وكتبت 3 أسئلة:

هو بيكدب عليا بقاله قد إيه؟خسرني كام فلوس بسبب أكاذيبه؟

وإيه اللي ممكن يعمله لو عرف بالميراث؟وقبل ما أكمّل السؤال الأخير، شاشة موبايلي نورت.رسالة من رقم مجهول.

فتحتها…وكان مكتوب فيها:

— ما تقوليلوش أي حاجة عن الميراث. مرضه مش أكبر كذبة مخبيها عنك.فضلت باصة للرسالة وقلبي بيدق بسرعة.

مفيش اسم أعرفه.مفيش تفسير.

بس في اللحظة دي فهمت إن الكلام اللي سمعته قدام باب المستشفى ما كشفليش الحقيقة كلها.هو بس…فتح الباب لأول سر
الفصل الثاني
فضلت باصة للرسالة اللي على الشاشة:

— ما تقوليلوش أي حاجة عن الميراث. مرضه مش أكبر كذبة مخبيها عنك.

قريتها مرة…

واتنين…

وتلاتة.

وبعدين كتبت بسرعة:

— إنت مين؟

ظهرت علامة إن الطرف التاني بيكتب، وبعد ثواني اختفت.

استنيت.

مفيش رد.

كتبت تاني:

— وإنت عرفت منين موضوع الميراث؟

المرة دي الرد جه فورًا:

— لأني كنت موجود النهارده في المستشفى… وشفتك وإنتِ واقفة قدام باب أوضته.

إيدي بردت.

بصيت حواليا تلقائي، كأن صاحب الرسالة ممكن يكون واقف ورا شباك المطبخ.

كتبت:

— عايز مني إيه؟

رد:

— ولا حاجة. أنا بس مش عايزك تعملي نفس الغلطة اللي عملتها واحدة قبلك.

وقفت عند الجملة دي.

واحدة قبلي؟

يعني إيه واحدة قبلي؟

كتبت بسرعة:

— تقصد إيه؟

لكن قبل ما الرسالة تتبعت، سمعت صوت مفتاح بيتحط في باب الشقة.

اتجمدت.

جوزي المفروض في المستشفى!

قفلت كشكول الأسئلة بسرعة، وخبيت أوراق الميراث جوه ملف قديم خاص بوالدي، وحطيته في درج مقفول.

الباب اتفتح.

لكن اللي دخل ماكانش جوزي.

كان ابني الكبير.

بصلي باستغراب وقال:

— ماما؟ إنتِ هنا؟ أنا كنت فاكر إنك عند بابا.

حاولت أتماسك.

— رجعت أجيب شوية حاجات.

بصلي شوية، وبعدين قال:

— إنتِ كويسة؟

— آه.

— لأ… إنتِ مش كويسة.

قرب مني، وقعد قدامي.

— حصل إيه؟

كنت عايزة أحكيله.

والله كنت محتاجة أتكلم مع أي حد.

لكن الرسالة الغريبة كانت لسه بتلف في دماغي:

“ما تقوليلوش أي حاجة عن الميراث.”

فقررت أسكت.

قلت:

— مرهقة بس.

هز راسه وقال:

— أنا أصلًا جيت علشان آخد شوية ورق لبابا من المكتب.

رفعت عيني بسرعة.

— ورق إيه؟

— معرفش. كلمني من المستشفى وقال لي أدخل مكتبه، هلاقي ظرف بني في الدرج اللي تحت، وأوديهوله.

قلبي بدأ يدق.

من بين كل الأيام…

ليه محتاج أوراق من مكتبه النهارده؟

قلت:

— سيبهولي وأنا آخدهوله.

— بس إنتِ مش راجعة المستشفى؟

— ممكن أرجع بعد شوية.

ابني بصلي باستغراب، لكنه ما سألش.

دخل مكتب أبوه.

بعد دقيقة خرج وهو ماسك ظرف بني كبير.

مد إيده بيه ناحيتي وقال:

— أهو.

أخدته.

كان مقفول.

لكن وأنا بمسكه، حسيت إن جواه أكتر من ورقة.

ابني قال:

— ماما… لو فيه حاجة بينك وبين بابا، أنا مش عايز أتدخل. بس هو كان غريب جدًا في المكالمة.

— غريب إزاي؟

— أول ما قلتله إنك في البيت سكت شوية… وبعدها سألني: “هي دخلت مكتبي؟”

بصيتله.

— وقالك إيه كمان؟

— قال لي آخد الظرف فورًا ومافتحوش.

حاولت ما أبينش خوفي.

— خلاص، سيبه معايا.

بعد ما ابني مشي، قعدت لوحدي قدام الظرف.

ضميري كان بيقولي ما افتحوش.

لكن عقلي كان بيرد:

الراجل ده أخد منك تحويشة عمرك بالكذب.

فتحت الظرف.

في الأول لقيت شوية فواتير.

وبعدين عقد.

وبعدين ورقة من البنك.

قعدت أقرا.

وفي خلال أقل من دقيقتين…

اكتشفت إن فيه حساب تجاري باسم جوزي عمره أكتر من سبع سنين.

حساب أنا عمري ما سمعت عنه.

والأغرب…

إن الحساب كان بيدخله تحويل شهري ثابت.

مبلغ كبير.

كبير جدًا.

يعني في الوقت اللي كان بيقولي فيه إن شغله بيخسر وإنه محتاج فلوس العلاج…

كان فيه آلاف بتدخل الحساب ده كل شهر.

قلبت الورقة.

ولقيت اسم شركة ما أعرفهاش.

بحثت عن الاسم على موبايلي.

شركة صغيرة مسجلة في مجال توريد الأجهزة والمستلزمات الطبية.

اتسمرت.

مستلزمات طبية؟

رجعت للفواتير اللي كنت بدفعها لعلاجه.

نفس نوع الأجهزة تقريبًا.

ونفس أسماء بعض المستلزمات.

بدأت أحس إن الصورة أبشع مما كنت متخيلة.

موبايلي رن.

هو.

سيبته يرن.

رن تاني.

وفي الثالثة رديت.

— ألو؟

صوته كان ضعيف ومتعب بشكل مثالي.

نفس الصوت اللي كان بيخليني أجري عليه كل مرة.

— حبيبتي… إنتِ فين؟ الممرضة قالت إنك كنتِ هنا ومشيتي.

— تعبت شوية.

— طب الخبر المهم اللي كنتِ جاية تقوليهولي؟

بصيت ناحية ملف الميراث.

وقلت:

— مش مهم.

سكت.

وبعدين سألني:

— إنتِ في البيت؟

— آه.

— دخلتي مكتبي؟

السؤال خرج بسرعة أكتر من اللازم.

قلت بهدوء:

— ليه؟

— أصل فيه شوية أوراق شغل، وكنت طالب من ابننا يجيبهالي.

— آه، جاب الظرف.

صوته اتغير:

— فتحتيه؟

ابتسمت لأول مرة من ساعة ما خرجت من المستشفى.

— لأ طبعًا… هو أنا عمري فتشت في حاجتك؟

رجع صوته طبيعي.

— عارف… عارف إنك مستحيل تعملي كده.

الجملة دي كانت زمان هتفرحني.

دلوقتي حسيت إنها إهانة.

هو ماكانش واثق فيا.

هو كان واثق إني سهلة.

قال:

— خلي ابننا يجيبهولي بكرة.

— حاضر.

قفلت المكالمة.

وبمجرد ما قفلت، صورت كل ورقة في الظرف.

رجعتهم زي ما كانوا بالظبط.

وبعدين بعت الصور للمحامي اللي سلّمني الميراث الصبح، واتصلت بيه.

رد بعد ثواني:

— خير؟

قلت:

— محتاجة منك خدمة… وبسرية تامة.

— طبعًا.

— عايزاك تعرفلي الشركة دي بتاعة مين، والحساب ده مرتبط بإيه، وهل فيه أي حاجة باسمي أنا من غير ما أعرف.

سكت شوية.

وبعدين قال:

— السؤال الأخير ده مقلقني.

— وأنا كمان.

قال:

— ابعتي كل حاجة عندك، وماتمضيش على أي ورقة من جوزك الفترة دي.

قلت:

— حتى لو قال إنها تخص علاجه؟

رد بحزم:

— خصوصًا لو قال إنها تخص علاجه.

بعد ما قفلت معاه، رجعت للرقم المجهول.

لقيته باعت رسالة جديدة:

— فتحتي الظرف، صح؟

اتخضيت.

كتبت:

— إنت عرفت إزاي؟

رد:

— لأن ده نفس الظرف اللي كنت مستنيه توصلي له من زمان.

كتبت:

— إنت مين؟

الرد المرة دي خلاني أقوم من الكرسي.

— أنا شخص كان شغال مع جوزك. والشركة اللي لقيتي اسمها في الورق… مش مجرد شركة بتاعته.

استنيت باقي الرسالة.

وصلت بعدها بثواني:

— جزء كبير من الفواتير الطبية اللي إنتِ دفعتيها خلال السنين اللي فاتت خرج من الشركة دي.

شهقت.

يعني إيه؟

كتبت:

— وضح كلامك.

رد:

— هو ماكانش بيدفع الفواتير للشركة… هو كان بياخد جزء من الفلوس لنفسه.

حسيت الدنيا بتلف بيا.

افتكرت كل مرة كنت ببيع حاجة علشان أدفع فاتورة.

كل مرة كنت بقول لنفسي:

“المهم يعيش.”

كل مرة كان يمسك إيدي ويقول:

“مش عارف كنت هعمل إيه من غيرك.”

كتبت:

— عندك دليل؟

رد:

— عندي أكتر مما تتخيلي.

وبعدين بعت صورة.

فتحتها.

كانت صورة لجوزي واقف قدام مبنى الشركة.

سليم.

واقف على رجليه.

لابس بدلة.

وبيضحك.

تاريخ الصورة كان من حوالي سنة ونص.

نفس الأسبوع اللي قضاه — حسب كلامه — في المستشفى بسبب “تدهور مفاجئ في حالته”.

كبرت الصورة.

وكان واقف جنبه شخص تاني.

ست.

نفس الست؟

معرفتش.

لكن تحت الصورة وصلت رسالة أخيرة:

— لو عايزة تعرفي الحقيقة، اسألي نفسك سؤال واحد: ليه جوزك عمره ما سمحلك تدخلي معاه عند الدكتور اللي بيتابعه لوحدكم؟

قعدت على الكرسي وأنا بحاول أفتكر.

وفعلًا…

في السنين الأخيرة، كل ما كنت أطلب أحضر مقابلة مهمة مع دكتور معين، كان يرفض.

مرة بحجة إنه مش عايز يتعبني.

ومرة يقول إن الدكتور طلب يقابله لوحده.

ومرة يقول إن الموعد اتغير فجأة.

فتحت كشكولي.

وتحت الأسئلة التلاتة، كتبت سؤال رابع:

هل جوزي كان مريض فعلًا؟

وقبل ما أقفل الكشكول…

وصلتني رسالة من المحامي.

— لازم نتقابل بكرة الصبح فورًا. عملت بحث مبدئي عن الشركة… واسمك ظهر في أوراق مرتبطة بيها.

قريت الرسالة مرتين.

أنا؟

أنا اللي عمري ما سمعت عن الشركة دي؟

إزاي اسمي موجود في أوراقها؟

لكن الصدمة الحقيقية جات بعدها بدقيقة.

المحامي اتصل بيا بنفسه.

أول ما رديت، قال من غير مقدمات:

— عندي سؤال مهم جدًا… جوزك في أي وقت خلال آخر كام سنة خلاكي تمضي على أوراق وقالك إنها خاصة بتأمين صحي أو قرض للعلاج؟

افتكرت على طول.

كان فيه أوراق كتير.

كتير جدًا.

قلت بصوت واطي:

— آه.

سكت لحظة.

وبعدين قال:

— يبقى عندنا مشكلة أكبر من الخيانة الزوجية بكتير.

— مشكلة إيه؟

رد:

— مش هينفع أأكد قبل ما أشوف النسخ الأصلية… لكن فيه مستندات بتشير إنك مش بس مرتبطة بالشركة.

بلع ريقه وأكمل:

— على الورق… إنتِ ممكن تكوني المسؤولة عن جزء كبير من ديونها.

وفي اللحظة دي…

فهمت ليه جوزي كان محتاج الظرف يخرج من البيت بسرعة.

وفهمت كمان إن الميراث اللي وصلني النهارده…

يمكن ماكانش مجرد فرصة أبدأ حياة جديدة.

يمكن كان السبب اللي خلاه يستعجل تنفيذ آخر جزء من خطته….

 

الفصل الثالث
ما نمتش طول الليل.

كل ما أغمض عيني، أفتكر الورق اللي مضيت عليه بإيدي وأنا واثقة فيه.

مرة كان يقول:

— دي إجراءات تأمين جديدة.

ومرة:

— البنك محتاج توقيعك علشان إعادة جدولة مصاريف العلاج.

ومرة كان يحط الورق قدامي وهو تعبان ويقول:

— بالله عليكي خلصيهم بسرعة… أنا مش قادر أركز.

وأنا؟

كنت بمضي.

من غير ما أقرا.

مش لأني مهملة…

لكن لأني كنت فاكرة إن الراجل اللي عشت معاه حوالي 30 سنة مستحيل يستغل ثقتي فيه.

الساعة تسعة الصبح، كنت قاعدة قدام المحامي.

حط قدامي ملف سميك وقال:

— قبل ما أوريكي اللي لقيته، عايزك تكوني هادية.

ضحكت بمرارة.

— بعد اللي عرفته امبارح، مش متأكدة إن فيه حاجة ممكن تفاجئني.

بصلي وقال:

— للأسف… فيه.

فتح الملف.

طلع صورة عقد وحطه قدامي.

في آخر الصفحة كان فيه توقيعي.

بصيتله.

— أيوه… ده توقيعي.

— متأكدة؟

— طبعًا.

قلب الصفحة ناحيتي.

— اقري فوق التوقيع.

بدأت أقرا.

وفي نص السطر تقريبًا وقفت.

رفعت عيني له.

— يعني إيه “ضامن شخصي”؟

قال:

— يعني في حالة تعثر الشركة عن سداد التزامات معينة، ممكن تتم مطالبة الضامن حسب شروط العقد.

حسيت نفسي مش قادرة آخد نفسي.

— بس أنا عمري ما وافقت أضمن شركته!

— فاكرة الورقة دي؟

فضلت باصة عليها.

وفجأة افتكرت.

من حوالي أربع سنين…

رجع البيت تعبان جدًا.

كان ماسك ملف أزرق وقال لي إن شركة التأمين محتاجة توقيعي بصفتي زوجته علشان يعتمدوا علاج جديد.

أنا حتى ما لبستش نضارتي.

مضيت.

قلت:

— هو قال لي إن الورق خاص بعلاجه.

المحامي هز راسه.

— واضح إن الحقيقة مختلفة.

حطيت إيدي على وشي.

— ممكن ياخدوا الميراث؟

قال:

— ما نقدرش نقول كده من الورق ده وحده. لازم نراجع صحة المستندات، وطريقة التوقيع، والتزامات كل طرف. والأهم من دلوقتي: ما تتصرفيش في الميراث بناءً على طلبه، وما تمضيش أي حاجة جديدة قبل المراجعة القانونية.

قلت بسرعة:

— هو لسه ما يعرفش بالميراث.

بصلي مباشرة.

— خليه ما يعرفش.

سكت شوية، وبعدين طلع ورقة تانية.

— وفي حاجة أغرب.

كان قدامي كشف بأسماء مرتبطة بالشركة.

أشار لاسم ست.

نهى كمال.

قلت:

— مين دي؟

— شريكة في الشركة من سبع سنين.

الاسم ماكانش مألوف.

لحد ما المحامي وراني صورة من سجل قديم للشركة.

بصيت للصورة…

وحسيت الدم انسحب من وشي.

أنا شفت الست دي قبل كده.

مش مرة.

مرات كتير.

قلت بصوت متقطع:

— دي… كانت بتيجي المستشفى.

— تعرفيها؟

— كان بيقول إنها مسؤولة حسابات في المركز الطبي.

المحامي ما ردش.

أنا كملت:

— هي اللي كانت ساعات تجيبلي الفواتير.

الصمت اللي حصل بعدها كان كفاية.

فهمت لوحدي.

الفواتير اللي كنت بدفعها…

كانت بتوصلني عن طريق شريكة جوزي.

سألت:

— ممكن تكون هي الست اللي كان بيكلمها امبارح؟

— ممكن، لكن ما عندناش دليل لسه.

وفجأة موبايلي رن.

جوزي.

بصيت للمحامي.

قال:

— ردي بشكل طبيعي.

فتحت المكالمة.

— ألو؟

جالي صوته متعب:

— صباح الخير يا حبيبتي… إنتِ فين؟

— بخلص مشوار.

— مشوار إيه؟

— شوية ورق.

سكت ثانية.

— ورق إيه؟

قلت بهدوء:

— حاجات تخصني.

نبرة صوته اتغيرت.

— إنتِ كويسة؟

— الحمد لله.

رجع للصوت الحنين اللي كنت بحبه زمان.

— أنا خرجت من المستشفى النهارده.

اتصدمت.

— خرجت؟

— الدكتور قال مفيش داعي أفضل. هاجي البيت بعد ساعة تقريبًا.

وبعدين قال:

— وبالمناسبة… فيه موضوع مهم لازم نتكلم فيه.

— موضوع إيه؟

تنهد.

— الشغل داخل على أزمة كبيرة.

بصيت للمحامي.

بالظبط زي ما سمعته بيقول في المكالمة.

“لما أخرج من المستشفى، هقول لها إن الشغل بيقع.”

قلت:

— أزمة قد إيه؟

قال بصوت مكسور:

— ممكن أخسر كل حاجة.

وسكت لحظة قبل ما يضيف:

— ويمكن البيت كمان.

لو كنت سمعت الجملة دي قبل يومين…

كنت هبيع آخر حاجة عندي.

لكن دلوقتي قلت:

— لما أرجع نتكلم.

قفلنا.

المحامي بصلي وقال:

— بدأ.

قلت:

— بالظبط زي ما كان مخطط.

وقفت علشان أمشي، لكنه ناداني:

— استني… فيه حاجة أخيرة.

طلع نسخة من مستند جديد.

— الشركة عليها التزامات فعلًا، لكن الغريب إن جزءًا من أصولها اتحرك خلال الشهور الأخيرة.

— راح فين؟

— لشركة تانية.

— بتاعة مين؟

قلب الورقة ناحيتي.

نهى كمال.

رجعت قعدت.

— يعني إيه؟

— يعني قبل ما الشركة الأولى تدخل الأزمة، أصول مهمة اتنقلت لجهة مرتبطة بشريكته.

سألته:

— وهو؟

— لسه موجود في الشركة الأولى.

بصيت للتوقيع بتاعي.

وفهمت.

قلت:

— يعني الأصول تخرج… والديون تفضل؟

المحامي رد بحذر:

— ده احتمال لازم نراجعه من المستندات كاملة.

سألته:

— وأنا أكون موجودة في النص بصفتي ضامنة؟

— عشان كده لازم نتحرك قانونيًا بسرعة ونتأكد من كل توقيع وكل مستند.

خرجت من المكتب وأنا حاسة إن جوازي كله بيتعاد قدامي بصورة مختلفة.

لكن وأنا بركب العربية، وصلتني رسالة من الرقم المجهول:

— عرفتي نهى؟

رديت فورًا:

— إنت تعرفها؟

جالي الرد:

— أعرفها كويس.

— إنت مين؟

المرة دي بعتلي اسم.

محمود عزت.

وبعدها:

— كنت المدير المالي للشركة قبل ما جوزك يطردني.

كتبت:

— ليه طردك؟

رد:

— لأني رفضت أمضي على حسابات مش سليمة.

وبعدين رسالة تانية:

— ولو عايزة تعرفي نهى مين بجد… دوري في صور جوزك القديمة قبل جوازكم.

تجمدت.

قبل جوازنا؟

أنا متجوزاه من حوالي 30 سنة!

إزاي نهى موجودة من قبل ما نتجوز؟

رجعت البيت.

لقيته سبقني.

كان قاعد على الكنبة، لابس بيجامة، وبجانبه كيس أدوية.

أول ما شافني ابتسم بتعب.

— أخيرًا جيتي.

بصيتله.

أمس بس كنت هاجري أحضنه.

النهارده بقيت شايفة كل حركة بطريقة تانية.

قال:

— تعالي اقعدي جنبي.

قعدت.

مسك إيدي.

— أنا في ورطة.

قلت:

— خير؟

— الشركة محتاجة سيولة بسرعة.

— كام؟

قال رقم كبير.

رقم كان كفيل من يومين يخليني أقول له إننا لازم نبيع البيت.

قلت:

— وأنا هجيب المبلغ ده منين؟

بصلي شوية.

وبعدين قال:

— ممكن ناخد قرض بضمان البيت.

— تاني؟

— فترة وهتعدي.

قلت:

— مش موافقة.

إيده سابت إيدي.

ملامحه اتغيرت للحظة.

لكن بسرعة رجع للهدوء.

— ليه؟

— تعبت من الديون.

— يعني تسيبيني أغرق؟

— أنا ما قلتش كده.

قرب مني وقال:

— طول عمرنا بنقف جنب بعض.

طول عمرنا.

كنت عايزة أضحك.

بدل كده سألته:

— نهى عاملة إيه؟

وشه اتجمد.

ثانية واحدة بس.

لكني شفتها.

قال:

— نهى مين؟

ابتسمت.

— مش عارفة… الاسم جه في بالي.

ضحك بتوتر.

— أول مرة أسمع الاسم.

عرفت وقتها إنه بيكدب.

لكن ما ضغطتش.

قمت ودخلت المطبخ.

وبعد حوالي نص ساعة، قال إنه تعبان ودخل ينام.

استنيت لحد ما سمعت نفسه منتظم.

دخلت المكتب.

كنت بدور على ألبومات الصور القديمة.

لقيت صندوق صور من أيام شبابه.

فضلت أقلب.

صورة جامعة.

صورة رحلة.

صورة مع أصحابه.

وبعدين…

لقيتها.

جوزي واقف جنب نهى.

أصغر بحوالي 30 سنة.

إيده على كتفها.

وخلف الصورة مكتوب بخط إيده:

“أنا ونهى — البداية اللي عمرها ما هتنتهي.”

قعدت على الأرض.

لكن اللي خلاني أحس إن قلبي وقف فعلًا…

كان التاريخ.

الصورة متصورة قبل جوازنا بحوالي سنة.

قلبتها تاني.

كان فيه كلام صغير تحت الجملة ماخدتش بالي منه أول مرة:

“لحد ما نرجع لبعض مهما حصل.”

سمعت صوت ورايا:

— بتعملي إيه؟

رفعت راسي.

كان جوزي واقف عند باب المكتب.

مش متكئ على الحيطة.

مش ماسك صدره.

ومش باين عليه أي تعب.

واقف مستقيم تمامًا.

وعينه مش على وشي…

كانت على الصورة اللي في إيدي.

وفي اللحظة دي، لأول مرة، ما شفتش قدامي مريض محتاج مساعدتي.

شفت راجل اتكشف له إن السر اللي دفنه 30 سنة…

بقى في إيدي.

الفصل الرابع
— بتعملي إيه؟

جوزي كان واقف عند باب المكتب.

بصيتله، وبعدين بصيت للصورة اللي في إيدي.

قلت بهدوء:

— بدور على حاجة قديمة… ولقيت الأقدم.

قرب مني.

— هاتي الصورة.

— ليه؟

— لأنها حاجة خاصة بيا.

ضحكت.

— خاصة بيك؟ بعد 30 سنة جواز؟

مد إيده ناحيتي.

— بلاش نعمل مشكلة من صورة قديمة.

وقفت.

— مين نهى؟

سكت.

— سألتك مين نهى؟

قال بعصبية:

— واحدة كنت أعرفها قبل ما أتجوزك.

— وبس؟

— وبس.

رفعت الصورة قدامه.

— “البداية اللي عمرها ما هتنتهي… لحد ما نرجع لبعض مهما حصل.”

وشه اتغير.

لكنه قال:

— كلام شباب.

— والغريب إن كلام الشباب ده لسه شريكك في الشركة بعد 30 سنة.

المرة دي ما عرفش يخبي صدمته.

— شركة إيه؟

قلت:

— بلاش.

وسكت.

أنا كنت عايزة أشوف هو عارف أنا وصلت لفين.

قال:

— واضح إن حد بيلعب في دماغك.

— يمكن.

— مين؟

— وإنت خايف ليه؟

قرب مني وقال:

— أنا مش خايف. أنا بس مش فاهم إنتِ بتعملي إيه.

بصيتله من فوق لتحت.

— وأنا كمان بقالي يومين بحاول أفهم… إزاي راجل خارج من المستشفى من ساعات واقف قدامي دلوقتي بصحة أحسن مني؟

فجأة حط إيده على صدره.

— أنا تعبان فعلًا.

كنت زمان هجري عليه.

المرة دي ما اتحركتش.

فضلنا نبص لبعض.

وبعدين قال:

— هتفضلي واقفة تتفرجي؟

قلت:

— لو تعبان نطلب الإسعاف.

رفع عينه بسرعة.

— مش للدرجة دي.

ابتسمت.

— كنت عارفة.

سيبته ودخلت أوضتي.

قفلت الباب بالمفتاح.

وفي نفس الليلة، وصلني من محمود ملف كامل.

تحويلات.

فواتير.

مراسلات داخلية.

لكن محمود كتب تحتهم:

— ما تعتمديش على الصور دي لوحدها. خلي محاميك يتحقق من النسخ الرسمية.

ودي كانت أول مرة أحس إن الشخص المجهول مش بيحاول يشحنني ضد جوزي.

هو كان عايزني أوصل للحقيقة.

تاني يوم قابلت المحامي.

وبعد مراجعات واتصالات قانونية، بدأ جزء من الصورة يوضح.

جوزي كان فعلًا عنده مشكلة صحية مزمنة.

يعني المرض نفسه ماكانش اختراعًا كاملًا.

لكن حسب المستندات اللي قدر المحامي يراجعها، الصورة اللي كان بيقدمها ليا عن مصاريفه وأزمات شركته ما كانتش متطابقة مع الحقيقة.

بعض الفواتير كانت محتاجة مراجعة.

وبعض المبالغ اللي دفعتها كانت أكبر من المستندات الطبية اللي قدرنا نوصل لها.

والشركة اللي كنت فاكرة إنها مالهاش علاقة بيا…

كان توقيعي ظاهرًا في أوراق تخص ضمانات مالية.

قلت للمحامي:

— يعني كان بيمرض فعلًا… لكنه كان بيستخدم مرضه علشان يخوفني؟

قال:

— اللي نقدر نثبته هو المستندات والتحويلات والتوقيعات. النوايا يحددها التحقيق والأدلة.

هزيت راسي.

وده كان أهم درس اتعلمته.

أنا مش محتاجة أثبت إنه وحش.

أنا محتاجة أثبت إيه اللي حصل لفلوسي واسمي وتوقيعي.

قلت:

— ونهى؟

فتح ملف تاني.

— علاقتها التجارية بيه مؤكدة.

— والعلاقة التانية؟

— دي ما نحكمش عليها من صورة قديمة.

كنت متضايقة من الإجابة.

لكن كان عنده حق.

لحد ما محمود بعت تسجيلًا.

مش تسجيل خاص مسروق…

كان تسجيل اجتماع تجاري قديم كان حاضر فيه بصفته المدير المالي.

صوت نهى كان واضح:

— لازم ننقل الأصول قبل ما المشاكل تبدأ.

وصوت جوزي:

— وأنا هتصرف في الباقي.

ثم قالت:

— ومراتك؟

رد:

— دي آخر واحدة ممكن تقلقيني منها.

قفلت التسجيل.

قلت للمحامي:

— كفاية.

قال:

— لأ. بالنسبة للقانون، لسه محتاجين أكتر.

ومن اليوم ده بطلت أدور على اعتراف.

بدأت أدور على دليل.

لمدة أسابيع، المحامي والمحاسب المختص راجعوا المستندات المتاحة بالطريق القانوني.

وأنا في البيت…

مثلت إني ماعرفش حاجة.

جوزي كان كل يوم تقريبًا يحاول يرجع لموضوع الأزمة.

— البنك بيضغط عليا.

— ربنا يسهل.

— ممكن نضطر نبيع البيت.

— نشوف.

— إنتِ مش زي الأول.

— يمكن تعبت.

لحد ليلة قعد قدامي وقال:

— على فكرة… إنتِ قولتي يوم المستشفى إن عندك خبر مهم.

قلبي دق.

قلت:

— كنت هقولك إني بفكر أغير العربية.

ضحك باستخفاف.

— هو ده الخبر المهم؟

— بالنسبة لي آه.

فضل باصصلي.

عرفت إنه مش مصدق.

وبعدها بيومين…

حصل اللي كنت خايفة منه.

رجعت البيت ولقيت درج أوراقي مفتوح.

ملف والدي متحرك.

والمكان اللي كنت مخبية فيه أوراق الميراث…

فاضي.

لكن أنا كنت نقلت الأوراق الأصلية قبلها بأيام.

وسيبت مكانها ظرف فيه ورقة واحدة.

مكتوب عليها:

“بتدور على إيه؟”

وقفت عند باب المكتب.

لقيته ماسك الورقة.

رفع عينه ناحيتي.

والمرة دي…

مبقاش فيه تمثيل.

قال:

— إنتِ ورثتي فلوس؟

قلت:

— أهو أخيرًا سألت السؤال اللي كان شاغلك.

الفصل الخامس
رمى الورقة على المكتب.

— كنتِ مخبية عليا؟

ضحكت.

— وإنت زعلان من الأسرار؟

قال بعصبية:

— إحنا متجوزين من 30 سنة!

— افتكرت.

قرب مني.

— ورثتي كام؟

ما جاوبتش.

— بسألك ورثتي كام؟

قلت:

— كفاية.

— كفاية لإيه؟

— كفاية إني ما احتاجش أبيع دهبي تاني علشان أدفع فاتورة مش فاهمة جاية منين.

وشه احمر.

— حد وصلك كلام غلط.

طلعت موبايلي.

شغلت جزء التسجيل.

صوته طلع واضح:

“ومراتك؟ دي آخر واحدة ممكن تقلقيني منها.”

سكت.

قلت:

— كمل… قول إن الصوت مش صوتك.

قعد على الكرسي.

أول دفاع وقع.

قال:

— الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.

قلت:

— الجملة المفضلة لكل واحد اتكشف.

— نهى مجرد شريكة.

— من قبل جوازنا؟

— كانت بينا علاقة وانتهت.

— إمتى؟

سكت.

قلت:

— إمتى انتهت؟

قال:

— من زمان.

— عندي طريقة أسهل. المحامي هو اللي يسأل.

رفع راسه بسرعة.

— محامي؟

— آه.

— دخلتي محامي بينا؟

قلت:

— إنت دخلت اسمي في أوراق شركة من غير ما أفهم حقيقتها، وأنا دخلت محامي. شايف مين فينا بدأ؟

وقف.

— الورق اللي مضيتي عليه قانوني.

— دي حاجة مش إنت اللي هتقررها.

بدأ يمشي في الأوضة.

— اسمعيني. الشركة فعلًا عندها مشاكل. حصلت تصرفات غلط، لكن كنت بحاول أحافظ على بيتنا.

قلت:

— بيتي أنا اترهن واتعملت له إعادة تمويل علشان “علاجك”.

— كنت محتاج الفلوس.

— للعلاج ولا للشركة؟

ما ردش.

— ولا لنهى؟

لف ناحيتي.

— ما تجيبيش سيرتها.

الجملة دي أكدتلي إن الجرح أعمق.

قلت:

— ليه؟ علشان لسه بتحبها؟

قال:

— الموضوع أعقد من كده.

— بس السؤال بسيط.

سكت طويلًا.

ثم قال:

— أنا ونهى رجعنا نتواصل من سنين.

حسيت بوخزة في صدري.

رغم كل اللي عرفته…

سماع الاعتراف كان له طعم مختلف.

قلت:

— من كام سنة؟

— حوالي تمن سنين.

تمن سنين.

تمن سنين وأنا ببات جنبه.

أعمله الأكل.

أروح معاه المستشفى.

أحسب مصاريف البيت بالجنيه.

وهو عنده حياة تانية مستخبية.

سألته:

— كانت الست اللي بتكلمها في المستشفى؟

ما ردش.

وده كان رد كفاية.

قلت:

— والمكالمة اللي سمعتها؟ كنتوا بتخططوا تاخدوا مني فلوس؟

قال بسرعة:

— أنا ماكنتش أعرف إن عندك ميراث.

— لكن كنت عايز باقي اللي عندي.

سكت.

قلت:

— عارف إيه أكتر حاجة كسرتني؟ مش نهى.

بصلي.

— إنك كنت بتضحك وإنت بتحكي إني هديك آخر جنيه معايا.

نزل عينه.

قلت:

— كنت فاكر إخلاصي غباء.

قال:

— أنا غلطت.

— لأ. الغلطة بتحصل مرة. إنما اللي بيتكرر سنين اسمه اختيار.

مسك رأسه.

 

— طب عايزة إيه دلوقتي؟

قلت:

— الحقيقة كاملة.

وبالفعل، بدأ يتكلم.

مش لأنه ندم فجأة.

لكن لأنه عرف إن جزءًا كبيرًا من الأدلة بقى بره إيده.

قال إن الشركة بدأت تتعثر من سنين.

وإن نهى دخلت معاه كشريكة.

وإنه استخدم جزءًا من الأموال اللي كنت بوفرها علشان يسد مشاكل الشركة.

قال إن بعض مصاريفه الطبية كانت حقيقية.

لكن اعترف إن كل مرة كانت تحصل أزمة مالية في الشغل، كان يخلي الوضع يبدو قدامي أسوأ مما هو عليه علشان أوافق أدفع من غير مناقشة.

قلت:

— والتوقيعات؟

قال:

— كنت هصلح كل حاجة قبل ما تعرفي.

ضحكت.

— إمتى؟ بعد ما أموت؟

— ما تقوليش كده.

— طب بعد ما أفلس؟

سكت.

قلت:

— ونهى كانت عارفة؟

قال:

— آه.

— وكانت موافقة؟

— إحنا الاتنين كنا فاكرين إن الشركة هتقف تاني.

قلت:

— وتحويل الأصول؟

بصلي بصدمة.

عرف إني وصلت لأبعد مما توقع.

قال:

— مين قالك؟

— محمود.

وشه اتبدل.

— محمود؟

— آه.

ضرب بإيده على المكتب.

— الراجل ده حرامي!

قلت:

— ممكن. وعشان كده المحامي بيتحقق من كل كلمة قالها، مش مصدقينه لمجرد إنه ضدك.

ما عرفش يرد.

وفجأة قال:

— اسمعي… إحنا نقدر نحل كل ده.

— إزاي؟

قرب مني.

— الميراث.

ابتسمت.

أخيرًا وصلنا.

قال:

— لو المبلغ كبير زي ما فهمت، نسدد الالتزامات، نقفل المشاكل، وأنا أخرج نهى من الشركة، ونبدأ من جديد.

فضلت باصة له.

حتى بعد ما اتكشف…

لسه شايف فلوسي طوق النجاة بتاعه.

قلت:

— لأ.

— فكري.

— فكرت.

— إحنا عيلة.

قلت:

— العيلة ما بتخدعش واحد فيها علشان تمول أسرارها.

— هتضيعي 30 سنة؟

قلت:

— الـ30 سنة خلصوا بالفعل. أنا بس كنت آخر واحدة تعرف.

خدت شنطتي.

وقبل ما أخرج، قال:

— لو مش هتقفي جنبي… متنسيش إن اسمك موجود في الأوراق.

وقفت.

لفيت ناحيته.

لأول مرة، سمعت التهديد اللي كان مستخبي ورا كل كلامه.

قلت:

— عارفة.

وبعدين ابتسمت.

— وعشان كده المحامي عنده نسخ من كل حاجة.

وشه شحب.

خرجت.

لكن قبل ما أوصل للعربية، موبايلي رن.

محمود.

أول مرة يتصل بدل الرسائل.

رديت.

قال:

— لازم تعرفي حاجة قبل ما جوزك يوصل لنهى.

— إيه؟

قال:

— نهى مش مستنياه ينقذ الشركة.

— يعني إيه؟

رد:

— هي باعت حصتها من أيام… وحولت جزءًا من فلوسها، واختفت من كل الاجتماعات.

سكت لحظة.

وبعدين قال:

— الخطة اللي كان فاكر إنكم الاتنين ضحاياها… واضح إنه هو كمان بقى ضحيتها.

الفصل الأخير
في اليوم التالي، جوزي حاول يتصل بنهى عشرات المرات.

ما ردتش.

بعدها اكتشف إن المكتب اللي كانت بتستخدمه اتفضى.

محاميها هو اللي بقى بيرد على أي تواصل رسمي.

لكن أنا رفضت أفرح.

لأن اختفاء نهى ماكانش معناه إن جوزي بقى بريء.

كونه اتخدع في النهاية…

ما يمسحش اللي عمله فيا.

المحامي قال لي:

— من دلوقتي مفيش مواجهة فردية، ومفيش توقيع، ومفيش تحويلات مالية. كل حاجة بالقنوات القانونية.

وافقت.

الميراث فضل منفصلًا عن حساباتنا المشتركة وفق الترتيبات القانونية اللي نصحني بيها المختصون، وما استخدمتش منه جنيهًا لسداد التزامات الشركة قبل ما تتحدد مسؤوليتي الفعلية بشكل رسمي.

وبدأت مراجعة طويلة.

التوقيعات.

الحسابات.

الفواتير.

التحويلات.

كل حاجة.

بعض الأوراق كانت تحمل توقيعي فعلًا.

لكن المحامي وثّق الظروف اللي قلت إني وقعت فيها، وطلب فحص كل مستند على حدة بدل افتراض إن كل ورقة معناها نفس الشيء.

ومحمود سلّم ما عنده بالطريق القانوني.

أما جوزي…

فبدأت حكايته تتغير.

مرة يقول إنه كان بيحميني.

ومرة يقول إنه كان بيحمي الشركة.

ومرة يقول إن نهى هي اللي ضغطت عليه.

وفي مرة قال لي:

— أنا عملت كل ده علشان مستقبلنا.

قلت:

— مستقبلي أنا ماكنش محتاج منك غير حاجة واحدة: إنك ما تكذبش عليا.

بعد شهور من الإجراءات، الصورة بقت أوضح.

كانت فيه ديون تجارية حقيقية.

وفيه قرارات مالية اتعملت من غير ما أعرف تفاصيلها.

وفيه مبالغ كنت دفعتها تحت انطباع إنها مرتبطة مباشرة بعلاجه، بينما المستندات اللي تمت مراجعتها أظهرت إن جزءًا من الصورة المالية كان مختلفًا عما قيل لي.

أما حالته الصحية…

فكانت حقيقية، لكنها مستقرة نسبيًا في فترات كتير.

المشكلة ما كانتش إنه اخترع مرضًا من الصفر.

المشكلة إنه عرف إن خوفي عليه هو أضعف نقطة عندي…

واستخدمها.

وده بالنسبة لي كان كفاية.

طلبت الانفصال.

يوم ما عرف، جه يقابلني.

كان شكله مرهق بجد المرة دي.

قعد قدامي وقال:

— بعد العمر ده كله؟

قلت:

— بعد العمر ده كله.

— وهتسيبيني وأنا في الظروف دي؟

بصيتله طويلًا.

الجملة دي زمان كانت كفاية تخليني أتراجع.

قلت:

— أنا ما سبتكش لما كنت مريض. أنا بعدت لما عرفت إنك استخدمت خوفي عليك علشان تتحكم فيا.

قال:

— أنا خسرت نهى والشركة… وهخسرك إنتِ كمان؟

قلت:

— نهى مش سبب إنك خسرتني.

— أمال إيه؟

قلت:

— اليوم اللي بصيت فيه لإخلاصي ليك واعتبرته وسيلة تسحب بيها فلوسي… هو اليوم اللي خسرتني فيه. أنا بس ماكنتش عارفة.

سكت.

وبعدين سأل السؤال اللي كنت مستنياه من البداية:

— الميراث كام؟

ضحكت.

حتى في آخر لقاء…

كان لسه عايز يعرف الرقم.

قلت:

— عارف إيه الجميل؟

— إيه؟

— إنك عمرك ما هتعرف.

قمت.

لكنه قال:

— استني.

وقفت.

قال:

— أنا آسف.

بصيتله.

يمكن كان صادق.

ويمكن كان آسف لأن الخطة وقعت.

ما بقاش يهمني.

قلت:

— أتمنى تكون آسف لنفسك كفاية إنك ما تعملش كده في حد تاني.

ومشيت.

بعد حوالي سنة…

كنت قاعدة على ترابيزة المطبخ نفسها.

الترابيزة اللي قضيت سنين فوقها بحسب:

فاتورة الكهرباء ولا الدوا؟

قسط البيت ولا تصليح العربية؟

أشتري لنفسي حاجة ولا أحوش لأزمته الجاية؟

لكن المرة دي…

قدامي ماكانش فيه فواتير.

كان فيه كتالوج سفر.

وصورة بيت صغير كنت بفكر أشتريه في مكان هادي.

وكشف حساب أنا الوحيدة اللي بقرر مصيره.

جزء من الميراث حطيته في استثمارات مدروسة بعد ما استعنت بمتخصصين.

وجزء خصصته لراحتي ومستقبلي.

ورتبت أموري بحيث يكون لأولادي وأحفادي نصيب واضح في الوقت المناسب، من غير قرارات متسرعة ولا أسرار.

والأهم…

إني لأول مرة عملت حاجة كنت نسيتها من سنين.

اشتريت لنفسي دهب.

مش كتير.

قطعة واحدة بس.

شبه القطعة اللي بعتها زمان علشان أدفع واحدة من فواتيره.

لما لبستها، فضلت أبص عليها وأضحك.

مش علشان تمنها.

لكن علشان معناها.

موبايلي نَوّر.

رسالة.

كانت من محمود:

— أتمنى تكوني بخير.

رديت:

— بقيت بخير.

وبعدها حذفت المحادثة.

مش كرهًا فيه.

لكن لأن الفصل ده كله كان لازم يتقفل.

وفي نفس الليلة، ابني جه يزورني.

وهو ماشي، وقف عند الباب وقال:

— ماما؟

— نعم؟

— إنتِ اتغيرتي.

ابتسمت.

— للأسوأ؟

ضحك.

— بالعكس… بقيتي بتفكري في نفسك شوية.

بعد ما مشي، وقفت قدام المراية.

افتكرت الست اللي كانت من سنة واقفة في ممر المستشفى ماسكة أوراق ميراثها، ومستعجلة تدخل تبشر جوزها:

“خلاص… مش هنشيل هم الفلوس تاني.”

لو رجعت للحظة دي…

مش هقول لها ما تحبيهوش.

ولا هقول لها تندم على كل سنة عاشتها.

هقول لها حاجة واحدة:

الحب مش معناه إنك تسلمي لحد مفاتيح حياتك كلها وتغمضي عينك.

وفي الآخر اكتشفت إن أكبر ميراث وصلني ماكانش الرقم المكتوب في الورق.

كان إني رجعت أملك قراري.

رجعت أقرأ قبل ما أمضي.

وأسأل قبل ما أدفع.

وأفرق بين اللي محتاج مساعدتي…

واللي محتاج يفضل مسيطر عليا.

أما جوزي؟

اضطر يواجه مشاكله المالية والقانونية بعيدًا عن ميراثي، وكل طرف اتحمل ما ثبت عليه من مسؤوليات بالطريق القانوني.

ونهى؟

ما شوفتهاش.

ولا حاولت.

هي كانت جزء من الحكاية…

لكنها ما كانتش أصلها.

لأن الوعد اللي بيني وبين جوزي كان هو المسؤول عنه، مش هي.

وبعد شهور طويلة، وصلني منه ظرف.

جواه خطاب قصير.

وفي آخره كتب:

“أكتر حاجة ندمت عليها إني افتكرت إنك كل مرة هتنقذيني.”

مسكت القلم.

كنت ممكن أرد.

لكنني ما رديتش.

قفلت الخطاب، وحطيته في الدرج.

وبصيت للقطعة الجديدة اللي في إيدي.

ثم قلت لنفسي وأنا بابتسم:

— آخر جنيه معايا؟

لأ.

آخر جنيه معايا…

هيفضل معايا أنا.

تمت

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى