جاري عبد الحميد

جاري كان بيزعق لعيالي لمدة عشر سنين… ولما مات، بنته جتلي بصندوق خلاني أترعش
أنا أم مطلقة وعندي تلات عيال.
سيف، عنده 15 سنة.
مريم، عندها 13 سنة.
ويوسف، أصغرهم، عنده 10 سنين.
من بعد طلاقي، كل اللي كنت بحاول أعمله إني أوفر لعيالي حياة هادية على قد ما أقدر.
استأجرت بيت صغير في شارع هادي، وكنت فاكرة إن أكبر مشكلة ممكن أقابلها هي الإيجار ومصاريف المدارس.
ماكنتش أعرف إن جارنا، الحاج عبد الحميد، هيبقى جزء من حياتنا لمدة عشر سنين كاملة.
بيته كان جنب بيتنا بالظبط.
راجل كبير، عايش لوحده، وبيته دايمًا نضيف ومرتب بشكل غريب.
حتى الرصيف اللي قدام البيت كان بيغسله بنفسه كل صباح.
وكان عنده كرسي خشب يحطه قدام الباب ويقعد عليه بالساعات.
ويراقب الشارع.
ويراقب عيالي أكتر.
ولو كورة وقعت ناحية بيته…
أو واحد من عيالي وقف ثواني قدام بابه…
صوته كان يهز الشارع:
— اطلعوا بره من قدام بيتي يا قليلين الأدب!
الجملة دي بقت شعاره اليومي.
في الأول كنت بقول يمكن راجل كبير وبيحب الهدوء.
لكن الموضوع زاد عن حده.
مرة سيف كان عنده حوالي عشر سنين، والكورة وقعت في حديقة بيته الصغيرة.
دخل ياخدها.
الحاج عبد الحميد خرجله وهو بيزعق:
— مين سمحلك تدخل هنا؟!
سيف رجع البيت بيعيط.
ومرة مريم كانت واقفة مع صاحبتها قدام البيت، فخرج وقال:
— مفيش وقفة هنا! روحوا العبوا بعيد!
بمرور السنين، سيف ومريم بقوا ياخدوا طريق أطول وهما رايحين المدرسة علشان ما يعدوش من قدامه.
جربت أصلح الوضع.
في عيد من الأعياد، عملت كحك وبسكويت وحطيتهم في طبق محترم.
قلت يمكن الراجل وحيد ومحتاج حد يسأل عليه.
خبطت على بابه.
فتح.
ابتسمت ومديتله الطبق:
— كل سنة وحضرتك طيب يا حاج عبد الحميد. قولت بدل ما إحنا جيران…
ما سابنيش أكمل.
بص للطبق.
وبعدين بصلي.
وقال:
— أنا مش محتاج حاجة من حد.
— دي حاجة بسيطة يا حاج…
أخد الطبق من إيدي.
افتكرت للحظة إنه قبله.
لكنه مشي ناحية صندوق الزبالة…
ورمى اللي فيه قدامي.
رجعلي الطبق فاضي وقال:
— خلي عيالك بعيد عن بيتي، وده أحسن شيء ممكن تعمليه.
دخل وقفّل الباب.
رجعت بيتي وأنا ماسكة الطبق وإيدي بتترعش من الغضب.
يومها قلت لنفسي:
خلاص.
مش هحاول تاني.
لكن الغريب إن الشخص الوحيد اللي ما استسلمش للحاج عبد الحميد كان أصغر عيالي.
يوسف.
يوسف كان مختلف.
قلبه أبيض بشكل ساعات كان يخليني أخاف عليه من الدنيا.
كل يوم الصبح وهو رايح المدرسة، يعدي من قدام الحاج عبد الحميد ويقول:
— صباح الخير يا حاج عبد الحميد!
فيرد الراجل بعصبية:
— ما تكلمنيش!
تاني يوم:
— صباح الفل يا حاج!
— امشي يا ولد!
تالت يوم:
— عامل إيه النهارده؟
— وإنت مالك؟!
كنت أقول ليوسف:
— يا ابني الراجل مش عايز حد يكلمه، سيبه في حاله.
فيرد عليا:
— بس يا ماما هو لو محدش كلمه، هيبقى لوحده.
الجملة دي فضلت في دماغي.
هيبقى لوحده.
لأن الحقيقة إننا عمرنا ما شفنا حد بيزور الحاج عبد الحميد.
لا أولاد.
لا أحفاد.
لا أصحاب.
بس أحيانًا كانت تقف عربية سودا غالية قدام بيته، وتنزل منها ست شيك جدًا.
تقعد عنده عشر دقايق أو ربع ساعة، وبعدها تمشي.
عرفت بعدين إنها بنته الوحيدة.
مرت السنين.
يوسف كبر.
لكن عادته ما اتغيرتش.
كل صباح:
— صباح الخير يا حاج عبد الحميد.
وكل صباح تقريبًا:
— امشي يا يوسف.
لحد يوم حصل شيء غريب.
يوسف رجع من المدرسة ومعاه كيس صغير.
سألته:
— إيه ده؟
قال:
— دواء للحاج عبد الحميد.
— وإنت مالك بدوا الحاج عبد الحميد؟
قال ببساطة:
— لقيته الصبح واقع قدام الباب.
قلبي وقع.
— واقع؟!
— أيوه، ساعدته يقوم، وهو قالي إنه كويس، بس لقيت ورقة الدوا وقعت منه. جبتله الدوا وأنا راجع.
اتعصبت.
— يوسف، أنا قلتلك مليون مرة ما تدخلش بيته.
بصلي وقال:
— بس كان تعبان يا ماما.
ماعرفتش أرد.
وقف قدام باب الحاج عبد الحميد وخبط.
فتحله الراجل.
يوسف مدله الكيس.
— الدوا بتاعك.
الحاج عبد الحميد بصله فترة طويلة.
كنت واقفة بعيد أراقب.
لأول مرة…
ما زعقش.
أخد الكيس وقال بصوت واطي:
— شكرًا.
يوسف رجعلي وهو مبتسم كأنه كسب بطولة.
وقال:
— سمعتي؟
— سمعت إيه؟
— قالي شكرًا!
ضحكت غصب عني.
لكن من اليوم ده، بدأت حاجات صغيرة تتغير.
الحاج عبد الحميد لسه عصبي.
ولسه يزعق لو الكورة قربت من بيته.
لكن مع يوسف تحديدًا، صوته بدأ يهدى.
مرة يوسف اتأخر وهو راجع من المدرسة.
لقيت الحاج عبد الحميد واقف قدام بيته بيبص أول الشارع.
أول ما شاف يوسف، دخل بيته.
وقتها ماخدتش بالي.
ومرة يوسف وقع من العجلة واتجرحت ركبته.
قبل ما ألحق أخرج من البيت، الحاج عبد الحميد كان واقف جنبه.
بيزعق فيه طبعًا:
— مش تفتح عينك وإنت سايق؟!
لكن في نفس الوقت كان ماسكه من كتفه وبيساعده يقوم.
ولما شافني، سابه ومشي.
كأنه اتقفش بيعمل حاجة غلط.
الأسبوع اللي فات، صحينا الصبح على عربية إسعاف واقفة قدام بيته.
مفيش دوشة.
مفيش صراخ.
بس اتنين دخلوا البيت، وبعد شوية خرجوا.
الحاج عبد الحميد مات وهو نايم.
موت طبيعي وهادئ.
يوسف لما عرف، سكت.
ما عيطش.
دخل أوضته وقفل الباب.
لقيته بعد ساعة ماسك ورقة بيرسم عليها.
كان بيرسم راجل كبير قاعد على كرسي خشب قدام بيت.
وفي الناحية التانية طفل صغير بيرفع إيده وبيقوله صباح الخير.
بصراحة؟
أنا حسيت بحاجة خجلت منها.
حسيت براحة.
قلت خلاص.
أولادي أخيرًا هيلعبوا قدام البيت من غير خوف.
محدش هيزعق.
محدش هيطردهم.
لكن وأنا بفكر كده، بصيت ناحية بيت الحاج عبد الحميد.
الكرسي الخشب كان فاضي.
ولأول مرة حسيت إن الشارع نفسه ناقصه حاجة.
تاني يوم بعد وفاته، حوالي الساعة أربعة العصر، عربية سودا وقفت قدام بيتنا.
نزلت منها الست اللي كنت بشوفها تزوره.
بنته.
كانت شيك جدًا.
لكن وشها كان مرهق وعينيها باين عليهم السهر والبكاء.
خبطت على بابي.
فتحت.
أول جملة قالتها كانت:
— إنتِ أم العيال اللي ساكنين هنا؟
طريقتها خضتني.
قلت:
— أيوه.
يوسف كان واقف ورايا.
أول ما شافته، بصتله فترة طويلة.
وقالت:
— ده يوسف؟
مسكت إيده من غير ما أحس.
— أيوه. ليه؟
رجعت للعربية.
وطلعت صندوق خشب تقيل.
دخلت وحطته على الترابيزة.
وقالت:
— أبويا ساب ده… وقال يتسلم للولد ده.
بصيت للصندوق.
وبعدين بصيتلها.
— ليوسف؟
— أيوه.
— فيه إيه؟
ردت:
— أنا نفسي ماعرفش كل اللي فيه.
وسكتت لحظة قبل ما تكمل:
— أبويا طلب مني ما افتحوش.
قلت باستغراب:
— طب ليه ابني؟
بصت ليوسف وقالت:
— هو اللي اختاره.
وبعدها لفت علشان تمشي.
ناديت عليها:
— استني… حضرتك ممكن تفهميني؟
وقفت عند الباب.
قالت من غير ما تبصلي:
— افتحي الصندوق. هتفهمي.
ومشيت.
قفلت الباب.
أنا ويوسف وقفنا قدام الصندوق.
سيف ومريم جم من أوضهم.
سيف قال:
— هو الراجل حتى بعد ما مات باعتلنا إيه؟
قلت:
— مش عارفة.
كان الصندوق قديم، لكن واضح إنه متحافظ عليه كويس.
يوسف فتح القفل الصغير.
رفعنا الغطا.
وأول حاجة ظهرت…
كانت عشرات الصور.
صور لعيالي.




