منوعات

مضيفة طيران

أحمد… لو في يوم حصلتلي حاجة، هتعمل إيه؟

بصيتلها باستغراب.

— حاجة زي إيه؟

— يعني… لو تعبت مثلًا، أو ما بقيتش أقدر أشتغل، أو حياتنا اتغيرت…

ضحكت وأنا بحاول أهزر.

— هجيبلك كرسي هزاز وأقعدك في البلكونة، وأفضل أدلعك طول اليوم.

لكنها ما ضحكتش.

بالعكس، عينيها اتملت دموع.

— بجد يا أحمد؟

حسيت إن فيه حاجة غلط.

— ندى، إنتِ بتسأليني الأسئلة دي ليه؟

هزت راسها بسرعة.

— مفيش… بس ساعات الواحد بيخاف يخسر النعمة اللي في إيده.

حضنتها.

— أنا عمري ما هسيبك يا ندى.

همست بصوت واطي:

— يا رب تفضل فاكر وعدك ده.

الكلمة دي فضلت ترن في ودني بعدها بشهور.

نرجع ليوم الرحلة…

كنت واقف في ممر الطيارة، والركاب كلهم باصين علينا.

ندى كانت ماسكة إيدي وبتترعش.

قلت بصوت عالي:

— أنا عايز أعرف مراتي عندها إيه دلوقتي!

واحدة من المضيفات قربت مننا.

— أستاذ أحمد، من فضلك اقعد… إحنا لسه ما أقلعناش، وممكن نتكلم بهدوء.

بصيتلها بعصبية.

— إنتوا عارفين حاجة عن مراتي وأنا لأ؟!

المضيفة سكتت.

ندى قالت وهي بتعيط:

— أحمد، أنا اللي طلبت منهم ما يقولولكش… هما مالهمش ذنب.

بصيتلها بصدمة.

— يعني كل الناس عارفة إلا أنا؟!

وطيت راسها.

— مش كل الناس… الكابتن ومديرة الطاقم بس.

— وليه؟!

— علشان أنا كنت خايفة.

— خايفة مني؟!

رفعت وشها بسرعة.

— لا والله! خايفة عليك!

الجملة دي وجعتني أكتر من أي حاجة.

— خايفة عليا من إيه يا ندى؟! ده أنا جوزك! إنتِ المفروض أول واحدة تيجي تحكيلي لو عندك مشكلة!

بدأت تعيط بصوت مسموع.

— أنا عارفة… وعارفة إني غلطت… بس والله ما كنت قادرة!

في اللحظة دي، الكابتن خرج من قمرة القيادة، لأن الطيارة كانت لسه واقفة في انتظار تصريح الإقلاع.

كان راجل في أواخر الخمسينات، ملامحه هادية.

قرب مننا وقال:

— أستاذ أحمد، أنا كابتن شريف… ممكن نتكلم دقيقتين؟

بصيتله بغضب.

— حضرتك إزاي تعلن حاجة شخصية عن مراتي قدام الركاب؟!

وشه اتغير.

— معاك حق، وأنا بعتذرلك. كان المفروض أستأذنها وأسيبها تقولك بنفسها. أنا افتكرت إني بعمل حاجة كويسة لما عرفت إنك موجود، لكن واضح إني غلطت.

ندى مسحت دموعها وقالت:

— يا كابتن، أنا مش زعلانة منك… بس أحمد لازم يعرف الحقيقة مني أنا.

صيتلها.

— اتفضلي… أنا سامعك.

أخدت نفس طويل.

— أحمد… فاكر من ست شهور لما قلتلك إني رايحة أكشف علشان عندي إرهاق؟

— أيوه.

— يومها الدكتور طلب مني تحاليل وأشعة.

— وإيه اللي ظهر؟

سكتت لحظة.

— ظهر إن عندي ورم.

حسيت إن وداني بطلت تسمع.

— ورم؟!

هزت راسها.

— في المبيض يا أحمد.

مسكت ضهر الكرسي اللي جنبي علشان ما أقعش.

— ورم إيه؟! حميد؟

ندى بصتلي بعيون مكسورة.

— للأسف… طلع خبيث.

اتجمدت.

كل الأصوات اللي حواليا اختفت.

ما بقيتش شايف غير وش ندى.

مراتي.

حبيبتي.

الست اللي كنت فاكر إننا هنكبر مع بعض، ونفضل نتخانق على الريموت وإحنا عندنا سبعين سنة.

الست اللي كنت بحوش علشان أجيبلها بيت صغير على البحر لما نطلع معاش.

كانت واقفة قدامي بتقولي إنها عندها سرطان.

وأنا آخر واحد يعرف!

— من إمتى يا ندى؟!

— من حوالي ست شهور.

— ست شهور؟!

صوتي علي غصب عني.

— ست شهور وإنتِ بتروحي مستشفيات وأنا معرفش؟! ست شهور وإنتِ بتتعبي وأنا فاكر إنك مرهقة من الشغل؟!

انهارت في العياط.

— سامحني يا أحمد!

مسكت كتافها.

— كنتِ بتتعالجي فين؟! ومين كان معاكي؟!

— صاحبتي داليا… كانت بتروح معايا.

— وداليا عارفة؟!

— أيوه.

رجعت خطوة لورا.

— يعني صاحبتك عارفة، والكابتن عارف، وأنا جوزك معرفش؟!

قالت بصوت مكسور:

— أنا كنت مستنية الوقت المناسب.

ضحكت ضحكة كلها قهر.

— الوقت المناسب؟! هو فيه وقت مناسب علشان أعرف إن مراتي بتواجه مرض زي ده لوحدها؟!

ندى حطت إيديها على وشها.

— أنا كنت خايفة أقولك فتسيب شغلك وحياتك وتفضل قاعد جنبي طول الوقت… كنت عايزاك تعيش طبيعي.

— وأنا كنت عايز أعيش معاكي يا ندى… مش أعيش طبيعي وإنتِ بتتعذبي بعيد عني!

الكابتن شريف قرب وقال بهدوء:

— أستاذ أحمد، المرض اتكشف بدري نسبيًا، وندى بدأت العلاج فعلًا.

بصيتله بسرعة.

— علاج إيه؟!

ندى ردت:

— أخدت جلسات علاج، والدكاترة شايفين إن فيه أمل كبير.

— طب وإيه حكاية آخر رحلة؟!

مسحت دموعها.

— الدكتور قال لازم أوقف طيران وأركز في العلاج… وأنا قدمت استقالتي.

سكت لحظة.

وبعدين سألتها:

— وليه ما قلتيليش؟

بصتلي وقالت جملة كسرتني:

— علشان كنت خايفة لما تعرف إني ممكن ما أخلفش أبدًا… تندم إنك اتجوزتني.

حسيت إن حد ضربني في صدري.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى