قصص وروايات

ابناء اختي

لكن السؤال ما استمرش كتير…
لأنها رجعت.
في يوم عادي جدًا، كنت واقف في المطبخ بجهز الفطار، لما الجرس رن.
فتحت الباب…
واتجمدت مكاني.
ليلى.
واقفة قدامي حية. أضعف شوية… أكبر شوية… لكن هي.
وللحظة… حسيت إن الزمن رجع بيا سبع سنين لورا.
لكن اللي كسر اللحظة صوت “آدم” الصغير وهو خارج من الأوضة: “خالو؟ مين اللي على الباب؟”
عين ليلى دمعت أول ما شافته. مدت إيديها ناحيته وهي بتترعش: “آدم…”
لكن الولد استخبى ورا ضهري فورًا.
وأول مرة شوفت الوجع الحقيقي في عينيها.
دخلت البيت بعدها. والعيال اتجمعوا في الصالة، يبصوا عليها كأنهم شايفين شبح.
بعضهم ماعرفهاش أصلًا… الصغيرين كانوا أطفال وقت ما اختفت.
ليلى فضلت تعيط وهي تبصلهم واحد واحد: “وحشتوني… والله العظيم وحشتوني.”
لكن محدش اتحرك.
لحد ما “سارة” قالت ببرود: “إنتِ سيبتينا.”
الكلمة نزلت عليها كالقلم.
قعدت ليلى على الكنبة منهارة: “أنا غلطت… عارفة إني غلطت… بس كنت تايهة… كنت مكسورة.”
وبصّتلي: “أنا رجعت عشان أعوضهم.”
ضحكت بصدمة: “بعد سبع سنين؟!ى”
قالت بسرعة: “أنا دلوقتي مستقرة… والراجل اللي كنت معاه سابني من سنتين… وأنا عايزة ولادي.”
الجملة ضربتني في صدري.
ولادي.
بعد كل اللي حصل… رجعت تفتكر إنهم ولادها فجأة.
مريم قامت وقفت بعصبية: “إحنا مش لعبة يا ماما!”
ليلى بصتلها بدموع: “إنتِ فاهمة إني كنت بموت كل يوم من غيركم؟”
صرخت مريم: “وإحنا؟! إحنا كنا بنموت كل يوم وإنتِ عايشة حياتك!”

4
ابناء اختي

الصالة كلها اتمَلّت عياط وصراخ.
أما أنا… فكنت واقف ساكت. لأول مرة مش عارف أصلح حاجة.
بعدها بأسبوع… وصلني إنذار رسمي من المحكمة.
ليلى رفعت قضية حضانة.
كانت عايزة تسترد العيال.
يوم ما عرفوا… البيت كله انهار.
“ملك” الصغيرة فضلت تعيط وتقول: “إحنا مش هنسيب خالو!”
أما آدم… ففضل ماسك في هدومي طول اليوم كأنه خايف أصحى ألاقيهم اختفوا.
حتى مريم… البنت القوية اللي شالت البيت سنين… قعدت في أوضتها تبكي لأول مرة من زمان.
وفي أول جلسة… القاضي طلب يسمع رأي الأطفال.
ليلى دخلت المحكمة متوترة، لابسة شيك، وحاطة أملها كله إنهم يجروا عليها أول ما يشوفوها.
لكن اللي حصل… كان أقسى من أي حكم.
أول واحد اتسأل كان “يوسف”، عنده ١٣ سنة.
القاضي سأله بهدوء: “تحب تعيش مع مين يا يوسف؟”
يوسف بص لأمه ثواني… ثم بصلي أنا.
وقال بدون تردد: “خالو.”
وشي ليلى اتهز.
بعده بنت… ثم ولد… ثم اللي بعده.
كلهم اختاروني.
كل طفل فيهم كان بيقول نفس المعنى بطريقته: “هو اللي ربانا.” “هو اللي كان معانا.” “إحنا منعرفش غيره.”
لحد ما جه دور مريم.
القاضي سألها: “وإنتِ يا مريم؟”
مريم وقفت… وبصت لأمها طويل.
دموع ليلى كانت بتنزل في صمت.
لكن مريم قالت بصوت ثابت: “أنا سامحتها كأمي…”
وسكتت لحظة.
“بس أبويا الحقيقي… هو خالو.”
في اللحظة دي… ليلى انهارت تمامًا.
لأنها فهمت الحقيقة أخيرًا.
إن الأمومة مش بس ولادة…
الأمومة إنك تفضل. وهي… اختارت تمشي.
بعد شهور من الجلسات والتحقيقات، القضية وصلت لآخر حكم.
المحكمة طلبت تقارير من الأخصائيين النفسيين، والمدارس، وحتى الجيران. وكل التقارير كانت بتقول نفس الحاجة:
الأطفال مرتبطين بيا أنا. وبيعتبروني مصدر الأمان الوحيد في حياتهم.
أما ليلى… فرغم ندمها الحقيقي، كانت غريبة عنهم. سبع سنين كاملين ماكانتش موجودة في أي لحظة مهمة: لا مرض… لا مدرسة… لا خوف… ولا حتى حضن.
وفي آخر جلسة، القاضي طلب يشوف الأطفال للمرة الأخيرة قبل النطق بالحكم.
دخلوا العشرة قاعدين جنب بعض… كأنهم جيش صغير متماسك.
ليلى كانت قاعدة تبكي من أول الجلسة. واضح إنها بدأت تستوعب إن الحب لوحده مش كفاية يصلّح سبع سنين غياب.
القاضي بص للأطفال وقال بهدوء: “محدش هيجبركم على حاجة… كل واحد يقول هو حابب يعيش مع مين.”

5
ابناء اختي

الصمت نزل على القاعة.
لحد ما “آدم” الصغير قام من مكانه فجأة… وجري ناحيتي.
اتعلق في إيدي وقال وهو بيعيط: “أنا مش هسيب خالو.”
الكلمة كسرت الباقيين.
“ملك” حضنت دراعي. يوسف وقف جنبي. وسارة راحت وقفت ورا الكرسي بتاعي.
أما مريم… فكانت آخر واحدة تتحرك.
بصت لأمها بعين مليانة دموع، وقالت: “إنتِ أمنا… وعمري ما هكرهك.”
ليلى شهقت من العياط.
لكن مريم كملت: “بس البيت الحقيقي… هو هنا.”
وساعتها، كل إخواتها راحوا وقفوا جنبها… وجنبي.
القاضي بص للمشهد طويل… ثم قفل الملف قدامه بهدوء.
وبعد أسبوع، صدر الحكم النهائي: استمرار الحضانة مع خالهم.
ليلى خرجت من المحكمة مكسورة… لكن قبل ما تمشي، وقفت قدامي وقالت بصوت ضعيف: “خلي بالك منهم.”
بصيتلها ثواني… ثم هزيت راسي: “دول عيوني.”
ولأول مرة من سبع سنين… هي ماجادلتش.
عدّى وقت بعدها.
ليلى بدأت تزورهم كل فترة، بهدوء ومن غير وعود كبيرة. كانت بتحاول تبني معاهم علاقة جديدة… مش كأم رجعت تاخدهم، لكن كإنسانة بتحاول تصلح اللي فاتها.
أما البيت… فرجع فيه دوشة من تاني.
خناق على الحمام الصبح. صويت على الريموت. وضغط عصير واقع على الكنبة كل يوم تقريبًا.
وفي وسط كل الفوضى دي…
كنت أوقات أبصلهم وهم متجمعين حوالين السفرة، وأفتكر اليوم اللي خفت فيه يضيعوا مني.
لكنهم ما ضاعوش.
يمكن الدم بيعمل عيلة…
لكن اللي بيخلي الناس تفضل مع بعض بجد، هو اللي بيقف وقت الانهيار… ويختار يفضل موجود مهما حصل.
النهاية
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى