وجع من نوع خاص حكايات الكاتبه اسما السيد 1

فتحت باب عِشة الفراخ، فلقيت مرات ابني قاعدة على الأرض، هدومها مليانة تراب، وبتاكل حبوب ذرة ناشفة من شدة الجوع، لأنها بقالها حوالي أسبوعين ماكلتش وجبة كاملة. بصيت لابني وأنا مش مصدقة اللي شايفاه، لكنه قال بمنتهى البرود:
— هي اللي عملت في نفسها كده… وتستاهل.
ما صرختش، وما دخلتش معاه في خناقة.
صورت كل حاجة، وخدتها المستشفى، وطلبت تقرير طبي رسمي، وبعدها كلمت محامي.
لكن لما الدكتور كشف عليها وشاف الآثار اللي في جسمها…
اكتشف حاجة قلبت القضية كلها.
الجزء الأول
— الست دي ما تستاهلش حتى تقعد على سفرتي!
دي كانت أول جملة أسمعها من ابني بعد 8 سنين ما شفتوش فيهم.
أنا ست عندي ستين سنة، وكنت راجعة من الغربة بعد سنين طويلة.
كنت فاكرة إن أصعب حاجة هواجهها لما أرجع هي ذكريات جوزي الله يرحمه، والبيت اللي عشنا وربينا فيه ابننا الوحيد.
لكن طلعت غلطانة.
لأن أصعب حاجة كانت مستنياني ورا البيت…
جوه عِشّ الفراخ.
رجعت من غير ما أقول لحد.
كنت عايزة أفاجئ ابني، وأشوف البيت والأرض اللي قضينا فيها أحلى سنين عمرنا.
لكن أول ما العربية نزلتني قدام البوابة، قلبي اتقبض.
الدهان واقع.
الزرع ناشف.
الحظاير شبه فاضية.
ومفيش عامل واحد في المكان.
وأنا داخلة سمعت صوت خبطة قوية جاية من ورا البيت.
لفيت من الناحية التانية…
وشوفت ابني واقف قدام عِشّ الفراخ.
لابس هدوم غالية، وجزمة جديدة، وساعة واضحة إنها تمنها مش قليل.
خبط برجله في الباب وهو بيزعق:
— قولتلك تخلصي قبل المغرب! لو مخلصتيش، هتباتي جوا لحد الصبح!
جالي صوت ست من الداخل.
صوت ضعيف جدًا.
— خلاص… قربت أخلص.
اتجمدت.
قلت:
— مين اللي جوه؟
ابني لف ناحيتي.
أول ما شافني، وشه اتخطف.
لكن بسرعة رسم ابتسامة مصطنعة وقال:
— أمي؟! إنتِ رجعتي إمتى؟
قلت:
— سألتك مين جوه؟
اتردد لحظة.
— مراتي… بتنضف المكان.
قربت من الباب.
وقف قدامي.
— أمي، بلاش تعملي مشكلة من مفيش.
بصيتله وقلت:
— ابعد.
— اسمعيني بس…
— قولت ابعد.
زقيت إيده وفتحت المزلاج.
ولما الباب اتفتح…
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
مرات ابني كانت قاعدة على التراب.
حواليها ريش وأكل فراخ مبلول.
هدومها متقطعة ومتسخة.
شعرها منكوش.
وعلى دراعها وكذا مكان في جسمها كدمات واضحة.
لكن أكتر حاجة وجعت قلبي…
كانت إيدها.
كان فيها شوية حبوب ذرة ناشفة.
رفعت إيدها لبقها…
وأكلتهم.
قلت وأنا مش مصدقة:
— يا بنتي… إنتِ بتاكلي أكل الفراخ؟!
رفعت عينيها ليا.
ولما عرفتني، همست:
— طنط…
حاولت تقوم.
لكن رجليها خانتها ووقعت تاني.
جريت عليها وسندتها.
— إنتِ بقالك قد إيه هنا؟
بصت ناحية جوزها بسرعة.
الخوف كان واضح في عينيها.
وقالت:
— أنا كويسة.
ابني ضحك من ورايا.
— شوفتِ؟ هي أصلًا بتحب تعيش دور الضحية.
لفيت ناحيته.
وفي اللحظة دي عيني وقعت على رسغها.
كان حواليه أثر غامق…
كأنه علامة حبل أو حاجة كانت مربوطة حوالين إيدها فترة طويلة.
مسكت إيدها برفق.
وقلت:
— إنتِ جاية معايا.
جسمها كله بدأ يرتعش.
— مقدرش.
— تقدري.
فجأة ابني مسكني من دراعي.
— دي مراتي… ما تدخليش بينا.
بصيت في عينيه.
دورت جواه على الطفل اللي ربيته.
الولد اللي كنت بعلمه إن الست أمانة، وإن الظلم حرام، وإن الرجولة مش قوة على الضعيف.
لكن ما لقيتوش.
نزعت دراعي من إيده وقلت:
— مراتك مش ملكك. وربنا ما أمركش تهينها ولا تجوعها ولا تأذيها. المفروض تكون أمان ليها، مش سبب خوفها.
سندتها لحد العربية.
وأنا بركبها، ابني فضل يزعق:
— لو خدتيها من هنا، إنتِ اللي هتهدي البيت!
بصيتله وقلت:
— البيت اللي قائم على الظلم مفيهوش بركة.
وركبت ومشيت.
بعد حوالي عشرين دقيقة، وقفت عند مطعم صغير.
طلبتلها شوربة فراخ وأكل بسيط.
أول ما الطبق اتحط قدامها…
بدأت تاكل بسرعة تخوف.
قلت:
— بالراحة يا بنتي.
وقفت المعلقة في إيدها.
وبدأت تعيط.
سألتها:
— آخر مرة كلتي فيها وجبة كاملة كانت إمتى؟
سكتت.
قلت:
— قولي الحقيقة.
همست:
— من حوالي أسبوعين.
حسيت قلبي بيتقطع.
— وأهلك؟ أمك وأبوكي فين؟
قالت:
— جوزي بيقول إنهم مش عايزين يعرفوا عني حاجة.
سألتها:
— آخر مرة كلمتي والدتك إمتى؟
قالت:
— من ست سنين.
هنا بدأت أفهم إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد خلاف بين زوج وزوجته.
طلعت موبايلي.
كلمت المستشفى.
وبعدها اتصلت بمحامي أعرفه وقلتله:
— محتاجاك في موضوع ضروري… ومحتاج أعرف كل خطوة قانونية لازم نعملها علشان نحمي واحدة ممكن تكون حياتها في خطر.
بعد ساعات، كانت مرات ابني في المستشفى.
الدكتور وثّق الكدمات.
وسوء التغذية.
وإصابات قديمة.
وكسرين في الضلوع كانوا التأموا بطريقة غلط.
وأنا واقفة بره الأوضة، موبايلي رن.
ابني.
رديت.
قال:
— أمي… قوليلي إنك مش بتعملي اللي في دماغي.
قلت:
— بعمل الحاجة اللي كان المفروض أعملها من زمان.
سكت شوية.
وبعدين صوته اتغير.
وقال:
— لو بلغتي عني… هي كمان هتخسر كل حاجة.
قلت:
— بتتكلم عن إيه؟
ضحك ضحكة قصيرة وقال:
— اسأليها عن الورق اللي مضيتها عليه.
وقفل.
دخلت الأوضة.
كانت نايمة تحت البطانية.
والمحامي واقف جنب الدكتور، ماسك التقرير الطبي ووشه متغير.
قرب مني وقال بصوت واطي:
— التقرير ده مش المشكلة الوحيدة.
قلت:
— فيه إيه؟
بص ناحية مرات ابني، وبعدين قال:
— فيه آثار وإصابات أقدم بكتير مما كنا متوقعين… وفيه حاجة لازم نبلغ عنها فورًا.
وقتها فهمت إن اللي شوفته في عِشّ الفراخ…
ماكنش بداية الحكاية.
كان آخر فصل في ست سنين من الأسرار.
والأخطر…
إن ابني كان واثق إني أول ما أعرف الحقيقة كاملة، مش هقدر أبلغ عنه…سيبوا لايك ❤️ وكومنت 💬 واكتبولي توقعاتكم إيه هو السر، وهرد عليكم في التعليقات 👇
فضلت واقفة مكاني قدام الدكتور، وأنا حاسة إن جملة ابني لسه بتلف في دماغي:
— اسأليها عن الورق اللي مضيتها عليه.
بصيت للمحامي وقلت:
— قبل ما تقولي أي حاجة… الدكتور اكتشف إيه؟
الدكتور سحب نفس طويل، وقفل باب الأوضة.
— الإصابات اللي عندها مش كلها حديثة. فيه آثار إصابات متكررة على مدار سنين… وفيه ندبات حوالين الرسغين والكاحلين، بالشكل اللي يخلينا نشك إنها كانت بتتربط لفترات طويلة.
حسيت إيدي بردت.
قلت:
— يعني ابني كان حابسها؟
المحامي رد:
— إحنا مش هنسبق التحقيق، لكن التقرير الطبي لازم يتوثق رسمي، وهي لازم تحكي بنفسها.
الدكتور كمل:
— وفيه حاجة تانية.
بصيتله.
— إيه؟
قال بهدوء:
— واضح إنها تعرضت لفقد حمل أكتر من مرة… وفي إصابة قديمة جدًا في منطقة البطن محتاجة فحوصات إضافية.
حطيت إيدي على الحيطة علشان ما أقعش.
أنا كنت فاكرة إن أسوأ حاجة شفتها هي بنت بتاكل حبوب ذرة من الجوع.
لكن الظاهر إن الجوع كان أرحم حاجة عدت عليها.
دخلنا عندها.
كانت صاحيه، وباصّة للسقف.
قعدت جنبها ومسكت إيدها.
— يا بنتي… أنا عايزاكي تقولي الحقيقة. مهما كانت.
دموعها نزلت من غير صوت.
المحامي قال:
— مفيش حد هيجبرك تتكلمي دلوقتي. لكن فيه حاجة جوزك قالها لوالدته… قال إنك مضيتي ورق.
جسمها كله اتشد.
بصتلي بسرعة.
وقتها عرفت إن ابني ماكانش بيهدد وخلاص.
هو كان عارف بالضبط بيضغط على أنهي جرح.
قلت:
— ورق إيه؟
هزت راسها.
— مقدرش.
— ليه؟
— علشان لو اتكلمت… أهلي ممكن يضيعوا.
اتصدمت.
— أهلك؟ ما إنتِ قولتي إنك ما كلمتيهمش من ست سنين!
غطت وشها بإيديها.
— أنا كنت فاكرة إنهم مش عايزيني.
— يعني إيه؟
بدأت تحكي.
من ست سنين، بعد جوازها من ابني بشهور، حصل خلاف بينها وبين أمها.
ابني استغل الخلاف.
قال لها إن أهلها شايفين إنها جابت لهم العار، وإن أبوها حلف ما تدخل بيتهم تاني.
وبعدها غير رقم تليفونها.
وقفل حساباتها.
وكان كل مرة تقول له عايزة تكلمهم، يجيب لها رسالة مطبوعة أو تسجيل صوتي قصير ويقول:
— شوفي… هما مش عايزينك.
المحامي سألها:
— سمعتي صوت والدتك بنفسك؟
سكتت.
وبعدين قالت:
— لا.
— والدك؟
— لا.
بصيت للمحامي.
قال:
— يبقى احتمال كبير كل ده كان مفبرك.
لكنها بدأت ترتجف.
— لأ… فيه حاجة أكبر.
قربت منها.
قالت:
— من حوالي خمس سنين، جوزي جابلي ورق كتير وقال إنه إجراءات تخص الأرض والبيت… وقال إن فيه أملاك والده الله يرحمه لازم تتنقل باسمه.
اتجمدت.
جوزي؟
أملاك جوزي؟
أنا كنت بره البلد وقتها، لكن الأرض والبيت القديم وجزء كبير من المزرعة كانوا لسه مسجلين باسم جوزي المتوفى، وإجراءات الميراث ماكنتش اتقفلت بالكامل.
قلت:
— وإنتِ مضيتي؟
بدأت تعيط.
— في الأول رفضت.
— وبعدين؟
بصت بعيد.
— قفل عليّا الباب يومين… ومنع عني الأكل والمية ساعات طويلة… وفي الآخر مضيت.
المحامي قرب.
— فاكرة كان مكتوب إيه؟
— لأ. ما خلانيش أقرا.
سألها:
— مضيتي كام ورقة؟
— كتير… يمكن عشرين.
المحامي بصلي وقال:
— لازم نراجع الشهر العقاري والبنوك وأي توكيلات اتعملت باسمها.
قلت:
— بس هي مالها بأملاكنا؟
رد:
— ممكن تكون استخدمت كطرف في نقل ملكية، أو ضامن، أو اتعملت توكيلات باسمها.
وفجأة مرات ابني قالت:
— فيه خزنة.
لفينا كلنا ناحيتها.
قلت:
— خزنة فين؟
— تحت السلم في البيت. هو فاكر إني ماعرفش الرقم… بس أنا شوفته مرة وهو بيفتحها.
المحامي قال فورًا:
— محدش يروح يفتح أي حاجة بنفسه. لو فيه بلاغ وتحقيق، لازم كل خطوة تتعمل قانوني علشان الأدلة ما تتطعنش.
هزيت راسي.
لكن قبل ما نكمل…
موبايلي رن.
رقم غريب.
رديت.
— ألو؟
جالي صوت ست كبيرة.
— حضرتك والدة أحمد؟
قلبي دق.
— أيوه… مين؟
سكتت ثانيتين.
وبعدين قالت:
— أنا أم سمر.
بصيت فورًا لمرات ابني.
سمر.
دي كانت أول مرة أعرف اسمها كامل من وقت ما رجعت.
قلت:
— حضرتك أمها؟
صوت الست انهار.
— بنتي عندك؟!
رفعت سمر راسها.
أول ما سمعت الصوت من السماعة…
شهقت.
صرخت:
— ماما؟!
الست على الناحية التانية بدأت تعيط.
— سمر؟! يا بنتي؟! إنتِ عايشة؟!
وقتها حسيت الدنيا بتلف بيا.
قلت:
— عايشة؟ يعني إيه عايشة؟
أمها قالت جملة خلت كل الموجودين في الأوضة يسكتوا:
— جوزها قال لنا من خمس سنين إنها ماتت.
سمر حطت إيدها على بقها.
وأنا حسيت إن قلبي وقف.
قلت:
— ابني قال لكم إيه بالضبط؟
قالت:
— قال إنهم سافروا… وإن حصلت حادثة… وإن بنتي ماتت، وإنه دفنها هناك لأنها كانت حالتها صعبة ومفيش إمكانية لنقلها.
سمر بدأت تصرخ:
— لأ! لأ! أنا كنت هنا! أنا كنت طول الوقت هنا!
أمها كانت بتبكي:
— وإحنا عملنالها عزاء يا ست هانم… إحنا عملنا عزاء لبنتنا وهي عايشة!
المحامي أخد التليفون مني وسألها:
— حضرتك عندك أي رسائل أو مستندات أو شهادة وفاة أو أي حاجة زوجها بعتهالكم؟
قالت:
— عندي كل حاجة.
وسكتت لحظة.
ثم أضافت:
— وعندي ورقة أهم.
— ورقة إيه؟
قالت:
— قبل ما يقول إن بنتي ماتت بأسبوع… وصل لأبوها عقد بيع.
سأل المحامي:
— بيع إيه؟
قالت:
— بيتنا وأرضنا.
سمر شهقت.
وأمها أكملت:
— والعقد عليه توقيع بنتي.
سمر صرخت:
— أنا عمري ما بعت بيت أبويا!
المحامي بصلي.
وفي اللحظة دي فهمت.
ابني ماكانش عازل مراته عن أهلها علشان خلاف عائلي.
كان محتاج كل طرف يصدق إن الطرف التاني اختفى.
أهلها يفتكروها ماتت.
وهي تفتكر إنهم تبروا منها.
وفي النص…
كان فيه توقيعات.
وأراضي.
وفلوس.
لكن المفاجأة الأكبر حصلت بعدها بدقايق.
الدكتور رجع ومعاه نتيجة الأشعة.
وقف عند باب الأوضة، وبص لسمر.
وقال:
— فيه إصابة قديمة محتاج أسألك عنها.
سمر مسحت دموعها.
— إيه؟
قال:
— حصل لك حادث من حوالي خمس سنين؟
وشها اتغير.
بصت لابنها… لا، ماكانش موجود.
بصت ليا أنا.
وقالت:
— هو قال لي إني وقعت من السلم.
الدكتور هز راسه.
— الإصابة اللي عندك مش متوافقة بسهولة مع مجرد وقعة عادية.
المحامي سأله:
— تقصد إيه؟
الدكتور رد:
— فيه آثار إصابة قوية جدًا في الرأس حصلت تقريبًا في نفس الفترة.
سمر بدأت تتنفس بسرعة.
وقالت:
— أنا… أنا مش فاكرة شهر كامل من حياتي وقتها.
قلت:
— إزاي؟
قالت:
— صحيت مرة في البيت… وهو قالي إني وقعت واتعالجت، وإن أهلي رفضوا حتى يزوروني.
المحامي سأل:
— والمستشفى اللي اتعالجتي فيها؟
سكتت.
— معرفش.
هنا قال المحامي:
— إحنا لازم نعرف إيه اللي حصل في الشهر ده بالذات.
لأن الشهر اللي سمر مش فاكراه…
هو نفسه الشهر اللي أهلها استلموا فيه خبر وفاتها.
وهو نفسه الشهر اللي ظهرت فيه عقود بيع بتوقيعها.
وقبل ما حد يتكلم…
وصلت رسالة على موبايلي من ابني.
فتحتها.
كانت صورة قديمة.
صورة سمر نايمة على سرير، ورأسها ملفوف بالشاش.
وتحت الصورة كتب:
“قبل ما تكملي اللي بتعمليه… اسأليها مين كان معاها ليلة الحادث.”
بصيت لسمر.
لكن أول ما شافت الصورة…
وشها بقى أبيض.
وهمست:
— أنا افتكرت.
قلت:
— افتكرتي إيه؟
بصتلي والدموع في عينيها.
وقالت:
— اللي ضربني الليلة دي… ماكانش جوزي.
يتبع…
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”






