وجع من نوع اخر حكايات اسما السيد 5

حسيت إن الأوضة بتلف بيا. بصيت لسمر وأنا مش قادرة أنطق. — أنا؟ سمر كانت بتعيط. — أنا مش بقول إن حضرتك قتلتيه… أنا بقول اللي افتكرته. قلت: — بس أنا كنت بره مصر! المحامي رفع إيده. — محدش يستنتج حاجة دلوقتي. الذاكرة بعد الصدمات ممكن تخلط بين أشخاص وأوقات وتفاصيل. اللي يهمنا الأدلة.
لكن سمر كانت مصرة.
— أنا شفتها.
قربت منها.
— بصيلي كويس يا سمر.
بصت في وشي.
قلت:
— الست اللي شوفتيها كانت أنا؟
سكتت.
وبعدين قالت:
— نفس وشك.
الجملة دي خلت محمود يرفع راسه فجأة.
— قالت “نفس وشك”… ما قالتش إنتِ.
بصيتله.
— تقصد إيه؟
محمود ما ردش فورًا.
لكن وشه اتغير.
قلت:
— محمود؟
قال:
— فيه حاجة عمري ما حكيتها لأحمد.
— إيه؟
— ولا حتى نوال كانت بتحب نتكلم عنها.
قلبي بدأ يدق.
— قول.
محمود قال:
— أمك الله يرحمها… ولدت توأم.
ضحكت من الصدمة.
— إنت اتجننت؟
— اسمعيني.
— أنا وحيدة!
— إنتِ اتربيتي وحيدة.
سكت المكان.
قلت:
— يعني إيه؟
قال:
— كان ليكي أخت توأم.
رجعت خطوة.
— اسمها إيه؟
محمود قال:
— هناء.
الاسم دخل ودني كأنه اسم سمعته قبل كده.
بعيد جدًا.
من طفولتي.
ستات كبار بيتهامسوا.
أمي بتقفل باب الأوضة.
أبويا بيقول:
“الموضوع ده مات.”
قلت:
— ماتت وهي صغيرة.
محمود هز راسه.
— ده اللي اتقال لك.
— وإنت عرفت منين؟
— أبوكي حكالي قبل ما يموت.
قعدت.
رجلي ما بقتش شايلاني.
— ليه؟
— كان خايف السر يطلع بعد وفاته.
— سر إيه؟
محمود أخد نفس طويل.
— هناء ما ماتتش.
وأنا عندي حوالي أربع سنين، حصل خلاف كبير بين أبويا وأحد أقاربه.
هناء كانت طفلة مريضة، واحتاجت رعاية لفترة طويلة.
قريبة لأمي أخدتها تعيش معاها فترة.
وبعد مشاكل عائلية كبيرة، العلاقة انقطعت.
أمي قالتلي إن أختي ماتت.
وأبويا…
وافق يعيش بالكذبة.
قلت:
— ليه؟
محمود رد:
— دي النقطة اللي أبوكي عمره ما شرحها بالكامل. كل اللي قاله إن هناء كبرت بعيد عنكم، وإنها عارفة بوجودك.
قلت:
— وأنا ليه معرفتش؟
محمود بص للأرض.
— لأن أبوكي طلب مني ما أقولكيش إلا لو هي ظهرت.
صرخت:
— وإنت وافقت تخبي عني حاجة زي دي؟!
— غلطت.
— سبع سنين وأنا فاكرة إنك ميت، ودلوقتي أعرف إن عندي أخت عايشة كمان؟!
المحامي تدخل:
— إحنا محتاجين دليل على وجودها قبل ما نبني أي شيء على الكلام ده.
محمود قال:
— عندي صورة.
طلع محفظته.
فتح جزء صغير فيها.
وسحب صورة قديمة.
ست واقفة قدام محل.
أول ما شفتها…
قلبي وقف.
أنا.
نفس العينين.
نفس الأنف.
نفس شكل الفم.
لكن الشعر أقصر.
وفي حاجبها الشمال علامة صغيرة.
قلت:
— دي مش أنا.
محمود قال:
— هناء.
سمر شهقت.
— هي دي!
لفينا ناحيتها.
— متأكدة؟
— هي اللي كانت في المخزن!
المحامي سأل:
— وهي اللي قالتلك تمسكي السكينة؟
سمر حطت إيدها على رأسها.
— أيوه… أعتقد أيوه.
قلت:
— يعني هناء كانت تعرف أحمد؟
محمود رد:
— للأسف… أيوه.
— من إمتى؟
— من قبل الحادث.
الحكاية بدأت تتجمع.
سامح كان محتاج شخص يقدر يستخدمه في بعض الإجراءات من غير ما يظهر اسمي الحقيقي.
ولما عرف بوجود هناء…
فهم قيمة الشبه بيننا.
لكن المحامي وقف محمود.
— الشبه وحده ما يخليش شخص ينتحل هوية حد قانونيًا بسهولة. لازم مستندات، وتوقيعات، وربما متعاونين.
محمود قال:
— وكان عندهم ده كله.
سألته:
— مين “هم”؟
— سامح ونوال.
سمر قالت:
— وأحمد؟
محمود سكت.
قلت:
— جاوب.
— أحمد عرف بعدين.
— وبعدين شاركهم؟
— في الأول استغل الموضوع علشان الفلوس… وبعدها بقى جزء منه.
حسيت إني كل ما أحاول ألاقي عذر لابني، ألاقي باب جديد مقفول في وشي.
المحامي سأل:
— سامح فين دلوقتي رسميًا؟
محمود قال:
— بحسب اللي أعرفه، اختفى من ست سنين.
سمر همست:
— يعني ممكن يكون الراجل اللي شوفته مات؟
— ممكن. لكن لازم نتحقق.
بعد مراجعة البلاغات القديمة، ظهر شيء غريب.
سامح لم يكن مسجلًا كمتوفى.
كان فيه بلاغ تغيب قديم اتعمل باسمه…
واتقفل بعد شهور لما وصل إفادة إنه غادر البلد.
المحامي قال:
— يبقى كلام أحمد عن “جثة سامح” ممكن يكون تهديد أو تضليل.
لكن محمود قال:
— أو حد خرج من البلد باسمه.
بصيتله.
— تقصد إيه؟
— لو كانوا قادرين يزوروا توكيلات ومستندات… ما نقدرش نفترض أي حاجة.
وفي اللحظة دي، أم سمر قالت:
— أنا عندي حاجة.
فتحت شنطتها.
طلعت موبايل قديم جدًا.
— ده كان تليفون بنتي قبل جوازها.
سمر اتصدمت.
— لسه عندك؟
— أبوكي عمره ما قدر يرميه.
المحامي سأل:
— اتفتح من وقت اختفائها؟
— لأ.
سمر قالت:
— الرقم السري ممكن يكون تاريخ ميلاد ماما.
جربناه.
فتح.
كانت فيه صور قديمة ورسائل.
لكن آخر رسالة موجودة شدت انتباه المحامي.
مرسلة قبل اختفاء سمر بيوم.
من رقم غير محفوظ.
نصها:
“بكرة الساعة 8. هاتي نسخة العقد وتعالي المخزن. لو عايزة تعرفي أحمد اتجوزك ليه، تعالي لوحدك.”
سمر حطت إيدها على بقها.
— أنا رحت.
بدأت تفتكر.
— قلت لأحمد إني رايحة لأمي.
لكنها ما راحتش.
راحت المخزن.
دخلت.
ولقت سامح.
كان عايش.
واقف قدامها.
وعلى الترابيزة ملفات.
قال لها:
— جوزك باعك قبل ما يتجوزك.
سمر سألته:
— تقصد إيه؟
سامح ورّاها صور مستندات.
خطة للاستيلاء على أرض أبوها.
توكيلات.
وتوقيعات.
وبعدين…
الباب اتفتح.
دخل أحمد.
سمر بدأت ترتجف وهي بتحكي.
— أحمد كان متعصب جدًا.
قلت:
— عمل إيه؟
— ضرب سامح.
— بإيه؟
— بحاجة حديد.
أمها شهقت.
سمر كملت:
— سامح وقع… وكان فيه دم.
المحامي سأل:
— وبعدها؟
سمر غمضت عينيها.
— دخلت الست اللي شبه طنط.
هناء.
قلت:
— كانت مع مين؟
— معرفش.
— عملت إيه؟
— جريت على سامح.
سمر بدأت تتنفس بسرعة.
— كانت بتحاول توقف الدم.
بصيت لمحمود.
يعني هناء ماكانتش بتهاجمه.
كانت بتحاول تنقذه.
سمر قالت:
— وبعدين أحمد قال لها: “إنتِ السبب.”
هناء ردت:
“أنا قولتلكم ناخد الورق بس.”
نفس الجملة تقريبًا اللي قالتها نوال في التسجيل.
المحامي سأل:
— وبعدين السكينة؟
سمر قالت:
— سامح كان لسه بيتحرك.
هناء بصتلي وقالت:
“خدي السكينة.”
— ليه؟
— كان فيه سكينة واقعة جنب رجله. قالتلي أبعدها قبل ما أحمد يوصل لها.
يعني أنا… أو بالأصح هناء…
ما كانتش بتطلب منها تقتل سامح.
كانت بتحاول تبعد السلاح.
قلت:
— وبعدها؟
سمر حطت إيدها على مؤخرة رأسها.
— حسيت بضربة.
— مين ضربك؟
— مشفتش.
— ولما فوقتي؟
— كنت في البيت.
— وأحمد قالك إنك وقعتي من السلم؟
هزت راسها.
المحامي قال:
— يبقى الفترة المفقودة بدأت من الليلة دي.
فضل سؤال واحد:
هناء فين؟
محمود قال إنه ما شافهاش من بعد حادثته.
لكن لما رجعنا للصورة اللي اتصورت من 11 شهر قدام عِشّ الفراخ…
لاحظ المحامي حاجة.
في خلفية الصورة…
ورا نوال.
كان فيه طرف وش ست ظاهر من الشباك.
كبرنا الصورة.
الصورة مش واضحة.
لكن العلامة اللي في الحاجب كانت باينة.
هناء.
كانت هناك.
من 11 شهر.
قلت:
— يعني كانت في البيت؟
محمود قال:
— أنا ما شفتهاش يومها.
المحامي رد:
— أو شفتها وماعرفتهاش.
محمود هز راسه.
— مستحيل.
لكن سمر فجأة قالت:
— لأ.
بصينا لها.
قالت:
— أنا شفتها.
— إمتى؟
— كانت بتيجي عِشّ الفراخ بالليل.
اتجمدت.
— وإنتِ محبوسة؟
— أيوه.
— كانت بتعمل إيه؟
سمر بدأت تعيط.
— كانت بتجيبلي أكل.
قلت:
— طب ليه ما خرجتكيش؟
— حاولت.
— وبعدين؟
— أحمد مسكها.
قلبي وقع.
— عمل فيها إيه؟
سمر قالت:
— معرفش… سمعت خناقة وصريخ.
وبعدين اختفت.
سألتها:
— آخر مرة شوفتيها إمتى؟
قالت:
— من حوالي شهر.
شهر واحد.
يعني أختي التوأم كانت موجودة من أسابيع.
قلت:
— قالتلك حاجة قبل ما تختفي؟
سمر فكرت.
— قالتلي جملة غريبة.
— إيه؟
قالت:
— “لو الست اللي شبهّي رجعت من السفر، قولي لها تدور تحت شجرة الليمون.”
محمود بصلي.
أنا بصيتله.
شجرة الليمون.
ورا البيت.
الشجرة اللي زرعتها أنا ومحمود يوم ما أحمد اتولد.
بإجراءات رسمية، تم تأمين المكان قبل أي بحث.
ولما وصلنا البيت…
كان هادي بشكل يخوف.
عِشّ الفراخ اتقفل.
الشجرة واقفة في آخر الأرض.
بدأ البحث في المنطقة اللي أشارت لها سمر.
بعد وقت…
ظهر صندوق بلاستيك محكم مدفون في التراب.
قلبي كان هيطلع من صدري.
اتفتح الصندوق بعد توثيقه.
جواه:
موبايل.
نسخ أوراق.
سلسلة فضة.
وجواب.
على الظرف مكتوب:
“لأختي.”
إيدي اترعشت.
المحامي فتحه بالطريقة الرسمية.
لكن سمحولي أقرا المحتوى.
كان مكتوب:
“أنا عارفة إنك غالبًا ما تعرفيش إني عايشة.”
دموعي نزلت.
كملت.
“اسمي هناء. وأنا أختك.”
السطر اللي بعده كان أصعب:
“أنا عملت حاجات غلط. وافقت أساعد نوال في الأول، لأني كنت محتاجة فلوس، ولأنها أقنعتني إن اللي بناخده أصلًا حقها في ميراث أخوها.”
كملت:
“لكن لما عرفت إنهم بيأذوا سمر وإن أحمد ناوي يخلّص من أبوه، حاولت أوقفهم.”
محمود قرب.
إيدي كانت بترتعش وأنا بقلب الصفحة.
“سامح ما ماتش في المخزن.”
سمر شهقت.
كملت:
“أنا خرجته وهو مصاب. وساعدته يهرب. لكنه أخد معاه نسخة من الملفات.”
المحامي قال:
— يبقى سامح ممكن يكون حي فعلًا.
كملت القراءة:
“لو بتقري الرسالة دي، دوري في الموبايل. فيه فيديو صورته من غير ما أحمد يعرف.”
اتوثق الهاتف.
وبعد فحصه، ظهر فيديو واحد.
مدته أقل من دقيقتين.
التاريخ…
من حوالي شهر.
الفيديو مهزوز.
واضح إن هناء كانت مستخبية.
ظهر أحمد.
واقف في عِشّ الفراخ.
وقدامه نوال.
أحمد بيقول:
— أمي راجعة قريب.
نوال ردت:
— يبقى لازم كل حاجة تختفي قبل ما توصل.
أحمد قال:
— وسمر؟
نوال سكتت.
أحمد قال:
— أنا مش هسيبها تتكلم.
جسمي كله برد.
ثم دخل شخص ثالث في الفيديو.
راجل.
وشه ظهر لثواني.
محمود شهق.
— سامح.
سامح.
حي.
كان واقف مع ابني ونوال من شهر واحد.
قال سامح:
— أنا رجعت علشان آخد نصي وبس.
نوال ردت:
— نصك؟ بعد ما هربت وسِبتنا؟
سامح قال:
— أنا هربت علشان أحمد كان هيموتني.
أحمد قرب منه.
— والمرة دي ممكن أكمل اللي بدأته.
سامح ضحك.
— مش هتقدر.
— ليه؟
سامح طلع حاجة من جيبه.
فلاشة.
وقال:
— لأن التسجيل الأصلي معايا.
الفيديو اتقطع.
بصيت للمحامي.
قلت:
— يبقى التسجيل عند سامح.
لكن محمود كان باصص في الصندوق.
مد إيده ناحية السلسلة الفضية.
رفعها.
كان متعلق فيها دبلة.
دبلة ست.
بصيت لها.
وقلبي اتقبض.
محمود قال:
— دي بتاعة هناء؟
قلت:
— معرفش.
لكن على الناحية الداخلية للدبلة كان محفور حرفان.
هـ. س.
المحامي قلب باقي الأوراق.
وطلع شهادة زواج.
قرأ الاسم الأول:
هناء.
وبعدين اسم الزوج.
وسكت.
قلت:
— متجوزة مين؟
رفع الورقة.
اسم الزوج كان:
سامح عبدالسلام.
هناء…
أختي اللي ماكنتش أعرف إنها عايشة…
كانت مرات سامح.
لكن الصدمة الحقيقية كانت في تاريخ الجواز.
الجواز تم قبل حادث محمود بثلاث سنين.
يعني هناء وسامح كانوا مرتبطين من قبل ما تبدأ كل الكارثة.
وفجأة رن الموبايل اللي لقيناه في الصندوق.
كلنا اتجمدنا.
رقم مجهول.
المحامي فعّل السماعة بعد توثيق المكالمة.
جاء صوت راجل.
— هناء؟
محدش رد.
قال تاني:
— هناء… أنا سامح.
محمود قرب.
لكن سامح كمل:
— لو حد غير هناء سامعني، يبقى لقوا الصندوق.
قلت:
— سامح.
سكت.
ثم قال:
— مين؟
قلت:
— أخت هناء.
صمت طويل.
وبعدين سأل:
— هي فين؟
قلت:
— إحنا اللي عايزين نعرف.
صوته اتغير.
— يعني أحمد أخدها.
قلت:
— إنت عارف مكانها؟
قال:
— لأ… بس أعرف المكان الوحيد اللي أحمد ممكن يخبيها فيه.
المحامي قال:
— فين؟
سامح رد:
— المزرعة القديمة.
قلت:
— أنهي مزرعة؟
قال عنوان مكان ما سمعتش عنه قبل كده.
وبعدين أضاف:
— بس لو هتروحوا… بلغوا الشرطة.
المحامي قال:
— ليه؟
سامح سكت ثانيتين.
ثم قال:
— لأن أحمد مش لوحده.
قلت:
— مين معاه؟
رد سامح:
— الشخص اللي بدأ الحكاية كلها.
قلت:
— نوال؟
قال:
— لأ.
— أمال مين؟
سامح قال:
— أبو سمر.
أم سمر وقعت منها شنطتها.
وسمر صرخت:
— أبويا؟!
سامح قال آخر جملة قبل ما الخط يتقطع:
— أبو سمر ماكانش ضحية موضوع الأرض…
هو اللي عرضها عليهم من البداية.
يتبع…
الجملة وقعت عليّا كأن حد هدم السقف فوق دماغي.
— أحمد مش ابننا؟
محمود ماقدرش يبص في عيني.
قلت:
— إنت بتقول إيه؟
هناء وسمر وسامح كانوا ساكتين.
أنا قربت من محمود.
— أحمد طلع من بطني يا محمود. أنا اللي ولدته. يعني إيه مش ابننا؟
قال بصوت مكسور:
— ابنك إنتِ… لكن مش ابني أنا.
صفعته.
القلم خرج مني قبل حتى ما أفكر.
محمود ما اتحركش.
قلت:
— إنت اتجننت؟ أنا عمري ما خنتك!
— عارف.
— أمال بتتهمني بإيه؟!
رفع عينه.
— أنا مش باتهمك.
وسكت لحظة.
— أنا باتهم نفسي.
قبل خمسة وعشرين سنة، ولادتي لأحمد كانت صعبة جدًا.
نزيف.
تدخل عاجل.
وأيام كاملة ذاكرتي عنها مشوشة.
كنت فاكرة إن ده بسبب الولادة والأدوية.
محمود قال:
— قبل الحمل بسنة تقريبًا، الدكتور قال إن فرصتي في الإنجاب ضعيفة جدًا.
قلت:
— وإحنا عملنا علاج.
— أيوه.
— وحملت.
هز راسه.
— بس العلاج اللي اتعمل… ماكانش زي ما إنتِ فاكرة.
بدأت أفهم من وشه قبل كلامه.
قلت:
— محمود… إنت عملت إيه؟
قال:
— دخلت في إجراء طبي من غير ما أقولك الحقيقة كاملة.
حسيت بالقرف.
— من غير موافقتي؟
نزل عينه.
— أيوه.
قلت:
— مين الأب؟
قال:
— معرفش.
— كداب!
— والله ما كنت أعرف وقتها.
صرخت:
— وقتها؟ يعني عرفت بعدين؟
هز راسه.
— بعد سنين.
قعدت.
أنا كنت فاكرة إن آخر أسرار حياتي خلصت.
لكن واضح إن حياتي كلها كانت مبنية فوق أسرار ناس قرروا نيابة عني إيه أعرف وإيه ما أعرفش.
قلت:
— مين؟
محمود قال:
— الدكتور اللي كان مسؤول عن العلاج كان قريب لأبو سمر.
سمر رفعت راسها.
— أبويا؟
— لأ… أخوه.
أبو سمر نفسه كان يعرف الحقيقة بعدين.
ولما أحمد كبر…
عرف هو كمان.
قلت:
— ومن هنا بدأت سيطرته عليه؟
محمود قال:
— جزئيًا.
المحامي سأله:
— لكن ده ما يفسرش جملة “مين علّمني أعمل كده”.
محمود سكت.
قلت:
— كمّل.
قال:
— لما أحمد كان عنده حوالي تسعتاشر سنة، بدأ يسأل عن أبوه البيولوجي.
— وإنت ساعدته؟
— في الأول لأ.
— وبعدين؟
— هددني إنه هيقولك كل حاجة.
ضحكت بمرارة.
— يعني فضلت تحمي نفسك.
— أيوه.
كانت أول مرة يقولها من غير تبرير.
— غلطت.
قلت:
— وإيه اللي حصل؟
— وصلنا لسجل قديم.
— وعرفتوا مين الأب؟
محمود قال:
— كان فيه اسم مرجح.
سامح.
سامح نفسه اتصدم.
— أنا؟!
محمود هز راسه بسرعة.
— مش إنت.
وأكمل:
— أخوك الكبير.
نفس الرجل اللي وجدوا رفاته في القبر المنسوب لمحمود.
الغرفة كلها سكتت.
سامح قال:
— أخويا كان متبرع وقتها؟
محمود رد:
— بحسب الملف القديم، كانت فيه عينة مرتبطة باسمه استُخدمت بشكل غير قانوني. التفاصيل لازم تتحقق رسميًا، لكن أحمد صدق إنه أبوه.
سامح قعد.
سمر بصت لأحمد الغائب كأنها لأول مرة تفهم جزءًا من الغضب اللي كان جواه.
لكنها قالت:
— ده يفسر حاجات… ما يبررش حاجة.
بصيتلها.
وكان عندها حق.
مفيش سر في النسب يبرر إن إنسان يجوع مراته.
أو يحبسها.
أو يضربها.
أو يزور.
أو يشارك في محاولة قتل أب ربّاه.
قلت لمحمود:
— وأحمد عرف إن الراجل اختفى؟
— أيوه.
— وعرف مين السبب؟
— عرف إن نوال متورطة.
— ومع ذلك اشتغل معاها؟
هز محمود راسه.
— لأنه ماكانش عايز ينتقم منها بس.
— كان عايز إيه؟
— كان عايز كل حاجة.
الفلوس.
الأرض.
والسيطرة.
قبل الفجر بقليل، وصل تطور أنهى الهروب.
تم العثور على نوال مصابة لكنها حية.
الدم في العربية كان دمها.
وبحسب ما ظهر لاحقًا في التحقيق، حصل خلاف بينها وبين أحمد بعد ما عرف إن الأدلة بدأت تتجمع.
أحمد كان عايز يهرب.
نوال أرادت تسلم نفسها وتحاول تخفف مسؤوليتها بالتعاون وكشف باقي المستندات.
اتخانقوا.
وسابها أحمد مصابة وهرب.
لكن هروبه ما طولش.
لأن العربية اللي استخدمها بعد كده ظهرت في كاميرات طريق.
وبعد ساعات…
تم ضبطه.
ما رحتش أشوفه.
مش في اليوم الأول.
ولا التاني.
ولا حتى لما طلبني.
فضل يبعت مع محاميه:
“عايز أتكلم مع أمي.”
وأنا كنت أرفض.
لحد ما سمر قالتلي:
— روحي.
بصيتلها باستغراب.
— بعد كل اللي عمله فيكي؟
قالت:
— مش علشانه.
— أمال؟
— علشان حضرتك.
وسكتت.
— فيه أسئلة لو ما سألتيهاش دلوقتي، هتفضلي تسأليها لنفسك طول العمر.
رحت.
دخل أحمد.
أول مرة أشوفه من يوم عِشّ الفراخ.
ماكانش لابس الساعة الغالية.
ولا الهدوم اللي كان بيتباهى بيها.
قعد قدامي.
وبصلي.
— أمي.
قلت:
— ما تقولهاش كأنها كلمة تمسح اللي عملته.
سكت.
سألته:
— ليه سمر؟
قال:
— الموضوع خرج من إيدي.
قلت:
— تجويع إنسانة أسبوعين خرج من إيدك؟
ما ردش.
— حبسها خرج من إيدك؟
سكت.
— عزلها عن أهلها ست سنين؟
نزل عينه.
قلت:
— قلت لأهلها إنها ماتت.
بدأ يعيط.
لكن لأول مرة…
دموعه ما حركتش جوايا حاجة.
قلت:
— جاوب.
قال:
— في الأول كنت محتاج توقيعها.
— وبعده؟
— عرفت حاجات.
— إيه؟
— شافت أوراق ماكانش المفروض تشوفها.
— فحبستها؟
— كنت خايف.
قلت:
— ما تسميش القسوة خوف.
سكت.
قلت:
— وأبوك؟
بص ناحية الزجاج.
— أنا ما ضربتوش.
— لكنك ساعدت اللي ضربته.
— كنت فاكر إنه هيسلمني.
— كان أبوك.
ضحك بمرارة.
— مش أبويا.
قلت:
— الراجل اللي رباك، شالك وإنت عيان، علمك تمشي، دفع تعليمك، وسهر جنبك… ده كان إيه؟
سكت.
قلت:
— الأب مش تحليل دم بس يا أحمد.
بدأت دموعه تنزل.
— لما عرفت الحقيقة حسيت إن حياتي كلها كدبة.
قلت:
— وأنا عرفت دلوقتي إن جزءًا كبيرًا من حياتي كان كدبة. هل شوفتني حبست حد في عِشّ فراخ؟
رفع عينه ليا.
ماعرفش يرد.
قلت:
— اللي حصل لك يفسر غضبك. ما يديكش الحق تعمل اللي عملته.
قبل ما أقوم، سألته آخر سؤال:
— كنت ناوي تعمل فيا إيه لما رجعت؟
سكت طويلًا.
وبعدين قال:
— كنت ناوي أخوفك علشان تمضي.
— ولو رفضت؟
دموعه نزلت.
ما ردش.
ما احتجتش إجابة.
قمت.
قال:
— أمي!
وقفت.
— هتسامحيني؟
لفيت ناحيته.
قلت:
— المسامحة شيء… والمحاسبة شيء تاني.
وسبته.
القضايا أخدت وقت.
والتحقيقات فرقت بين اللي ثبت واللي كان مجرد ادعاءات أو ذكريات محتاجة دعم.
تقارير طبية.
مستندات.
تسجيلات.
فحوصات توقيعات.
تحويلات مالية.
وشهادات.
وكل واحد اتحاسب على قد اللي ثبت عليه.
نوال تعاونت في جزء من التحقيقات، لكنها ما هربتش من مسؤوليتها.
سامح واجه مسؤوليته عن التلاعب المالي اللي شارك فيه، حتى لو حاول بعدين يصلح بعض اللي حصل.
أبو سمر اضطر يواجه بنته بالحقيقة كاملة، واعترف بدوره في بداية صفقات الأرض والتستر على أمور كان لازم يبلغ عنها.
أما محمود…
فما رجعش بيتي.
لما سألني:
— ينفع نبدأ من جديد؟
قلت:
— لأ.
بصلي بحزن.
قلت:
— إنت اتظلمت في حاجات كتير يا محمود. لكنك ظلمتني برضه.
خبّى عني حقيقة تخص جسمي وحياتي وابني.
وخبّى أختي عني.
وقرر أكتر من مرة إنه يعرف مصلحتي أكتر مني.
قلتله:
— ممكن أسامحك يومًا… لكن ده مش معناه إننا لازم نرجع زي الأول.
وتقبلها.
أما هناء…
فكانت أغرب هدية خرجت من أسوأ كابوس في حياتي.
أول مرة قعدنا لوحدنا، فضلنا نبص لبعض.
ضحكت وقالت:
— غريبة.
قلت:
— إيه؟
— إني فضلت طول عمري أتخيل شكلك… وفي الآخر طلع كأني ببص في مراية تعبت أكتر مني.
ضحكت وأنا بعيط.
حضنتها.
حضنت أختي لأول مرة وإحنا ستات كبار، بعد عمر كامل اتسرق مننا.
ما بقيناش فجأة أختين مثاليين.
كان بينا أسئلة.
عتاب.
سنين غياب.
وأخطاء عملتها هي كمان وكان لازم تواجهها.
لكن على الأقل…
بقى عندنا فرصة.
وسمر؟
دي كانت أهم حكاية في الحكاية كلها.
رجعت لأهلها.
لكن ما رجعتش علشان تعيش طفلة في بيتهم.
قالت لأمها:
— أنا محتاجة أتعلم أعيش من غير ما حد يقرر عني.
بدأت تستعيد صحتها واحدة واحدة.
العلاج أخد وقت.
الأكل نفسه في الأول كان محتاج تنظيم طبي بسبب سوء التغذية.
وبدأت تاخد دعم متخصص علشان آثار السنين اللي عاشتها في خوف وعزلة.
وفي يوم…
بعد شهور…
جاتلي البيت.
كانت لابسة فستان بسيط.
وشعرها متسرح.
ووشها رجع فيه لون.
حطيت قدامها أكل.
بصت للسفرة.
وسكتت.
افتكرت أول يوم.
حبوب الذرة الناشفة في كفها.
قلت:
— مالك؟
ابتسمت.
وقالت:
— أول مرة من سنين أقعد على سفرة ومش خايفة حد يحسب أنا كلت كام لقمة.
ماقدرتش أمنع دموعي.
قلت:
— كلي يا بنتي.
ضحكت.
— المرة دي هاكل براحتي.
وقعدنا.
أنا.
سمر.
هناء.
وأم سمر.
أربع ستات، كل واحدة فينا اتاخد منها جزء من عمرها بسبب سر أو خوف أو شخص قرر يتحكم فيها.
لكننا كنا موجودين.
بعد سنة تقريبًا…
رجعت لعِشّ الفراخ.
وقفت قدام الباب.
نفس الباب اللي بدأت منه الحكاية.
المكان كان فاضي.
قلت للعامل يشيل القفل.
وبعدها قررت أهدم العِشّ كله.
هناء سألتني:
— ليه ما تسيبيهوش؟ ذكرى.
قلت:
— مش كل ذكرى لازم نحافظ عليها.
مكانه عملنا جنينة صغيرة.
وسمر هي اللي اختارت أول شجرة نزرعها.
شجرة ليمون.
ضحكت لما قالتلي.
— ليمون تاني؟
قالت:
— المرة دي مش هنخبي تحته أسرار.
زرعناها.
في يوم افتتاح الجنينة، وقفت بعيد أتفرج عليهم.
هناء بتضحك.
سمر واقفة جنب أمها.
ومحمود جه لفترة قصيرة بعد ما اتفقنا إن علاقتنا تفضل محترمة ومن بعيد.
أما أحمد…
فكان بيواجه نتيجة اختياراته بعيد عن البيت اللي حاول يمتلك كل شيء فيه.
فضل ابني.
الحقيقة دي ماقدرتش أمسحها.
لكن كونه ابني ما خلانيش أكذب علشان أنقذه.
ولا أضغط على سمر تتنازل.
ولا أدفن الأدلة.
لأن الأمومة مش معناها إنك تساعد ابنك يهرب من نتيجة ظلمه.
أحيانًا أصعب حاجة تعملها الأم…
إنها ترفض تحمي ابنها من الحقيقة.
وقبل ما نمشي، سمر نادتني.
— طنط؟
لفيت.
كانت ماسكة حاجة في كفها.
فتحت إيدها.
حبوب ذرة.
قلبي اتقبض.
لكنها ضحكت.
ومشت ناحية الأرض.
رمت الحبوب للطيور.
وقالت:
— مكانها هنا.
ابتسمت.
لأن عندها حق.
الحبوب اللي اضطرت يومًا تاكلها من الجوع…
بقت دلوقتي مجرد أكل للطيور.
وسمر؟
سمر ما بقتش الست المرمية على أرض عِشّ الفراخ.
بقت إنسانة حرة.
ولأول مرة من ست سنين…
ماكانش فيه حد قافل عليها باب.
ولا مخبي عنها تليفون.
ولا بيقول لها أهلها بيكرهوها.
ولا بيقرر لها تاكل إمتى.
رفعت عيني للشجرة الجديدة.
وقلت في سري:
البيت اللي قائم على الظلم فعلًا مفيهوش بركة.
لكن لما الظلم يتكشف…
الحقيقة ما بترجعش السنين اللي راحت.
إنما ممكن تمنع ضياع السنين اللي جاية.
ودي كانت الحاجة الوحيدة اللي قدرت أعملها.
ما قدرتش أغير الماضي.
لكن يوم فتحت باب عِشّ الفراخ…
فتحت معاه باب كان مقفول على أسرار عيلة كاملة.
والحمد لله…
إني ما قفلتوش تاني.
تمت.
الكاتبة: أسما السيد
ممنوع نسخ القصة أو إعادة نشرها على أي صفحة أو حساب دون إذن الكاتبة أسما السيد.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”






