تركت ابنتي وزوجها

الجزء الثاني: الأب الذي ظنّوا أنه أصبح بلا حول ولا قوة
في صباح اليوم التالي، استيقظت في جناحي الخاص داخل الفندق، ووجدت سبع مكالمات فائتة من فانيسا وثلاث رسائل من ديريك.
لم أتصل بأيٍّ منهما.
فتحت الرسالة الأولى من ابنتي:
«أبي، أين أنت؟ نحن قلقان عليك».
كدت أضحك وأنا أقرأها. قلقان عليّ؟ لقد تركاني في مقبرة تبعد مئات الأميال عن منزلي، في طقس شديد البرودة، ثم طلبا مني العودة سيرًا على الأقدام!
أما الرسالة الثانية، فجاءت بعد ساعات:
«أبي، لا تجعل الأمر أكبر مما هو عليه. ديريك كان غاضبًا فقط، وأنت تعرف طبعه».
أغلقت الهاتف.
لم أكن بحاجة إلى اعتذار مصنوع بعناية. كنت بحاجة إلى معرفة الحقيقة، وقد أظهراها لي بالفعل.
في التاسعة صباحًا، وصل ريتشارد ميرسر إلى الفندق ومعه حقيبة جلدية سوداء سميكة.
جلس أمامي، وأخرج مجموعة من المستندات.
قال بجدية:
«هارولد، قبل أن نبدأ، أريدك أن تفهم شيئًا. ما ستفعله اليوم سيغيّر علاقتك بابنتك إلى الأبد».
نظرت إليه وقلت:
«لقد غيّرت هي تلك العلاقة بالفعل عندما تركتني عند قبر أمها».
أومأ برأسه، ثم فتح الحقيبة.
قبل ست سنوات، كنت قد ابتعدت تدريجيًا عن الإدارة اليومية لشركتي، شركة «بنيت للخدمات اللوجستية الصناعية». كنت أريد أن أقضي وقتًا أطول مع إليانور، خصوصًا بعد أن بدأت صحتها تتدهور.
لكنني لم أبع الشركة قط.
بل احتفظت بحصة الأغلبية، بينما تولّى مجلس الإدارة إدارة العمليات اليومية، وأصبحت أنا رئيس مجلس الإدارة الفخري، مع احتفاظي بحقوق التصويت التي تسمح لي بالتدخل متى أردت.
أما ديريك، زوج ابنتي، فقد عيّنته قبل أربع سنوات مديرًا تنفيذيًا في أحد أقسام الشركة.
لم أفعل ذلك لأنه كان الأكثر كفاءة بين المرشحين، بل لأن فانيسا توسلت إليّ لمنحه فرصة.
قالت يومها:
«أبي، أريدك أن تثق به. إنه يريد أن يثبت نفسه، وأنت تستطيع مساعدته».
ومن أجلها، وافقت.
منحته راتبًا ممتازًا، ومكافآت سخية، وفرصة لم يكن ليحصل عليها بسهولة في شركة أخرى.
والآن، كان ديريك على وشك الحصول على ترقية إلى منصب نائب الرئيس التنفيذي.
لكن ريتشارد وضع أمامي تقريرًا داخليًا جعلني أتوقف عن التنفس للحظة.
قال:
«هناك أمور يجب أن تعرفها قبل اجتماع مجلس الإدارة غدًا».
قلبت الصفحات ببطء.
كانت هناك تحويلات مالية مشبوهة، ومصروفات إدارية مبالغ فيها، وعقود أُبرمت مع شركات استشارية لم نتمكن من التحقق من خدماتها الفعلية.
والأخطر من ذلك، أن بعض هذه الشركات كانت مرتبطة بأشخاص مقرّبين من ديريك.
رفعت عيني نحو ريتشارد.
«هل سرق أموال الشركة؟»
أجاب بحذر:
«لا أستطيع أن أصف الأمر بهذه الطريقة قبل اكتمال التحقيق. لكن هناك أدلة كافية تستوجب مراجعة مستقلة وفورية».
أعدت النظر إلى الأوراق.
لم يكن الأمر يتعلق بما فعله بي في المقبرة فحسب.
ربما كنت قد وضعت ثقتي في الرجل الخطأ لسنوات.
سألت ريتشارد:
«وماذا عن فانيسا؟ هل لها علاقة بهذه المعاملات؟»
أجاب:
«لم نجد حتى الآن دليلًا يثبت تورطها في المخالفات المالية. لكن هناك أمرًا آخر».
أخرج مستندًا منفصلًا.
كان طلبًا أُعدّ لنقل ملكية منزلي إلى فانيسا، ومعه مسودة توكيل واسع يمنحها صلاحيات مالية كبيرة.
لم يكن المستند يحمل توقيعي.
لكن اسم ديريك ظهر في المراسلات المتعلقة بإعداده.
شعرت بشيء بارد يستقر في صدري.
لم يكن يريد فقط أن يرث ما أملكه يومًا ما.
لقد كان يحاول أن يجعلني أتخلى عنه وأنا ما زلت حيًا.
قال ريتشارد:
«أوصيك بألا تواجههما بنفسك قبل أن نؤمّن مستندات الشركة ونستكمل الإجراءات القانونية».
أغلقت الملف.
«لن أواجههما في منزلي، يا ريتشارد. سأراه في المكان الذي يظن أنه يسيطر عليه».
ابتسم المحامي ابتسامة صغيرة.
«اجتماع مجلس الإدارة غدًا؟»
أومأت.
«بالضبط».
في صباح اليوم التالي، دخل ديريك مبنى الشركة مرتديًا أغلى بدلة يملكها.
كان يحمل حقيبته الجلدية، وعلى وجهه ابتسامة رجل يعتقد أن مستقبله أصبح مضمونًا.
في المصعد، أخبر أحد زملائه أن الترقية مجرد إجراء شكلي.
وقال بثقة:
«لقد حان الوقت لأتولى مسؤوليات أكبر. الشركة تحتاج إلى شخص لديه رؤيتي».
لم يكن يعلم أن لجنة المراجعة قد طلبت بالفعل تعليق قرار ترقيته حتى انتهاء مراجعة الحسابات.
ولم يكن يعلم أنني عدت إلى مقر الشركة للمرة الأولى منذ سنوات.
عندما دخل قاعة مجلس الإدارة، كان الأعضاء يجلسون حول الطاولة الطويلة المصنوعة من خشب الماهوجني.
جلس ديريك في مقعده المعتاد، ثم لاحظ وجود رجل مسن يرتدي بدلة رمادية داكنة في نهاية الطاولة.
توقف فجأة.
تلاشت ابتسامته.
حدّق في وجهي وكأنه يرى شبحًا.
«هارولد؟ ماذا تفعل هنا؟»
لم أجب فورًا.
وضعت نظارتي على الطاولة، ثم شبكت أصابعي أمامي.
قال رئيس المجلس التنفيذي المؤقت:
«سيد كولنز، قبل أن نبدأ مناقشة الترقيات، هناك شخص طلب الحضور اليوم لممارسة حقوقه بصفته صاحب حصة الأغلبية ورئيس مجلس الإدارة».
ثم أشار إليّ باحترام.
«السيد هارولد بينيت».
ساد الصمت.
رأيت ديريك يحدق فيّ، ثم ينظر إلى بقية الأعضاء، محاولًا فهم ما يحدث.
قلت بهدوء:
«صباح الخير يا ديريك. أرجو أن تكون قد استمتعت برحلتك إلى العمل».
تحرك في مقعده بتوتر.
«هارولد، أعتقد أن هناك سوء فهم. يمكننا التحدث على انفراد».
أجبته:
«لقد أمضيت وقتًا طويلًا أتحدث معك على انفراد. اليوم، سنتحدث أمام الجميع».
فتحت الملف الموجود أمامي.
«أولًا، أود أن أهنئك على ترشيحك للترقية. وثانيًا، أريد أن أسألك بعض الأسئلة بشأن العقود والمصروفات التي ظهرت في تقرير المراجعة».
تغير لون وجهه.
قال بسرعة:
«هذه مجرد إجراءات محاسبية روتينية. أستطيع تفسير كل شيء».
أومأت برأسي.
«رائع. إذن لن تجد صعوبة في الإجابة».
دفعت نسخة من التقرير نحوه.
«هل يمكنك أن تشرح لمجلس الإدارة سبب تحويل مبالغ كبيرة إلى شركات استشارية لا توجد لدينا سجلات واضحة تثبت الخدمات التي قدمتها؟»
فتح فمه، لكنه لم يتكلم.
تابعت:
«وهل يمكنك تفسير سبب ارتباط بعض هذه الشركات بأشخاص تربطهم بك علاقات شخصية وتجارية؟»
قال بصوت متقطع:
«هذا ليس المكان المناسب لمناقشة مثل هذه الأمور».
أجبته:
«بل إنه المكان المناسب تمامًا».
ثم نظرت إلى أعضاء المجلس.
«لن يُتخذ أي قرار بشأن ترقية السيد ديريك حتى انتهاء التحقيق المستقل. وسيُعلّق وصوله إلى السجلات المالية الحساسة وفق الإجراءات المعتمدة، إلى حين تحديد نطاق صلاحياته».
نهض ديريك فجأة.
«لا يمكنك أن تفعل هذا بي!»
نظرت إليه طويلًا.
«بل أستطيع اتخاذ القرارات التي يسمح لي بها منصبي وحقوقي القانونية. أما ما إذا كنت قد ارتكبت مخالفات، فسيحدده التحقيق والأدلة، لا غضبي ولا غضبك».
ساد الصمت مجددًا.
ثم أضفت:
«وهناك أمر آخر. أريدك أن تعرف أنني لم آتِ إلى هنا لأنك تركتني في المقبرة. لقد جئت لأنني اكتشفت أن الثقة التي منحتك إياها تستحق المراجعة».




