عام

رحت أزور بنتي

وهي في الشهر التامن، كنت مستنية أشوفها وشها منور وفرحانة بالحمل.. بس اللي شفته خلاني أتسمر مكاني على الباب. كانت ، ووشها ، وشايلة صواني لأهل جوزها كأنها عندهم! ماما، أرجوكي.. ماتقوليش ولا كلمة، وشوشتني وهي إيديها وماسكة بطنها الكبيرة. ساعتها حماتها ابتسمت لي وقالت في البيت ده، كل واحد عارف مقامه فين. كان المفروض أمشي.. بس وقتها شفت .

 

كنت رايحة أزور بنتي هبة وهي في التامن، متخيلة إني هلاقيها مريحة على الكنبة ورافعة رجلها، وبتبتسم الابتسامة اللي أي أم بتبتسمها وهي مستنية أول نونو ليها. بس اللي حصل إني وقفت زي الصنم على باب شقة أهل جوزها في التجمع، وشنطتي لسه على كتفي. هبة كانت ماشية على السيراميك، وشها كان وأصفر، وشايلة صينية تقيلة مليانة كبايات عصير لغرفة السفرة، في الوقت اللي جوزها رامي قاعد يضحك مع أبوه وأمه كأن المنظر ده طبيعي جداً ومفهوش أي مشكلة!

لثانية واحدة، صدقت

إني دخلت الغلط.

هبة طول عمرها كانت شخصيتها قوية، منظمة، وراسها مرفوعة. دي البنت اللي كانت بتطلع الأولى في كليتها، وبتروح الجيم، وعمرها ما سمحت لمخلوق يقلل منها. بس البنت اللي شفتها الظهر ده كانت بتتحرك بسرعة ومن سكات، وكتافها محنية شوية، كأنها بتحاول تصغر نفسها عشان محدش يحس بوجودها. وأول ما شافتني، عينيها برقت من مش من الفرحة.

ماما، إنتِ جيتي بدري، قالتها وهي بتجبر نفسها على الابتسامة.

بصيت للصينية اللي في إيديها ، وبعدين للمطبخ اللي وراها، المواعين كانت كوم فوق الحوض. قلت لها هبة.. إنتِ بتعملي إيه؟

وقبل ما تنطق، حماتها الحاجة فوزية ظهرت على باب السفرة بابتسامة صفراء مابتوصلش لعينيها هي اللي مصممة تساعد، أصل الست قبل ما تولد بتبقى عايزة توضب عيشها وده طبيعي جداً.

رامي مقامش من مكانه. ولا حتى اتكسف. يا دوب هز راسه وقص وقال أهلاً يا طنط.. الطريق كان زحمة؟

طريق زحمة؟ ده كل اللي عنده يقوله ومراته اللي في التامن بتخدم

على عيلته كأنها بفلوس؟

هبة قربت مني ووطت صوتها ماما، أرجوكي.. ماتقوليش حاجة. حطت إيدها على بطنها وشفت إيدها وهي . وساعتها شفت ، بدأت تبهت شوية، فوق معصم إيدها بالظبط لما كم العباية اترفع.

قلبي في رجلي. وشوشتها وأنا بمسك إيدها بالراحة هبة.. إيه اللي حصل ده؟

شدت كمها بسرعة كأنها حركة لا إرادية أبداً، في ضلفة الدولاب وأنا بوضب.

ابتسامة حماتها بقت أبرد وأسخف أصلها بقت بتتكعبل كتير اليومين دول.

بصيت لرامي، مستنية يقول أي حاجة.. أي كلمة دفاع.. بس كان باصص في تليفونه ومكبر دماغه.

في اللحظة دي عرفت إن الموضوع مش مجرد ضغط حمل، ولا توتر عيلة، ولا ست بتحاول ترضي أهل جوزها. فيه  بتحصل في البيت ده. ولما دخلت ورا هبة المطبظ بعدها بدقائق، مالت عليا والدموع في عينيها ووشوشتني ماما.. لو قولتلك الحقيقة، أوعديني إنك مش هتسيبيني هنا الليلة دي..

قلبي  وأنا شايفة بنتي، نوارة عيني،  بالشكل

ده. مسكت إيدها وضغطت عليها بقوة عشان أطمنها إني مش هتحرك من غيرها. دخلت فوزية المطبخ ورايا بخطواتها التقيلة وكأنها بتراقب أنفاسنا.

ها يا حبيبتي، خلصتي القهوة؟ ولا لسه الرغي واخدكم؟ فوزية قالتها بلهجة فيها مستخبي ورا ضحكة صفرا.

هبة اتنفضت وبدأت تصب القهوة وإيدها لدرجة إن الفناجين كانت بتخبط في بعضها وتعمل صوت رنة حزينة. بصيت لفوزية بكل حزم وقلت القهوة خلصت يا حاجة، وهبة كمان خلصت.. إحنا ماشيين.

السكون حل في المكان لثانية، وفوزية رفعت حاجبها باستنكار ماشيين فين يا حبيبتي؟ ده رامي عامل عزومة عشا النهاردة لصحابه، وهبة مجهزة المنيو كله.. مش كدة يا هبة؟

هبة بصت في الأرض ومردتش، بس رامي دخل المطبخ على صوتنا، وسند ضهره على الباب بكل برود وقالك فيه إيه يا جماعة؟ صوتكم عالي ليه؟ وبعدين يا طنط، هبة تعبانة شوية ومحتاجة تبقى في بيتها ومع جوزها.. مش كدة يا حبيبتي؟

الكلمة طلعت منه مستتر، وعينه كانت مركزة على إيدها وكأنه بيعلم عليها بنظراته.

لحظة

مقدرتش أسكت أكتر من كدة. سحبت هبة من إيدها ووقفتها ورا ضهري بنتك مش هتطبخ لحد وهي في التامن يا رامي. وبنتك مش عند حد. ، أنا عارفة كويس إنه مش دولاب.. الدولاب مبيسيبش  يا بشمهندس!

وش رامي اتغير، وفوزية بدأت تصوت وتلم الجيران يا ! جاية بيت بنتك يا ست إنتِ؟ ده رامي شايلها في عنيه، ودي قلة حركة منها اللي مخلية وشها أصفر!

رامي قرب مني بخطوة طنط، لآخر مرة بقولك.. خدي شنطتك واتفضلي بالذوق، دي مراتي وفي بيتي.

في اللحظة دي، هبة  مكتومة وهي ماسكة بطنها ووقعت على الأرض آه.. ماما.. الحقيني!

ليلة في المستشفى وكشف المستور

الدنيا اتقلبت. شيلت هبة بمساعدة سواق

تاكسي من تحت البيت، ورامي كان ماشي ورايا بيحاول يمنعني وأنا بصده بكل قوتي. وصلنا المستشفى، والدكتورة دخلت كشفت عليها، ولما خرجت كان وشها مبيتطمنش.

حضرتك والدتها؟ الدكتورة سألتني وهي بتبص لرامي اللي كان واقف بعيد بيمثل القلق.

أيوه يا دكتورة، طمنيني.

البنت عندها هبوط حاد، وأنيميا شديدة، وفيه  قديمة وجديدة في أماكن متفرقة من جسمها.. ده غير إن الحمل في بسبب التوتر والمجهود البدني .

بصيت لرامي اللي بدأ يرتبك ويقول دي كانت بتقع يا دكتورة.. هي مهملة في نفسها.

الدكتورة بصت له بحدة الوقوع مبيعملش دائرية حوالين المعصم والرقبة يا أستاذ. أنا مضطرة أعمل تقرير طبي بالحالة وأبلغ نقطة المستشفى.

الحقيقة المرة

لما هبة فاقت،

كانت .  وفضلت أملس على شعرها لحد ما بدأت تحكي بمرارة

ماما.. رامي مكنش كدة. بس من يوم ما نقلنا عند أهله، وأمه قلبت حاله. كانت بتقوله الست لو متمسكتش من إيدها اللي  ، وبقت تخليني أنظف  الكبيرة دي كلها لوحدي، ولو اشتكيت، رامي  ويقولي أمي خط أحمر.. كان في الأوضة عني الأكل عشان أتربى على طاعتهم.

بكت هبة وهي بتكمل  ده عشان حاولت أكلمك الأسبوع اللي فات، خد مني الموبايل

النهاية اللي تبرد القلب

أنا مكنتش الأم اللي تسكت على حق بنتها. طلبت أخواتي الكبار، وجم المستشفى. رامي وأبوه حاولوا يلموا الموضوع ب كلمتين حلوين ووعد بإن ده مش هيتكرر.

بس أنا كان ردي واحد بنتي مش هترجع ده تاني. والتقرير الطبي ده، والشهود، هيكونوا قدام المحكمة لو مطلقتش بالمعروف وحقها وصلها لحد عندها.

رامي حاول بإنه هياخد النونو لما يتولد، بس أخويا الكبير قاله كلمة واحدة اللي مبيصونش الأم، ملوش حق في الضنا. والشرطة عندها ملفك دلوقتي.

بعد شهرين، هبة ولدت ياسين في بيتي، وسط حنيتي ورعايتي. وشها رجع نور تاني، وصحتها بقت حديد. رامي وأهله؟ فوزية وقعت في أعمالها ورامي طلق هبة بعد ما عرف إن  خسرانة، ودلوقتي هو شايل نفقة .

هبة اتعلمت إن القوة مش في الصمت، وأنا اتعلمت إن الأم هي الحصن اللي لازم يفضل صاحي مهما كانت الظروف. وياسين كبر وهو عارف إن جِدته هي اللي أنقذت حياته وحياة أمه من بيت .

تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى