عام

رهان العمر

خلفت وأنا عندي 41 سنة، وجوزي سابني عشان عيلة عندها 18 سنة.. قالي العيل اللي ييجي من واحدة عجوزة زيك أكيد هيطلع غبي ومش هيفلح. دي كانت الكلمة اللي رماها في وشي محمود بعد تلات أسابيع بس من ولادة ابننا. كنت وقتها تميت الواحد وأربعين، القيصرية لسه مع كل خطوة. طول 17 سنة جواز، كنت فاكرة إن أنا ومحمود إيد واحدة، كنت بقول راجل دغري وبتاع شغل وعاوز يبني بيت.

 

سنين وإحنا بنجري ورا الخلفة.. دكاترة، وتحاليل، وعمليات. لما الدكتور قالي أخيراً مبروك أنتي حامل، مضحكتش من الفرحة، أنا بكيت من الخوف.. كنت حاسة إن ربنا سلفني أمانة وممكن تتاخد مني في أي وقت.

بس ياسين نور الدنيا.. وبالنسبة لي، كل الوجع ده كان يهون عشانه. محمود شافه مرة واحدة في الحضانة وقالي “ده صغير أوي كدة ليه؟”، قولت يمكن رهبة الأب الجديد، بكره يتعود ويحبه.. كنت بضحك على نفسي عشان مواجهش الحقيقة المرة إن محمود كان سابني فعلاً من قبل ما يمشي من باب البيت.

بدأت بحجج الشغل المتأخر، وبعدها عزومات عمل، وبعدها مأمورية في السخنة عشان مشروع جديد. وأنا كنت غرقانة في الحفاضات والمصاريف. وفي يوم، الفجر، وهو في الحمام، موبايله نور على التربيزة.. رسالة بتقول “وحشتني أوي، إمبارح كان يوم مايتنسيش”.. الرقم مكنش متسجل، كان محطوط مكانه قلب أحمر.

لما واجهته، حتى مكلفش نفسه يكدب.. قالي وهو بيلبس قميصه بمنتهى البرود “اسمها ندى، عندها 18 سنة”. حسيت إن الأرض بتتهد بيا.. قولتله “بتبعني أنا وابنك اللي لسه مولود عشان عيلة لسه بتقول يا هادي؟”. ضحك ببرود وقالي “ماتعمليش دراما يا كريمة، أنتي خلاص كبرتي وراحت عليكي، وأنا لسه عاوز أعيش حياتي”.

بعد يومين، مشي.. مخدش معاها ذكريات ولا صور، خد بس قسوة قلبه. وسابني أنا مع طفل ملوش ذنب، وديون، ونار في قلبي مابتطفيش.

عدت السنين، والوجع اللي كان في قلبي اتحول لطاقة تهد جبال. كنت بشتغل ورديتين، مرة ممرضة في مستشفى ومرة في البيوت، عشان أوفر لياسين أحسن تعليم. كنت بشوفه بيكبر قدام عيني، ذكي، وهادي.

أما محمود، فكنت بسمع أخباره من بعيد لبعيد. فتح شركة مقاولات صغيرة مع ندى، وبدأوا يعيشوا حياة المنظرة والقروض، ونسي تماماً إن ليه ابن في رقبتي.

مرت 15 سنة، وياسين بقى في أولى ثانوي، كان نابغة في البرمجة والذكاء الاصطناعي. وفي يوم، جاتلي دعوة لحضور حفل تكريم كبير للمبتكرين الشباب على مستوى الجمهورية، ياسين كان من ضمن العشرة الأوائل.

دخلت القاعة الكبيرة، وفجأة عيني جت عليه.. محمود! كان واقف هناك، شعره شاب وبان عليه العجز رغم محاولاته إنه يبان شباب، وجنبه ندى. عرفت بعدها إن شركته كانت الراعي الرسمي لفقرة صغيرة في الحفل.

بدأت المراسم، والمذيع طلع وقال: “ودلوقتي مع الجائزة الأولى لأفضل مشروع تكنولوجي، الطالب ياسين محمود الصاوي”. القاعة كلها وقفت تسقف. محمود اتسمر مكانه، الكوباية وقعت من إيده اتكسرت ميت حتة. ندى بصتله بذهول وقالتله بصوت واطي: “مش ده ابنك اللي قولت عليه غبي ومش هيفلح؟”.

ياسين طلع على المسرح بطلته الواثقة، وبص في القاعة لحد ما عينه جت في عيني وابتسم. سأله المذيع: “تحب تقول كلمة؟”. ياسين مسك المايك وقال بكل هدوء: “النجاح ده مدين بيه لشخص واحد بس.. الست اللي الكل قال عليها إنها كبرت، والست اللي شالت الحمل لوحدها ووثقت فيا لما أقرب الناس ليا استهزأ بيا.. الجائزة دي ليكي يا أمي”.

في اللحظة دي، كل اللي بناه محمود مع ندى من برستيج ومنظرة كدابة انهار في تلات ثواني. الناس بدأت تتهامس وتعرف الحكاية، وهو واقف وسط القاعة مكسور، عينه في الأرض، مش عارف يهرب فين من نظرات الشفقة واللوم.

خرجت من القاعة وأنا ماسكة إيد ابني، ابن الست اللي كبرت اللي طلع أذكى وأرجل من أبوه بمراحل. عرفت وقتها إن ربنا مبيسيبش حق حد، وإن الرد الحقيقي مبيجيش بالخناق، بيجي بالنجاح اللي بيكسر العين.

بعد الحفلة بكام يوم، الجرس ضرب. فتحت لقيت محمود واقف قدام الباب. كان باين عليه الكبر فجأة، لبسه غالي بس عينه مكسورة.

بص لي بتردد وقالي: “كريمة.. أنا.. أنا مكنتش أعرف إن ياسين وصل لكل ده.. أنا فخور بيه”. ضحكت ضحكة وجع ممتزجة بقوة وقولتله: “فخور بيه بصفتك إيه؟ الراجل اللي رماه؟ ياسين نجح عشان أنا آمنت بيه، وعشان هو شال مسؤولية أنت هربت منها”.

حاول يدخل بس وقفته: “البيت ده دخله راجل واحد بس، وهو ابني. أنت ملكش مكان هنا”.

طلع ياسين من جوه، وبص لأبوه بمنتهى الهدوء، مكنش فيه غل، كان فيه عدم اهتمام. قاله: “أنا ممتن ليك إنك مشيت، لأنك لو كنت فضلت، كنت هتعلمني إن الرجولة هي الهروب، بس أمي علمتني إن الرجولة هي المواجهة والسند”.

محمود لَفّ وضهره محني، وعرف إن الفلوس والشركات والست الصغيرة ميعوضوش لحظة ندم واحدة على ابن ضيعه من إيده.

أنا وياسين قفلنا الباب، وبصينا لبعض وضحكنا. أنا دلوقتي عندي 56 سنة، وفي عز شبابي بنجاح ابني، وكل ما حد يسألني جبتي الذكاء ده منين؟، بقولهم بكل فخر ده ابن الست اللي كبرت، اللي طلعت بتفهم أكتر من الدنيا كلها.

مرت الأيام، وبقت سيرة ياسين على كل لسان. وفي وسط ده، محمود حاله اتشقلب.. القروض بدأت تضغط عليه، وندى، اللي كان فاكرها شبابه اللي رجع، أول ما لقت المركب بتغرق، سابت له ورقة واحدة: “أنا لسه صغيرة، ومش هضيع عمري مع واحد مفلس ومكسور”.

جاله جلطة خفيفة من الصدمة، وقعد في المستشفى وحيد. ولما الخبر وصل لياسين، سألني: “يا أمي، هتروحي له؟”. قولتله: “يا ابني، إحنا اتربينا على الأصول، الوجع قديم والمسامحة صعبة، بس الواجب واجب”.

روحت له المستشفى.. كان منظره يصعب على الكافر. أول ما شافني، دموعه نزلت: “سامحيني يا كريمة.. ندى سابتني، وملقتش غيرك أنتِ وابني اللي قولت عليه مش هيفلح.. طلع هو الوحيد اللي فالح في حياتي كلها”.

بصيت له بمنتهى الهدوء: “أنا مش جاية عشان أعاتبك، أنا جاية أقولك إن ياسين دفع لك مصاريف المستشفى كلها.. مش عشان أنت أبوه، عشان هو متربي، وعشان ابن العجوزة ده قلبه أنضف وأكبر من الدنيا كلها”.

خرجت من المستشفى، ولقيت ياسين مستنيني بالعربية، ساندني وركبت جنبه.. بصيت في المراية وشفت تجاعيد وشي، بس المرة دي شفتها علامات نصر.

القصة مخلصتش بوقوع محمود، القصة خلصت لما أنا وياسين كملنا طريقنا وإحنا مش شايلين هم حد، وعارفين إن الـ 41 سنة اللي ولدت فيهم، مكنوش نهاية، دول كانوا بداية لأحلى قصة نجاح في حياتي.

بعد شهور، محمود خرج من المستشفى، ملقاش مكان يروح فيه غير شقة قديمة، قعد فيها لوحده بين أربع حيطان، معندوش ونيس غير الندم وصورة لياسين.

في يوم، كان فيه حفلة كبيرة بمناسبة افتتاح مركز ياسين للتكنولوجيا. وأنا واقفة جنبه، لمحت من بعيد راجل عجوز، لابس بدلة قديمة، بيحاول يشوف اللي بيحصل من غير ما حد يحس بيه.. كان محمود.

ياسين شافه، ومسك إيده وجابه لحد عندي. محمود كان باصص للأرض، مش قادر يرفع عينه. ياسين قاله: “يا أستاذ محمود، النهاردة يوم فرحتنا، وأنا مش ناسي إنك كنت سبب في وجودي.. اتفضل معانا”.

محمود بص لي وقال بصوت مرعوش: “أنا مكنتش أستاهلكم يا كريمة.. أنا ضيعت الجوهرة اللي كانت في إيدي عشان حتة زجاج بتلمع”. رديت عليه بكلمة واحدة: “الزجاج اتكسر يا محمود، والجوهرة دلوقتي هي اللي منورة حياتنا”.

أنا كملت حياتي وأنا عارفة إن ربنا نصره عزيز مقتدر. مكنتش محتاجة محمود يرجع، أنا كان يكفيني إني كل يوم الصبح، ببص في وش ياسين وبقول الحمد لله إن ربنا رزقني بيك وأنا عندي 41 سنة.. عشان أثبت للعالم كله إن الست المصرية مبيكسرهاش سن، ولا بيهزمها غدر.

دلوقتي، وأنا في السن ده، بقدر أقول لكل ست أوعي تخافي من العمر، وأوعي تخلي كلمة “عجوزة” . السن مش تجاعيد في الوش، السن هو استسلام القلب.. وأنا قلبي لسه بيبدأ يعيش مع كل نجاح لياسين.

وخلصت الحكاية، بس الأمل اللي زرعته كريمة في ابنها، فضل شجرة مضللة على كل اللي حواليها، وبقت قصتها عبرة إن اللي بيضحك في الآخر.. هو اللي بيضحك بجد.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى