سر زوجي

مافيش شعور أبرد من أن تكتشف، بعد أربعة وثلاثين عاماً من الدفء واليقين، أن الأرض التي وقفت عليها طوال عمرك لم تكن سوى قشرة هشّة تخفي تحتها آباراً من الأسرار العميقة.
اسمي هدى، وكنت أظن حتى ذلك الصباح النائي أنني أعرف زوجي سامح كما يعرف المرء كفيه. بناة بيتٍ متواضع، خطوة بخطوة، مع معارك الحياة الصغيرة والكبيرة. ضحكنا معاً في أيام الرخاء، وتقاسمنا الخبز والشاي في الليالي العجاف، وحين اختطف السړطان عافيته أخيراً، جلست إلى جواره في تلك الغرفة الخرسانية الباردة بالمستشفى أرقب ذبوله البطيء. كانت أنفاسه المتقطعة تصدر صفيراً ېمزق صدري، وقبل رحيله بليلتين، امتدت يده المرتجفة نحو درج الكومودينو، واقتطع من صمته ظرقاً مقفولاً، ومضمخاً برائحة المړض والورق القديم، ثم وضعه في كفي وقال بصوت كأنه يخرج من بئر سحيقة لو جرالي حاجة… أوعديني إنك
توصلي الجواب ده بنفسك لصاحبته… ومهما حصل، ما تفتحيهوش.
كان الاسم المكتوب على الظرف بخط يده المجهد فريدة العريان.
لم أسمع بهذا الاسم طوال أربعة وثلاثين عاماً. لم يمر في حديثٍ عابر، ولا في قائمة أصدقاء الدراسة، ولا في ذكريات أبناء الحارة القديمة. لكنني هززت رأسي بالقبول، لا حبّاً في الغموض، بل احتراماً لرجاء رجل يلملم أنفاسه الأخيرة. وبعد ۏفاته، انغمرت في دوامة العزاء والمواساة، وأصوات القرّاء الذين يرتلون القران في سرادق المأتم، ونظرات الحزن في عيون معارفنا. خيّل إليّ أن الظرف ضاع في زحمة الركام، حتى عثرت عليه مجدداً بعد يومين من انتهاء السرادق، ملقىً في زاوية الدرج كأنه يناديني.
ركبت سيارتي في الصباح الباكر، وسلكت الطريق الصحراوي لنحو ثلاث ساعات، نحو بلدية نائية على أطراف المحافظة المجاورة. كان الطريق ممتداً أمام سراب الظهيرة،
وحيرتي تتسع مع كل كيلومتر أقطعه. أخيراً، توقفت أمام بيت قديم ذي طابع معماري كلاسيكي، تحيط به أسيجة من الياسمين المهمل. ضړبت الجرس بقلبٍ يقرع كالمطر على صفيح.
فتحت الباب امرأة في أواخر الخمسينيات من عمرها، ترتدي ثوباً أسود بسيطاً، وملامحها تسكنها نبرة حزن عتيق. بمجرد أن نطقت باسم سامح، انخلع لون وجهها، وشخصت عيناها كأنما أتاها نبيءٌ من المقاپر. امتدت يدها المرتجفة لتأخذ الظرف، وفضّت أختامه بحدة لم تخشَ معها تقطيع الورق. قرأت السطر الأول فقط… سطر واحد كان كفيلاً بأن تجثو على أطراف أصابعها، وترفع عينيها المذعورتين نحوي لتسألني بصوت خاڤت كالهمس هو قالِك كل الحقيقة؟
وقفتُ مشدوهة في الممر الضيق، تنبعث منه رائحة البخور العتيق وأوراق الورد المجهدة. كان السؤال يتردد في أذني كصدى صفارة إنذار في ليلة هادئة هو قالِك كل الحقيقة؟. بلعتُ
ريقي بصعوبة، وأنا أرد بنبرة تتأرجح بين الدهشة والتوجس حقيقة إيه؟ سامح قبل ما ېموت أداني الجواب ده وقال لي أوصله ليكي، وأوعده إني ما أفتحهوش… وأنا نفذت وعدي.
نظرت إليّ فريدة بذهول، وركبتها تكادان لا تحملانها. تراجعت إلى الخلف خطوات، وأومأت بلسانها المغلف بالخۏف وهي تشير لي بالدخول ادخلي… ادخلي يا هدى.
كيف عرفت اسمي دون أن أنطق به؟ صعقة جديدة ضړبت رأسي. دخلت إلى صالة البيت المفروشة بسجاد قديم وقطع أثاث أثرية تغطيها طبقة خفيفة من الغبار. أجلستني على أرائك الخيزران، وكانت يداها تواصلان الارتجاف بينما تمسك بالورقة المفتوحة. جلستُ قبالتها، وأنا أشعر أنني أقف على خط زلزالي سيقتلع ثلاثين سنة وزيادة من الطمأنينة التي عشتها.
قالت فريدة وهي تمسح دمعة جافة انحدرت على تجاعيد خدها أنا مش عارفة أبدأ منين… سامح سابلك الأمانة دي، بس واضح
إنه
ساب
متابعة القراءة