امي كانت عاوزة البيت

يبقى باسمها ومراتي رفضت… وبعد الولادة القرار ده حوّل أول أسبوع في حياة ابني لكابوس انتهى قدام القاضي… “لو مراتك ماتت… على الأقل مش هتبعدك عن عيلتك الحقيقية تاني.” دي كانت الجملة اللي أمي قالتها… قدام الدكتور… وأنا شايل ابني اللي بقاله 7 أيام بس وسخن جدًا بين إيديا. اسمي أحمد طارق. عندي 32 سنة، عايش في شقة إيجار بسيطة، وشغال مشرف مخزن في شركة مواد بناء.
مراتي دنيا… من نوع البنات اللي بتعتذر حتى لو معملتش حاجة. هادية… طيبة… وبتستحمل أكتر من اللازم.
من أسبوع بس… كانت لسه والدة أول طفل لينا.
سمّيناه ياسين.
عمري ما هنسى شكلها وهي شايفاه أول مرة في المستشفى…
وشها شاحب… تعبانة… العرق على جبينها…
بس مبتسمة كأنها شايلة الدنيا كلها بين إيديها.
همست وقالتلي:
“وعدني إن محدش هيأذيه.”
ووعدتها.
وماكنتش أعرف إني هوفّي بالوعد ده بشكل وحش جدًا.
بعدها بأربع أيام، مديري كلمني—مشكلة طارئة في الشغل في محافظة تانية.
ماكنتش عايز أسيب البيت.
دنيا كانت بالعافية بتتحرك.
جرح الولادة بيوجعها.
وياسين بيعيط كل شوية.
بس أمي—الحاجة فاطمة—مسكت إيدي عند الباب وقالت:
“روح يا ابني… أنا جدته. مين هيهتم بيه أكتر مني؟”
أختي منى ابتسمت من وراها:
“اهدى يا أحمد، إحنا هنأكل دنيا ونشيل شغل البيت ونرعى البيبي.”
دنيا كانت واقفة مستندة على الحيطة، بتحاول تبتسم عشان ماحسش بالذنب.
“ارجع بسرعة بس…” قالتها بهدوء.
بست جبينها.
وبست رجلي ابني الصغيرة.
ومشيت.
أربع أيام… وأنا بكلمهم على طول.
أمي دايمًا هي اللي بترد.
دنيا كانت بتظهر ثواني في الفيديو… شفايفها ناشفة… وعينيها
تقيلة.
“هي شكلها تعبان كده ليه؟” سألت.
أمي ردت بعصبية:
“لسه والدة يا أحمد! إنت مستنيها ترقص يعني؟”
أختي ضحكت في الخلفية:
“مراتك بتبالغ. الستات بتولد كل يوم.”
حاجة جوايا قالت إن في حاجة غلط.
بس صدقتهم.
في اليوم الرابع، خلصت بدري.
ماقولتش لحد.
ركبت أول مواصلة وراجعت، جايب معايا إسوارة صغيرة لياسين وعلبة حلويات دنيا بتحبها.
وصلت قبل الفجر.
باب الشقة كان موارب.
دخلت…
الصالة ساقعة جدًا—التكييف شغال على أعلى حاجة.
أمي وأختي نايمين على الكنبة تحت بطاطين تقيلة.
علب بيتزا.
إزازات كولا.
أكياس شيبسي في كل مكان.
مفيش أكل نظيف.
مفيش ميه دافية.
مفيش هدوم نضيفة للبيبي.
وفجأة… سمعته.
عيّاط.
ضعيف.
مبحوح.
كأن ابني فضل يعيط لحد ما صوته راح.
جريت على الأوضة.
دنيا مرمية على السرير… مغمى عليها.
هدومها متبهدلة… وشعرها مكركب.
وياسين جنبها… ملفوف في بطانية متوسخة… وشه محمر جدًا… وبيعيط من غير دموع.
“دنياااا!”
هزيتها…
مفيش رد.
لمست ابني…
وقتها الرعب ضرب في قلبي.
كان مولع نار.
شفايفه مشققة.
الحفاضة مبلولة.
ورقبته محمرة.
صرخت.
أمي دخلت تمثل إنها متفاجئة:
“في إيه؟!”
“في إيه؟!” صرخت فيها
“أنا اللي بسألك!!”
أختي دخلت وهي متضايقة:
“إنت مكبر الموضوع يا أحمد. الأطفال بتعيط، والستات بتنام. إنت داخل تعمل دراما!”
بصيت لهم…
للبطاطين.
للأكل المرمى.
لشفايف مراتي الناشفة.
ولجسم ابني اللي بيولع.
ماقولتش كلمة.
شيلت دنيا… وضمّيت ياسين على صدري…
وصرخت في الجار يودينا المستشفى فورًا…
وصلنا المستشفى والجو كان كأنه كابوس مش عايز يخلص. الدكاترة اتلموا على ياسينخلى الممرضة تبرق من . “الطفل عنده جفاف حاد إزاي سكتوا عليه كده؟”
دنيا دخلوها الرعاية المركزة، الدكتور قالي بذهول: “مرتك عندها حمى نفاس، وجرحها ملوث جداً لأن مفيش أي اهتمام أو نظافة.. لو كنت اتأخرت ساعة واحدة، كنت هتفقد الاتنين!”
قعدت في ممر المستشفى، ركبي مش شايلاني. شريط حياتي بيعدي قدامي.. إزاي كنت مغفل كده؟ إزاي صدقت إن اللي من دمي ممكن يهن عليهم دمي؟
فجأة لقيت أمي وأختي داخلين المستشفى، مش عشان يطمنوا، لا.. عشان يلموا الدور. أمي قربت مني وبدأت تعيط بتمثيل مكشوف: “يا ضنايا يا ابني، شوفت دنيا أهملت في الواد إزاي؟ كانت نايمة وسايباه يعيط لحد ما صوته راح، وإحنا كنا بنحاول نساعدها وهي تطردنا!”
بصيت لأمي، ولأول مرة في حياتي مشفتش الحنان اللي كنت موهوم بيه، شفت غل وحقد سنين. أختي منى كملت ببرود: “وعلى فكرة بقى، البيت ده لازم يتأمن.. اكتبه لماما يا أحمد، عشان لو دنيا جرالها حاجة، نضمن إن ياسين يتربى في بيت ملكه مش يترمي في الشارع مع أهلها.”
في اللحظة دي، الوجع اللي في قلبي اتحول لنار. قمت وقفت ومسحت دموعي، وبصوت هادي لدرجة مرعبة قلتلهم: “عندكم حق.. لازم كل حاجة تتأمن فعلاً.”
المواجهة الكبرى أمام القاضي
بعد أسبوعين، ياسين نجا بمعجزة، ودنيا فاقت بس كانت مكسورة، مش قادرة تبص في وش أمي. أمي كانت فاكرة إني وافقت على كلامها وبجهز ورق التنازل عن الشقة.
يوم الجلسة، أمي وأختي راحوا المحكمة وهما لابسين أحسن ما عندهم، فاكرين إننا رايحين نوثق عقد البيت. بس الصدمة كانت لما القاضي نده على اسم “أحمد طارق” في قضية (تعريض حياة طفل
للخطر والشروع في قتل مريضة إهمالاً).
أمي اتسمرت مكانها: “إيه ده يا أحمد؟ أنت اتجننت؟”
وقفت قدام القاضي، وطلعت موبايلي. “سيادة القاضي، أنا كنت مركب كاميرات مراقبة (صوت وصورة) مخفية في الصالة والمطبخ عشان أطمن على مراتي وأنا مسافر، وده اللي الكاميرات سجلته.”
الفيديو اشتغل في القاعة.. صوت ياسين وهو بيصرخ لساعات وأمي وأختي قاعدين بياكلوا بيتزا وبيضحكوا. صوت دنيا وهي بتستغيث بيهم يدوها مية أو يساعدوها تروح الحمام وأختي بترد عليها: “انخمدي بقى، بلاش دلع، إحنا مش خدامين عندك.”
والأصعب.. صوت أمي وهي بتقول لمنى: “سيبيه يعيط، لما يسخن ويمرض، أحمد هيعرف إن دنيا فاشلة ومش وش خلفة، وساعتها هيسمع كلامي ويطلقها ويرميها بالهدوم اللي عليها، والشقة هتبقى لينا.”
القاعة كلها سكتت. القاضي بص لأمي بنظرة احتقار خلتها تصغر وتختفي في مكانها.
كلمة الفصل والعدالة
نطق القاضي بحكمه: (حبس الحاجة فاطمة ومنى طارق سنتين مع الشغل بتهمة الإهمال الجسيم وتعريض حياة قاصر للخطر، مع تعويض مادي كبير لزوجة المجني عليه).
أمي صرخت: “أنت بتبني سعادتك على سجن أمك يا أحمد؟”
رديت عليها والدموع في عيني بس المرة دي دموع قوة: “أنا مابنيتش سعادتي، أنا أنقذت اللي فاضل مني. البيت اللي كنتي عايزة تسرقيه، أنا كتبته النهاردة باسم (ياسين وأمه) بيع وشراء نهائي.. والبيت اللي مفيش فيه رحمة، ميتسماش بيت.”
طلعت من المحكمة، روحت المستشفى لدنيا. كانت شايلا ياسين وواقفة عند الشباك. حضنتهم هما الاتنين وقلت لها: “الوعد اللي وعدتهولك وفيت بيه.. مفيش حد هيأذيه تاني، ولا هيأذيكي.”
دنيا ابتسمت وهي بتبص لياسين، وعرفت
إن الكابوس انتهى، وإن الحق لما بيرجع لأصحابه، بيبقى أقوى من أي غل وأي طمع. أمي وأختي خدوا جزاءهم، وأنا اتعلمت إن العيلة مش بس دم، العيلة هي اللي بتصونك في عز ضعفك، مش اللي بتستنى موتك عشان تورتك.
تمت.







