ثمن الغربة

«تلك المرأة حليقة الرأس لا ينبغي لها حتى أن تظهر وجهها ولدينا ضيوف!» صرخت أختي «شهد» من غرفة المعيشة، بينما كانت زوجتي «مريم» تجثو في الفناء الخلفي، تجمع شظايا طبق مكسور. كنتُ قد عدتُ للتو إلى الوطن بعد أربع سنوات شاقة من العمل في مصنع للمعادن في أقاصي الشمال الجليدي. لم يكن أحد يعلم بعودتي؛ فقد توقف المصنع مؤقتاً بعد حريق بسيط، وقررتُ استغلال هذه الأسابيع القليلة لأفاجئ عائلتي.
على مدار أربع سنوات، تحمّلتُ نوبات عمل مدتها اثنتا عشرة ساعة، وشتاءً قارساً تصل حرارته إلى عشرين درجة تحت الصفر، ووجبات طعام معاد تسخينها.
وفي كل شهر، كنتُ أرسل ما بين ألفين وألفين وخمسمئة دولار إلى الحساب البنكي لوالدتي.
كان من المفترض أن تُستخدم هذه الأموال لبناء بيت، وتأمين مستقبلنا، والاعتناء بزوجتي مريم. في المجمل، أرسلتُ أكثر من مئة ألف دولار.
وعندما وصلتُ، وجدتُ بيتاً من طابقين ببوابة ذهبية، وسيارة دفع رباعي جديدة، وأثاثاً فاخراً يبدو وكأنه أُخذ من مجلة ديكور.
شعرتُ بالفخر… حتى رأيتُ مريم واقفة بجوار حوض الغسيل. كانت نحيلة جداً لدرجة أن ملابسها كانت تتأرجح على جسدها وكأنها معلقة على هيكل عظمي.
كانت ترتدي قبعة صوفية رغم أن الطقس لم يكن بارداً.
وعندما تمكنت من التعرف عليّ، لم تركض نحوي أو ترتمي بين ذراعي، بل انكمشت على الجدار وغطت رأسها بكلتا يديها.
نزعتُ قبعتها… لم يكن لها شعر، وكان جلد رأسها مليئاً بجروح صغيرة، وكأن أحدهم مرر عليه شفرة حلاقة بإهمال.
خرجت أمي وهي ترتدي ثوباً حريرياً، وأساور ذهبية، وعقداً ثقيلاً. ومِن ورائها جاءت أختي شهد، تحمِل هاتفا حديثاً وحقيبة من ماركة عالمية، وفي أصابعها الكثير من الخواتم لدرجة أنها كادت لا تستطيع إغلاق يدها.
قالت أمي: «لا تثر أزمة يا جاسم… مريم استخدمت مواد كيميائية رخيصة فسقط شعرها، فضلاً عن أنها أصبحت مهووسة بإنقاص وزنها!»
وأضافت شهد: «إنها مجنونة، تعيش على حساب أموالك ولا تزال تطالب بالاهتمام!»
ثم لاحظتُ ضمادة طبية تحت كم مريم، وبقعة صفراء مائلة للزرقة حيث كان المحلول الوريدي مُتصلًا بها.
أردتُ المواجهة والمطالبة بتفسيرات، لكني أدركتُ أن البيت، والحسابات البنكية، وكل شيء تقريباً كان بأسمائهما. لو واجهتهما دون دليل، لاستطاعتا إخفاء الأموال وإلقاء اللوم في كل شيء على مريم.
لذا… كذبتُ.
قلتُ لهما: «عدتُ لأن الشركة ستمنحني حزمة تعويضات وأسهماً بقيمة تقارب أربعمئة ألف دولار، لكني بحاجة إلى إثبات أن لدي عقارات واستثمارات باسمي هنا أولاً».
تغيرت تعابير وجهيهما في اللحظة نفسها! أمسكت أمي بذراعي، وبدأت شهد على الفور تتحدث عن سيارة جديدة، ومُنتجع صحي، ورحلة استجمام.
في تلك الليلة، وفي الغرفة الصغيرة الرطبة التي خصصتاها لـ مريم، أخبرتني أخيراً بالحقيقة.
فتحت أزرار قميصها وأرتني أثر خزعَة جراحية. همست وهي تبكي: «أنا مصابة بسرطان الثدي… اكتشفوا الورم قبل خمسة أشهر».
كانت قد طلبت من أمي ثلاثمئة دولار فقط لرؤية الطبيب، لكن أمي رفضت، ووجّهت إليها اتهامات بافتعال الأمراض لسرقة أموالي، وحظرت عليها إخباري بأي شيء، بينما كانت شهد تراقب مكالماتها الهاتفية.
ومع غياب المال، قامت مريم بقص شعرها الطويل وبيعه مقابل مئة وخمسين دولاراً لتسدد تكاليف المواصلات والفحوصات الطبية.
بينما كانت أمي وأختي تتباهيان بمجوهراتهما الجديدة، كانت زوجتي تبيع شعرها لمجرد أن تعرف ما إذا كانت ستفارق الحياة!
احتضنتُها وبكيت، وطلبتُ منها أن تصمد لبضعة أيام أخرى فقط.
ثم أطفأتُ النور، وظللتُ أنظر إلى السقف، متطلعاً نحو الغرفة التي تنام فيها أمي وأختي برغد ورخاء… واتخذتُ قراري.
لم تكن لديهما أي فكرة عما كان على وشك الحدوث…
#### **الجزء الثاني**
في الصباح التالي مباشرةً، بدأتُ بالتصرف وكأنني أقسى زوج في العالم.
أمام أمي وشهد، تظاهرتُ بأنني أشعر بالخزي الشديد من مظهر مريم. انتقدتُ شكلها علناً، وأمرتها بالعودة إلى المطبخ، وأعلنتُ أنه بمجرد استلامي لمبلغ الأربعمئة ألف دولار، سأفكر جدياً في طلاقها.
كانت كل كلمة تنطق بها شفتي تحرق روحي، لكن تظاهري نجح بامتياز؛ فقد ألقتا حذرهما بالكامل أمامي ولم تعد تعبآن بإخفاء أي شيء.
في ذلك بعد الظهر، تركت أمي هاتفها دون قفل فوق الثلاجة عن طريق الخطأ. جربتُ استخدام تاريخ ميلاد شهد كرمز سرّي، وفتحت الشاشة على الفور!
اكتشفتُ حسابات استثمارية تبلغ مجموعها سبعين ألف دولار، وسجلات تحويلات استُخدمت لشراء سيارة جديدة لأختي، ودفوعات أقساط عقارية ضخمة تمت بعد أيام قليلة فقط من كل تحويل مالي كنت أرسله. أخذتُ صوراً واضحة لكل وثيقة ظهرت على الشاشة.
كما وجدتُ رسائل نصية كانت شهد تتوسل فيها للحصول على المال لشراء ملابس من ماركات عالمية، وتناول العشاء في مطاعم فاخرة، وسداد أقساط سيارتها، وكانت أمي تجيبها بانتظام: «لا تقلقي يا حبيبتي، سينقل أخوكِ المزيد من المال يوم الجمعة». بالنسبة لهما، لم يكن عملي الشاق والمضني مجرد دعم، بل كان مصدراً لا ينتهي من الأموال المجانية التي تعتقدان أنهما تتحكمان بها بالكامل.








