حلقوا شعري

نزلت من عندها وأنا مش شايف قدامي، الدموع اللي حابسها في عيني كانت حرقاني أكتر من النار. ركبت العربية وخدت هنا في حضني، وفضلنا قاعدين جوه العربية أكتر من ساعة. البنت مكنتش بتبكي، دي كانت بتترعش، ص,دمة طفلة شافت غدر
من حد المفروض إنه من أهلها.
كلمت مريم في التليفون وصوتي مخـ,نوق، أول ما سمعتني وعرفت اللي حصل، سابت النبطشية وجت جري على البيت. لما دخلنا وشافت البنت، مريم اتمرمت في الأرض من الصدمة، فضلت حاضنة هنا وبتعيط بحرقة وتقول حسبي الله ونعم الوكيل فيكِ يا شيماء.. ربنا ينتقـ,م منك يا مؤذية.
في الليلة دي، مريم عملت حركة عمري ما هنساها؛ جابت مكنة الحلاقة وقالت لي احلق لي راسي يا رأفت. رفضت وبكيت، بس هي صممت وقالت بنتك لازم تحس إن شكلها مش عيب، وإننا معاها في كل حاجة. وحلقت مريم شعرها ع الزيرو، وأنا كمان حلقت شعري، وبقينا احنا التلاتة شكل واحد عشان هنا ما تحسش إنها منبوزة أو لوحدها. مريم نزلت اشتريت لها تلت باروكات شكلهم جميل جداً، ولفات طرح ملونة شبه الأميرات، وقعدنا نقنعها إن ده لوك جديد للأميرات لحد ما شعرها يطول تاني.
يوم الحساب.. الأحد الصبح
شيماء كانت فاكراني رأفت الطيب، الغلبان اللي بيخاف من كلمة قطع صلة الرحم، وفاكرة إنها ماسكاني من إيدي اللي بتوجعني ببناتها. بس هي نسيت إن الشقة اللي هي قاعدة فيها دي.. مكتوبة باسمي أنا.
أنا اللي كنت شاري الشقة دي من خمس سنين تمليك عشان أأمن مستقبلي، ولما اتطلقت صعبت عليا وقعدتها فيها من غير ما تدفع مليم، وكنت بدفع لها مصاريف الغاز والمية والكهرباء باسمي، وبديلها فوقيهم مصروف شهري.
الساعة تسعة الصبح، كلمت سمسار معرفة وصاحب عمري اسمه عصام.
عصام، الشقة بتاعتي اللي قاعدة فيها أختي.. عايزها تتباع النهاردة قبل بكرة، وبأي سعر، وعايز عقد إيجار جديد للمشتري يستلم الشقة فوراً.
عصام قالي يا رأفت دي أختك!، قلت له بجفاف عمري ما حسيته قبل كده أنا معنديش إخوات.. الشقة للبيع يا عصام، والعمولة بتاعتك هتتضاعف لو خلصت النهاردة.
الشقة كانت في موقع لقطة وسعرها مرتاح، وعصام في ظرف تلات ساعات كان جايب مستثمر عايز يشتريها كاش عشان يأجرها. دخلنا الشهر العقاري، ووقّعت على عقود البيع، وقبضت الفلوس. المشتري الجديد كان راجل حوت ومبيخافش، ومعاه محامي بياكل الجو.
الانهيـ,ار الكبير
الساعة خمسة المغرب.. تليفوني بدأ يرن.
رقم شيماء.. كنسلت.
رنت تاني وتالت وعاشر.. مبردش.
بعدها بدأت تبعت رسائل صوتية على الواتساب، في الأول كانت بتهدد أنت باعت لي بلطجية يا رأفت؟ جايب لي ناس يقولوا لي الشقة اتباعت وعلينا إخلاء في ظرف 48 ساعة؟ أنت اتجننت؟
ما ردتش.
الرسالة اللي بعدها صوتها بدأ يتغير، الثقة والبرود اتمحوا وحل مكانهم الرعب رأفت.. رد عليا بالله عليك! الراجل واقف ومعاه المحامي وبيقولي لو ما طلعتيش هنرمي العفش في الشارع وهنعمل قضية طرد غصبي.. رأفت أنا أختك! هروح فين بالبنات؟
كتبت لها رسالة واحدة بس
مش أنتِ قلتي لي وريني هتعمل إيه يا راجل يا كبير؟ أنا وريتك. الشقة مابقتش ملكي، والراجل اللي شاري مش قريبي ولا يعرف يعني إيه صلة رحم. قدامك 48 ساعة تلمي هدومك وتطلعي، وإلا عفشك هترميه الشرطة في الشارع.
شيماء ملقيتش قدامها غير إنها تيجي لحد بيتي. الباب خبط خبط هيستيري، فتحت الباب ووقفت على العتبة ومنعتها تخش. كانت منهارة، عينيها حمرا، ودموعها نازلة من الخوف والبهدلة.
أبوس إيدك يا رأفت.. بلاش خراب بيوت، أنا ماليش غيرك! هروح فين ببناتي في الغلا ده؟ الإيجارات برة بتقطم الظهر وأنا معيش تمن إيجار شهر واحد!
بصيت لها وبرودي كان أقوى من دموعها بناتك؟ وأنتِ مفكرتيش في بنتي ليه وهي بتعيط وبتقولك لأ وأنتِ دايسة عليها بالمكنة؟ مفكرتيش في كسرة قلب طفلة عندها سبع سنين؟
صرخت وهي بتعيط كنت غبية.. كنت غيرانة منك ومن عيشتك ومن فرحة بنتك!
شيطان ودخل بيننا يا رأفت.. سامحني عشان خاطر دم أبويا وأمك!
قربت منها وقلت لها بكل حسم
دم أبويا وأمك أنا صُنته تسع سنين، شلتك وشلت عيالك وكنت باجي على بيتي وبنتي عشانك، وأنتِ ردتيلي ده بالغل والسم. من النهاردة.. مصروف مفيش، إيجار مفيش، نت ومية وكهرباء مفيش. شوفي بقى مين هيشيلك أنتِ وعيالك، وروحي للكوافير اللي بوظتي فيه نفسية بنتي خليهم يأكلوكي.
قفلت الباب في وشها.. ولأول مرة من سنين أحس إن صدري ارتاح.
النهاية
شيماء ملقيتش مأوى غير إنها تأجر أوضة وصالة في منطقة عشوائية بعيدة جداً، وباعت نص عفشها عشان تدفع تمن السمسار والمقدم، وبناتها اتنقلوا من مدرستهم الخاصة لمدرسة حكومية عادية لأن مفيش مصاريف. الضحكة الصفرا والتريقة اتمحت من حياتها للأبد، وبقت بتلف حوالين نفسها عشان تكفي لقمة العيش.
أما في بيتي.. الفلوس اللي بعت بيها الشقة، خدت منها جزء وحطيته وديعة باسم هنا في البنك عشان تأمن مستقبلها.
وبعد شهرين، شعر هنا بدأ ينبت تاني.. كانت كل يوم تبص في المراية وتضحك وهي شايفة شعرها الكستنائي بيطلع من جديد، بس المرة دي كانت بتضحك وهي حاسة إن وراها أب حقيقي.. سند، مبيسمحش لحد يكسر بنته، حتى لو كان الحد ده من دمه.
مرت الأيام، ورغم إن حقي وحق بنتي رجع، إلا إن الجرح اللي في قلب هنا كان محتاج وقت عشان يلم. في الأول، مكنتش بتوافق تنزل المدرسة غير وهي لابسة الباروكة أو الطاقية، وكانت بتخاف من نظرات صحابها. بس مع الوقت، وبسبب الدعم اللي شافته مني ومن مريم، بدأت ثقتها في نفسها ترجع تزيد يوم عن يوم.
بقينا نعمل من اللوك الجديد فُسحة وهزار؛ يوم نختار باروكة قصيرة شبه كابتن في طيارة، ويوم نعمل لفات حجاب ملونة ومبهجة، والكل في المدرسة والدرس كان متعاطف معاها وبيشجعها بعد ما مريم راحت للمديرة وفهمتها الموقف من غير الدخول في تفاصيل عائلية تشوه صورة البنت.
أما بالنسبة لشيماء، فالأخبار كانت بتجيلي من بعيد لبعيد عن طريق قرايبنا اللي حاولوا يتوسطوا في الأول، بس أنا قفلت الباب في وش أي حد جاب سيرتها.
عرفت إنها بعد ما سابت الشقة، راحت سكنت في منطقة شعبية متطرفة، في بيت قديم، وإيجاره برضه كان تقيل عليها. بناتها نادين ومريم، اللي كانوا بيضحكوا على هنا ويتريقوا عليها، بقوا هما كمان مكسورين بعد ما اتنقلوا من مدرستهم وبقوا شايفين أمهم بتتبهدل وتشتغل ورديتين في الكوافير عشان توفر حق الأكل والكهرباء.
في يوم من الأيام، وأنا شغال على العربية المستعملة بتاعتي، لقيت رقم غريب بيرن عليا. فتحت الخط، وسمعت صوت شيماء.. بس المرة دي مكنش صوتها فيه لا غل ولا حتى عياط هيستيري، كان صوت ميت، صوت حد اتهد تماماً.
قالت لي بنبرة هادية ومكسورة
أنا مش بطلب منك فلوس يا رأفت، ولا بطلب ترجعني الشقة.. أنا بس عايزة أقولك إني حصلي حادثة في الشغل والمقص دخل في عصب إيدي اليمين، ومبقتش قادرة أشتغل في الكوافير زي الأول.. أنا دُقت اللي عملته في بنتك، وربنا عاقبني في إيدي اللي اتمدت عليها وقصت شعرها. أنا بس طالباك تسامحني عشان ربنا يرفع عني.. البنات مالهمش ذنب يعيشوا في الرعب ده.
سكتت لثواني.. الكلام لمس قلبي القديم، بس لما افتكرت شكل هنا وهي بتترعش وفستانها البنفسجي غرقان دموع وشعر، قلبي جمد تاني.
قلت لها
يا شيماء، أنا مش
بدعي عليكِ، والمسامحة دي بينك وبين ربنا. أنا خرجتك من حياتي ومن حساباتي عشان أحمي بيتي. لو بناتك محتاجين مصاريف للمدرسة، أنا هبعت لهم اللي يقدرني عليه ربنا مع حد من القرايب، مش عشانك.. عشان هما مالهمش ذنب في غلك، وعشان أبويا وأم الله يرحمهم. لكن أنا وأنتِ؟ خلاص.. اللي انكسر عمره ما هيتصلح.
قفلت السكة، وحسيت إني عملت الصح. مسبتش بنات أختي يجوعوا عشان أرضي ربنا، وفي نفس الوقت مسمحتش لشيماء إنها تخش حياتنا تاني وتسـ,ممها.
بعد مرور سنة…
في يوم عيد ميلاد هنا التامن، كنا عاملين حفلة صغيرة في البيت. هنا كانت واقفة قدام المراية، ولابسة نفس الفستان البنفسجي اللي كان اتوسخ يومها.. مريم غسلته وشالتهولها لليوم ده بالذات.
بصيت على هنا في المراية.. شعرها الكستنائي كان رجع طول لحد كتفها، ناعم وبيلمع وزي الفل. مريم كانت بتسرحهولها وبتعملها الضفيرة اللي بتحبها.
هنا لفت وبصت لي، والابتسامة كانت مالية وشها وعينيها بتلمع بفرحة حقيقية مفيش فيها أي خوف. جريت عليا وحضنتني جامد وقالت لي
بابا.. بص، أنا بقيت شبه الأميرة تاني صح؟
شلتها ولفيت بيها في الصالة، ومريم واقفة بتضحك ودموع الفرحة في عينيها، وقلت لها
أنتِ أميرة طول عمرك يا قلب بابا.. وشعرك ده تاج، ومفيش أي حد في الدنيا يقدر يشيل التاج ده من على راسك طول ما أنا عايش وب نِفس في الدنيا.
في اللحظة دي عرفت إن الدرس انتهى، وإن ربنا لما بياخد حق المظلوم، بياخده تالت ومتلت، وبيرجع يبتسم للقلوب الطيب اللي استحملت وصانت الأصول.
بعد ما الحفلة خلصت، وهنا نامت وهي حاضنة فستانها والابتسامة مش مفارقة وشها، قعدت أنا ومريم في البلكونة بنشرب شاي، والدنيا حوالينا هادية.
مريم بصت لي وقالت عرفت آخر أخبار شيماء يا رأفت؟
تنهدت وقلت لها لأ.. وإنتِ عارفة إني مابقتش أسأل.
مريم حطت إيدها على إيدي وقالت بهدوء عمك جالي المستشفى النهاردة وهو بيجيب علاج، وقال لي إن شيماء بدأت تدي دروس خياطة للبنات في المنطقة اللي هي فيها. إيدها مابقتش قادرة على مقص الكوافير السريع، بس ربنا فتح لها باب رزق هادي على قدها، وعرفت إن القرش اللي بتبعته للبنات كل أول شهر مع عمك هو اللي شايل مصاريف مدرسة نادين ومريم.
سكتت شوية وأنا ببص للسما، وحسيت براحة غريبة.
الحمد لله يا مريم. أنا مش شمتان فيها، ولا كنت دايماً بتمنى لها الأذى.. أنا بس كان لازم أقف وقفة راجل وأحمي بنتي. ربنا هداها، وده اللي يهمني عشان بناتها الغلابة.
بداية جديدة ل هنا
الحياة دارت، وبقت هنا تكبر قدام عينينا والوجع القديم بيتحول لقوة. التجربة دي، رغم قسوتها، غيرت في شخصية بنتي كتير؛ مابقتش الطفلة اللي أي كلمة تكسرها، بقت قوية، واثقة في نفسها، ووعيت بدري إن قيمتها مش في مظهرها ولا في شعرها، بل في قلبها وفي الناس اللي بيحبوها بجد.
لما وصلت لسن عشر سنين، شعرها رجع أطول وأجمل من الأول، لحد ظهرها. وفي يوم، لقيتها جاية لي وبتقول لي
بابا.. أنا عايزة أقص شعري.
اتخضيت للحظة، وافتكرت اليوم المشئوم، وبصيت لها بقلق تقصيه ليه يا هنا؟ ده بقى جميل وطويل وزي الفل!
ابتسمت ابتسامة ناضجة مفيش فيها أي خوف وقالت عايزة أتبرع بيه لمستشفى سرطان الأطفال يا بابا. أنا عشت كام شهر من غير شعر، وعارفة الإحساس ده بيبقى صعب إزاي على البنات.. بس أنا كان عندي بابا ومريم وقفوا جنبي، الأطفال دول تعبانين ومحتاجين يفرحوا. وأنا شعري هيطول تاني عادي، أنا خلاص مابقتش أخاف.
في اللحظة دي، دموعي نزلت، بس المرة دي كانت دموع فخر. أخدتها في حضني وأنا مش مصدق إن الطفلة المكسورة بتاعت زمان بقت بالجمال والقوة والنبل ده.
بعد مرور السنين








