سر الفستان البرتقالي

ازداد ارتباك رانيا، ونظرت بسرعة ناحية أمي، وكأنها تطلب منها النجدة، لكن أمي نفسها كانت واقفة، وشفتيها مضغوطتين، وعينيها تتحرك بين الجدة وبين رانيا، وهي تعلم أن الكذب بدأ ينكشف أمام الجميع.
تدخلت أمي بسرعة، محاولة تغيير مجرى الحديث، وقالت بصوت عالي شوية يا ست الكل، ما يهمش التفاصيل دلوقتي، ده يوم فرح، كلنا مبسوطين، خلينا نكمل الحفلة!
لكن الجدة لم تلتفت إليها، وظلت عيناها مثبتتين على رانيا، وقالت بجدية لا يا سيدتي، يهم. لما بنقول إن حد عنده إنجاز، لازم نعرف إيه هو. عيلتنا مش بتتجوز على كلام معسول، ولا على مظاهر. إحنا بنعرف مين اللي قدامنا كويس جداً قبل ما ندخله بيتنا.
في تلك اللحظة، شعرت وكأن الحواجز التي بنوها حولي بدأت تنهار. نظرت إلى رانيا، ثم إلى أمي،
وكل ما مررت به من إهمال وسنين طويلة من التضحية دون تقدير، مر أمام عيني. لكنني قررت أن أظل هادئة، وأترك الحقائق تتحدث عن نفسها.
حاول رانيا الهروب من السؤال، وقالت أنا آسفة، الموضوع ده قديم شوية، والتفاصيل كتير، ومش فاكراها دلوقتي
ابتسمت الجدة ابتسامة باردة، وقالت قديم؟ ده حصل السنة اللي فاتت، وكل الصحف كتبت عنه، وحتى فيديو التكريم موجود على الإنترنت. إزاي اللي بيعمل حاجة زي دي ينسى تفاصيلها بسرعة؟
التفتت الجدة ناحيتي، ونظرت إلي بنظرة دافئة ومشجعة، وقالت وأنتِ يا بنتي؟ بما إنك قالت إنك تعرفيها، ممكن تشرحي لنا؟
شعرت بأن جميع الأعين تحولت ناحيتي. شعرت بنظرات الفضول، ونظرات التعجب، ونظرات الانتظار. حتى عريس رانيا ووالديه كانوا ينظرون بتركيز، وبدأت تظهر عليهم علامات الاستغراب والشك.
أخذت نفساً عميقاً، وبدأت أتكلم بصوت هادئ وواضح يسمعه كل من في القاعة المشروع اسمه المدن المستدامة الموفرة للطاقة، والفكرة بتاعته إننا نصمم وحدات سكنية ومرافق عامة بتستخدم مواد بناء صديقة للبيئة، وبتعتمد على الطاقة الشمسية والرياح بدلاً من الكهرباء العادية، وده بيخفض تكلفة المعيشة لأصحاب الدخل المحدود بنسبة كبيرة جداً، وبيحافظ على البيئة في نفس الوقت. الدراسة استغرقت
سنتين، وعملنا فيها مسوحات ميدانية في محافظات مختلفة، واختبرنا المواد في معامل متخصصة، وشاركنا بها في مؤتمر دولي في دبي، وبعدها حصلنا على الجائزة من المجلس الأعلى للبحوث الهندسية.
سكتت لحظة، ثم أكملت بهدوء والجائزة دي، حصلت عليها أنا، مريم عادل، قبل سنة بالظبط، واسمي مكتوب في كل الوثائق الرسمية، وفي الصحف، وعلى موقع الوزارة الرسمي.
انطلقت همسات من جميع أنحاء القاعة. بدأ الناس ينظرون إلى رانيا، ثم إليّ، وبدأوا يربطون بين الكلام وبين ما يرونه. شعرت أمي بالحرج الشديد، وبدأت وجهها يحمر، وحاولت مرة أخرى التدخل كلام فارغ، دي بتتخيل، هي عندها مشاكل في الذاكرة، زي ما قلت لكم
قاطعتها الجدة بحدة لأول مرة مشاكل ذاكرة؟ البنت بتتكلم بكل تفاصيل دقيقة، وبتعرف إسم المشروع، وهدفه، ومراحل تنفيذه، ومكان التكريم. أما اللي قالت إنها صاحبته، فمش عارفة حتى إسمه. إزاي بنصدق إن اللي بتتكلم الحقيقة هي اللي عندها مشاكل، واللي مش عارفة تتكلم هي الصح؟
التفتت الجدة إلى أمي، وقالت بنبرة صارمة وقبل كده، سألت عن جدتكم، وعرفت إن البنت دي هي اللي كانت تروح لها كل يوم، وتقعد معاها، وتدفع مصاريف علاجها من مرتبها الخاص، لما كانت البنت التانية مشغولة دايماً بحجج واهية. عرفت إنها هي اللي كانت شايلة عبء البيت كله لما أبوها تعب، وهي اللي بنت نفسها بنفسها، وعملت اسمها في مجالها، من غير مساعدة من حد. وكل ده، وانتوا جايين تقولوا إنها مش مستقرة نفسياً؟ ولبستوها فستان غير لائق عشان تظهروها بشكل سيء؟
شعرت بالدموع تتجمع في عيني، لكنني تماسكت. لم أكن أتوقع أن تأتي العدالة من شخص غريب، وليس من أهلي الذين من المفترض أن يكونوا أقرب الناس إليّ.
لم يكتفِ كلام الجدة، بل بدأت تفاصيل أخرى تظهر. كان هناك بين الحضور أحد المهندسين المعروفين، وهو يعمل في نفس المجال، ويعرفني جيداً. تقدم إلى الأمام، وقال بصوت عالٍ أنا أؤكد كلامها. الأستاذة مريم هي مهندسة متميزة جداً، وشركتها معروفة في السوق، والمشروع ده فعلاً من أعمالها، وكلنا نعرف ذلك. أما الأخت العروس، فلم أسمع باسمها أبداً في أي مجال عمل.








