أخبار

قبل ساعات من سفري عدت إلى المنزل لأنني نسيت جواز سفري

كسرتني تلك الكلمات.
أمي نفسها.
التي كانت ترجوني قبل أيام ألا أثير المشاكل حتى لا يتعطل الزفاف.
هي نفسها التي أصبحت تطلب مني اليوم أن أطالب بحقها.
انحنيت وقبلت جبينها.
وقلت
لن أسمح بذلك أبدًا يا أمي.
بعد دقائق أخذت الشرطة سارة.
لم تكن مكبلة في البداية خرجت مرفوعة الرأس.
تحاول التمسك بما تبقى من صورتها أمام الناس.
لكنها ما إن وصلت إلى باب المنزل ورأت الجيران يراقبون من خلف الأبواب والنوافذ…
حتى فقدت أعصابها صرخت بأعلى صوتها
أحمد!
قل لهم إن هناك سوء فهم!
لم أجب.
فعادت تصرخ
هل  حياتي كلها بسبب امرأة عجوز؟!
عندها فقط أخرج الشرطي الأصفاد وقيد يديها.
ولحسن الحظ. لم تكن أمي هناك لترى ذلك.
في تلك الليلة لم تكن

هناك رحلة سفر.
ولا عقد مهم.
ولا اجتماع عمل كنت أستعد له منذ أشهر.
كان هناك فقط مستشفى حكومي.
وكراسٍ بلاستيكية .
وأكواب قهوة باردة من آلة البيع.
بقيت أمي الملاحظة الطبية بسبب ارتفاع ضغطها.
التي تعرضت لها في وجهها.
أما أنا فجلست بجوار .
قلت لها
خذلتك يا أمي.
أدارت رأسها نحوي ببطء.
وقالت
لا يا بني.
قلت
بل فعلت.
أدخلت وحشًا إلى بيتنا وسميته حبًا.
ربتت على يدي بأصابعها الملفوفة بالشاش.
ثم قالت
الوحوش لا تدخل وهي تكشر عن أنيابها يا بني إنها تدخل حاملةً الورود.
بقيت تلك الجملة عالقة في ذهني.
ولم تغادره بعدها أبدًا.
عند الثالثة فجرًا وصلت أختي ليلى.
كانت عيناها متورمتين من البكاء.
وتحمل كيسًا فيه بعض الخبز والفاكهة وسترة لأمي.
وما إن رأتني حتى صفعتني.
لم تكن صفعة قوية.
لكنها كانت كافية.
وقالت
هذه لأنك لم تستمع إليها.
لم أدافع عن نفسي ولم أعترض.
ثم احتضنتني بقوة.
وقالت
وهذه لأنني أعرف أنك تتعذب من الداخل.
عندها انهرت وبكيت في ممر المستشفى كما لم أبكِ منذ يوم أبي.
دخلت ليلى إلى غرفة أمي.
أما أنا فبقيت في الخارج مع المحامي سامر.
نراجع تسجيلات الكاميرات.
لكنني لم أستطع مشاهدة المقاطع كلها.
ففي التسجيلات ظهرت سارة على حقيقتها منذ اللحظة التي غادرت فيها المنزل.
في اليوم الأول انتزعت جهاز التحكم من يد أمي.
وفي اليوم الثاني رمت فطورها في سلة المهملات لأنها قالت إنه يشبه طعام الفقراء.
وفي اليوم الثالث أخبرتها أن الفقير يبقى فقيرًا مهما نام على أفخم الفُرُش.
ثم بدأت الدفعات والإهانات وإخفاء الأدوية.
والتهديدات لكن هناك جملة واحدة مزقت روحي.
قالت سارة لأمي
إذا أخبرتِ أحمد بأي شيء فسأجعله يعتقد أنكِ بدأتِ تفقدين عقلك.
وفي كل تسجيل كانت أمي تخفض رأسها.
ليس لأنها ضعيفة بل لأنها كانت تحبني.
ولأنها كانت تحاول حمايتي من حقيقة لم أكن مستعدًا لرؤيتها.
وقبل طلوع الفجر أكد لي سامر أسوأ ما كنت أخشاه.
فقد بدأت سارة بالفعل إجراءات نقل أمي إلى دار رعاية خاصة تبعد ساعات عن المدينة.
بعيدًا عن منزلي وبعيدًا عن عملي.
وبعيدًا عن أي شخص يمكنه زيارتها دون سابق إنذار.
ولم تكتفِ بذلك بل أرسلت أوراقًا إلى شركة التأمين.
وغيّرت اسم المستفيد.
وحاولت الحصول على صلاحيات اتخاذ القرارات الطبية الخاصة بأمي مستندة إلى الوكالة المزورة.
شعرت فجأة أن كل ما بنيته في حياتي كان مجرد وهم.
المبنى الذي تقع فيه شركتي وسط أبراج المكاتب والزجاج اللامع…
والمشاريع التي كنت أديرها بملايين الدنانير وكل النجاح الذي كنت أفتخر به…
بدا لي في تلك اللحظة شيئًا لا قيمة له.
كنت أعرف كيف أبني عمارة من عشرين طابقًا.
لكنني لم ألاحظ أن بيتي نفسه كان ينهار أمام عيني.
وفي صباح اليوم التالي ذهبت إلى مركز الشرطة.
جلست هناك ساعات طويلة أدليت بأقوالي كاملة.
وسلمت كل ما أملكه من أدلة.
التسجيلات والرسائل والمستندات وسجلات المكالمات.
وملف دار الرعاية ونسخ وثائق التأمين.
وحتى إفادة مروان الذي كان شاهدًا على ما حدث.
كما حضرت سلوى، الموظفة في شركة التأمين.. كانت شاحبة الوجه وتضم ملفًا إلى صدرها وكأنها تخشى أن منها.
وبمجرد أن رأتني قالت بصوت متردد
سيطردونني من عملي.
قلت لها
لن أسمح بذلك إن كان الأمر بيدي.
هزت رأسها ببطء وقالت
أنا لم أفعل هذا من أجلك.
ثم سكتت لحظة.
وأضافت
فعلته من أجل أمك.
نظرت إليها دون أن أفهم.
فقالت
أمي توفيت في دار رعاية وكانت تشتكي دائمًا. لكن لم يكن هناك من يصدقها وعندما عرفنا الحقيقة… كان الأوان قد فات.
ارتجف صوتها في آخر جملة.
وحاولت أن تتمالك نفسها. لكن الدموع سبقتها.
وقفت أمامها عاجزًا عن الكلام ثم قلت بصوت خافت
شكرًا.
كلمة واحدة فقط.
لكنها خرجت من أعماق قلبي.
عندها بدأت هي بالبكاء.
وللمرة الثانية خلال أقل من أربع وعشرين ساعة…

مقالات ذات صلة
الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية
زر الذهاب إلى الأعلى