قبل ساعات من سفري عدت إلى المنزل لأنني نسيت جواز سفري

وجدت نفسي أبكي معها.
لكن سارة لم تلتزم الصمت طويلًا.
في البداية أنكرت كل شيء.
ثم ادعت أن أمي كانت تؤذي نفسها بنفسها.
وبعدها قالت إنني أنا من كنت أؤثر عليها وأدفعها لقول تلك الأمور.
ومع ظهور التسجيلات واحدًا تلو الآخر…
بدأت تغيّر روايتها.
حتى وصلت إلى حجة جديدة.
قالت في إفادتها الرسمية
أحمد كان يهملني وكنت أعيش تحت ضغط نفسي شديد.
عندما قرأ لي المحامي سامر تلك العبارة…
كدت أحطم المكتب من شدة الغضب.
قلت
ضغط نفسي؟!
رفع سامر يده وقال
لا تعطها ما تريده.
هي تحاول استفزازك.
لكن الحقيقة أن شيئًا بداخلي انكسر بالفعل.
لأنني أدركت أن بعض الناس قادرون على تحويل إلى أعذار إلى معاناة إلى متهمين.
بعد يومين جاء والد سارة.
الحاج أرشد ببدلة أنيقة.
وساعة باهظة الثمن.
وصوت هادئ.
ووجه رجل اعتاد أن يحل المشاكل بالمال.
طلب مقابلتي في مطعم فاخر وسط المدينة.
فوافقت.
ليس من أجل التفاوض بل لأعرف كم يساوي وجع أمي في نظرهم.
كان المطعم هادئًا والمفارش البيضاء تغطي الطاولات.
والعاملون يتحركون بصمت.
جلس أمامي وطلب ماءً معدنيًا.
أما أنا فلم أطلب شيئًا.
قال بعد لحظات
يا أحمد… ما حدث مؤسف.
نظرت إليه وقلت
لا تستخدم الكلمات الصغيرة لوصف المصائب الكبيرة.
تنهد وقال
ابنتي ارتكبت أخطاء.
قلت
أمي خرجت من بيتها بمعصم مكسور.
قال
سارة تمر بظروف نفسية.
فأجبته
كان عليكم علاجها قبل أن تمد يدها على امرأة كبيرة في السن.
تصلبت ملامحه قليلًا.
ثم قال
لا مصلحة لأحد في تحويل الموضوع إلى قضية رأي عام. شركتك على وشك توقيع عقد مهم والفضائح تضر بالسمعة.
في تلك اللحظة فقط فهمت من أين تعلمت سارة كل شيء.
أحيانًا لا يُورَّث المال فقط.
بل تُورَّث أيضًا.
سألته
كم؟
تظاهر بعدم الفهم.
وقال
عفوًا؟
قلت
بكم تقدر جرح أمي؟ وبكم تقدر كسر معصمها؟
بقي صامتًا.
ثم قال
أنا لم أقصد ذلك.
ابتسمت بمرارة.
وقلت
بل قصدته.
لكن بأسلوب أكثر تهذيبًا.
أخرجت صورة أمي من الحقيبة الصورة التي التقطت لها في المستشفى ووضعتها أمامه.
ثم قلت
انظر إليها.
حاول أن يشيح بوجهه. لكني تركت الصورة أمامه وتركت الصمت يقوم بالباقي.
ثم قلت
هذه المرأة باعت ما تملك حتى أكمل دراستي وهذه المرأة كانت تسهر الليالي بجواري عندما أمرض وهذه المرأة أبي ثم خرجت إلى عملها في اليوم التالي لأن الحياة لم تكن تنتظر أحدًا.
أما ابنتك فوصفتها بالخادمة داخل البيت الذي اشتريته لتعيش فيه ما تبقى من عمرها بكرامة.
خفض عينيه.
وقال
يا أحمد…
فقاطعته
لا يوجد اتفاق.
ثم وقفت من مكاني.
وأضفت
وإذا حاول أحد الضغط على أي شاهد أو أي شخص ساعد في كشف الحقيقة…
فسأحرص على أن تبقى هذه القضية أول ما يظهر كلما بحث أحد عن اسم عائلتكم.
ولم يحاول إيقافي.
في ذلك المساء ألغيت الزواج.
لم أكتب بيانًا طويلًا.
ولم أشرح شيئًا.
اكتفيت برسالة قصيرة
تم إلغاء مشروع زواج أحمد وسارة.
والأسباب أصبحت بيد الجهات المختصة.
ثم أغلقت هاتفي.
لكن الهدوء لم يدم طويلًا.
بدأت الاتصالات تتوالى.
أقاربها.
وأصدقاء مشتركون.
وشركاء عمل.
وأشخاص لم يسألوا مرة واحدة عن صحة أمي…
لكنهم كانوا يريدون معرفة الحقيقة كاملة.
وفي المقابل بدأت رواية سارة تنتشر.
قالت إنني متعلق بأمي بشكل مبالغ فيه.
وأن أمي كانت تتحكم في حياتي.
وأنها هي من تعرضت للأذى النفسي.
بل إن بعضهم بدأ يردد أن الإصابات كلها ملفقة.
عندها فعلت شيئًا لم أتخيل يومًا أنني سأفعله.
نشرت مقطع فيديو على الإنترنت.
ذلك تركته للقضاء.
بل فيديو قديم.
كانت سارة فيه تقدم القهوة لأمي أمامي.
وتقبل رأسها.
وتقول بابتسامة واسعة
والله يا خالة… أنتِ مثل أمي الثانية.
ثم نشرت صورة العصا المكسورة.
وكتبت تحتها سطرًا واحدًا
بعض الناس لا يجيدون التمثيل إلا عندما يكون هناك جمهور.
اعتنوا بآبائكم وأمهاتكم.
ولم أذكر اسمها.
لم أكن بحاجة إلى ذلك.
خرجت أمي من المستشفى في اليوم الرابع.
أخذتها إلى منزل ليلى، لا إلى منزلي.
ارتبكت أمي عندما أخبرتها بذلك.
وقالت بخوف
هل تريد أن تخرجني من بيتي يا بني؟
قلت لها
لا يا أمي.
أنا فقط أزيل السم
أولًا.
أمرت بتغيير الأقفال.
وإخراج الأثاث.
وفحص كاميرات المراقبة.
والتخلص من ملابس سارة.
وإزالة الصور.
وحرق بطاقات الدعوة.
أما فستان الزفاف فبقي داخل صندوقه حتى جاءت عائلتها وأرسلت من يستلمه.
وعرفت لاحقًا أن سارة اختارت فستانًا كان ثمنه أغلى من أول شاحنة اشتريتها عندما بدأت عملي.
فضحكت.
ليس لأن الأمر مضحك.
بل لأنني كنت على وشك أن أستبدل أمي بامرأة ترتدي ثوبًا أبيض.
وعندما عادت أمي إلى المنزل…
لم تعد رائحة المكان تشبه عطر سارة.
بل أصبحت تفوح منه رائحة شوربة الدجاج.
والقرفة.
والأرضيات النظيفة.
دخلت أمي ببطء.
متكئة على عصا جديدة اشترتها لها ليلى.
عصا خشبية خفيفة.
مرسوم عليها زهور صغيرة.
قلت
إنها جميلة.
فابتسمت وقالت
أجمل من أن تحملها امرأة عجوز مثلي.
جثوت أمامها مباشرة.
وقلت
لا أريد أن أسمعك تقولين ذلك مرة أخرى.
ارتجفت شفتها.
وقالت
هي كانت ترددها عليّ كثيرًا.
حتى صدقتها.
شعرت وكأن شيئًا يمزق صدري.
فقلت
إذن سنقتلع هذه الكلمات من رأسك.
في تلك الليلة تناولنا العشاء معًا.
أنا.
وأمي.
وليلى.
طعام بسيط.
يشبه الطعام الذي نشأنا عليه.
أكلت أمي القليل.
لكنها أكلت.
وفي منتصف العشاء قالت فجأة
في الحقيقة… كنت أحب سارة.
طرقت ليلى الطاولة بخفة.
وقالت
أمي!
لكن أمي أكملت
أحببتها لأنك كنت تحبها يا أحمد.
لم أستطع ابتلاع اللقمة.








