ابويا جالي البيت

علشان يستلف مني خمسين ألف جنيه، ومراتي هانته في المطبخ وقالت له يروح يشتغل.. إحنا مش بنك تسليف!.. أنا فتحت الخزنة وأديته الفلوس من غير ما أنطق بكلمة.. وما كنتش أعرف إن الفلوس دي هتكشف كدبة عشنا فيها سنين وسنين. بقلم منال علي أبويا كان واقف جنب الترابيزة، حاطط إيده في إيد بعض، كأنه بيعتذر للدنيا إنه لسه بيتنفس.
عمري في حياتي ما شفته بالمنظر ده..
هو.. اللي تلاتين سنة شيل أسمنت ورملة تحت شمس المحاجر بقلم منال علي
هو.. اللي كان يرجع من الشغل ضهره مكسور وهدومه غرقانة عرق، ومع ذلك يقعد جنبي يذاكر لي ويشرح لي الواجب.
هو.. اللي باع المكنة اللي حيلته وشقا عمره عشان يدفع لي مصاريف الكلية، وعمره ما مَنّ عليا ولا قالي أنا عملتلك.
دلوقتي.. كان واقف عينه في الأرض، مش قادر يبص في عيني.. وبصوت واطي زي الهمس قال بقلم منال علي
الفلوس دي مش ليا يا حسن.. دي حاجة ضرورية وسريعة.. طلقة لابد منها.
مراتي حتى ما كلفتش نفسها تبص له وهي واقفة قدام رخامة المطبخ بتقطع الخضار، وقالت ببرود يقص العمر
وهي من إمتى الحاجات ما كانتش ضرورية وسريعة؟ ما تخلصش يعني! بقلم منال علي
حسيت بصدرى بيتقفل، ونغزة في قلبي كأنها سِكّينة.
خمسين ألف جنيه..
بالنسبة لنا ما كانتش هتهد البيت ولا هتفقرنا.
لكن بالنسبة لأبويا.. كانت معناه إنه يبلع كرامته إيدينا عشان يطلبهم.
بصيت له وقولت بصوت مخنوق بقلم منال علي
يا با.. تعال معايا البلكونة نِشْرب كوباية شاي في الهوا.
طلعنا البلكونة، والجو كان كاتم ومخلوق. كان بيمسح إيده الخشنة في بنطلونه بتوتّر، وكأنه هو العيل الصغير وأنا الراجل الكبير اللي بيحاسبه.
يا ابني أنا ما كنتش عاوز أعمل لك مشاكل مع مراتك.. لو مش جاهزين أو صعبة عليك، أنا مقدر ومسامح يا حسن.
صعبة؟ بقلم منال علي
تسهل وتفوت يا با.. تفوت وتقل لجل خاطرك.
أنا أقدر طبعاً أطلعهم في ثانية.
لكن كنت عارف الخناقة اللي مستنياني جوة.. في جوازتنا دي، كل مليم لازم يتناقش وناخد فيه موافقة، أو ده اللي كانت مراتي بتقوله كل ما تلاقي قرار مش على هواها.
بصيت لملامح وشه التعبانة، وافتكرت لقطة قطعت شرايين قلبي من جوة.. بقلم منال علي
لما كنت في ابتدائي، وكنت محتاج جزمة جديدة عشان المدارس، أبويا وقتها قال إنه مش هيروح فرح ابن عمه عشان مش غاوي هيصة ووجع دماغ.. وبعد سنين طويلة عرفت الحقيقة؛ أبويا باع بدلته الوحيدة اللي كان بيحضر بيها المناسبات عشان يشتري لي الجزمة دي بقلم منال علي
عمره ما قالي..
عمره ما طالبني بتمنها..
كان دايماً يسند من غير ما يتكلم.
وقفت وقولت له بثقة بقلم منال علي
هيكونوا عندك حالا يا با.. عيب عليك ده أنت أبويا.
عينه لمعت بالدموع.. ما كانتش دموع فرحة، كانت دموع ستر وراحة بعد شيل الهم.
دخلت الأوضة، فتحت الخزنة وطلعت الرزمة.
مراتي وقفت قدامي وعينها بتطلع شرار بقلم منال علي
يعني هتعمل اللي في دماغك وتديله برضه؟
أيون.. هعمله.
تمام.. بس ما تجيش تشتكي بعد كدة لما يرجع يطلب تاني وتالت.
ما ردتش عليها بكلمة. بقلم منال علي
طلعت برة وأديت الفلوس لأبويا عند باب الشقة.
مسك الرزمة بإيد وقال بصوت حنين بقلم منال علي
هرجّعهم لك يا حسن.. قريب قوي أول ما ربنا يسهل.
ما تقولش كدة يا با.. فلوسك وخيرك مغرقنا.
ما .. يمكن خاف يطول الوقفة عشان ما يكبرش المشكلة بيني وبين مراتي.
أول ما قفلت الباب، المطبخ في وشي بقلم منال علي
أنت إزاي تاخد قرار مالي زي ده من غير ما ترجع لي؟ إحنا مش متفقين؟بقلم منال علي
ده أبويا يا نهى! أبويا!
ودي بيتنا وحياتنا ومستقبل عيالنا!
بيتنا..
الكلمة نزلت في ودني غريبة ومجرحة.
البيت ده اشتريناه بقرشين من شقايا وقرشين من شقاها.. صح.
لكن السبب اللي خلاني أتعلم، وأشتغل، وأكبر، وأعرف أشتري الشقة دي.. هو الراجل اللي لسه نازل على السلم دلوقتي وضهره محني من الشقا.
ليللتها ما تكلمناش..
هي نامت مدياني ضهرها.. بقلم منال علي
وأنا فضلت صاحي باصص للسقف، وفي بطني وإحساس بالذنب والوساخة مش عارف أهرب منه.
بعد تلات أيام.. وأنا في الشغل، تليفوني رن برقم غريب.
أيوة.. مع حضرتك حسن رسلان؟
أيوة أنا.. مين معايا؟
أنا الممرضة هدى من مستشفى القصر العيني.. والد حضرتك ساب الرقم ده كحالة طوارئ قبل ما يدخل العمليات.
وقفت على حيلي وقلبي في رجلي بقلم منال علي
عمليات؟ عمليات إيه؟ جراله إيه؟!
الممرضة سكتت ثانية، وبعدين قالت بصوت هادي ومتردد
يا أستاذ حسن.. والدك ما كانش واخد الخمسين ألف جنيه عشان ديون ولا جمعية.. والدك دفع الفلوس دي عشان يعمل بصمة وراثية مستعجل.. والنتيجة طلعت من ساعات..
مسكت التليفون بكل قوتي كأني هكسره وسألت بذهول
تحليل إيه؟ وبابا ماله ومال الكلام ده؟!
صوت الممرضة كان فيه حزن وكسرة وهي بتقول
والدك كان شاكك في حاجة من سنين وعاوز يتأكد قبل ما يعمل العملية الكبيرة دي.. والتحليل أثبت إن الراجل ……..
يتبع …
أكمل الممرضة سكتت لحظة كأنها بتختار أقل كلمة توجعني، وبعدين قالت
إن الراجل اللي ربيته واعتبرته ابنك طول السنين دي مش .
الخط وقع عليّا زي صاعقة.
حسيت الدنيا بتلف، والمكتب اللي أنا واقف فيه بقى ضيق أوي كأنه بيخنقني.
إيه إيه اللي بتقوليه ده؟!
صوتي طلع متكسر، مش صوتي أصلاً.
الممرضة كملت بسرعة وكأنها عايزة تهرب من ثقل اللي بتقوله
التحليل اتعمل بشكل مستعجل بناءً على طلب والدك قبل العملية وكان عنده شك قديم، وطلب يتأكد قبل ما يدخل أي تدخل جراحي خطير النتيجة وصلت، وهو قرأها وبعدها مباشرة طلب يتنقل المستشفى.
سكتت ثانية، وبعدين أضافت
وحالته الآن حرجة.
قفلت المكالمة.
بس أنا فضلت ماسك التليفون، مش قادر أحطه، كأني لو سيبته هقع.
ابن إيه؟
وأبويا اللي قدامي مش بس كان بيستلف 50 ألف ده كان بيحاول يثبت حاجة عمره ما كان قادر يقولها بصوت عالي.
رجعت بعقلي بسرعة لكل لحظة في حياتي معاه
كل مرة كان بيبصلي فيها كأنه شايف حاجة زيادة في وشي
كل مرة كان يسكت لما أكون في مشكلة، كأنه بيعتذر من غير ما يتكلم
كل مرة كان يتحمل أكتر من أي أب أعرفه
والمرة الوحيدة اللي طلب فيها حاجة كانت النهاردة.
رجلي خدتني لوحدها.
مشيت من الشغل من غير ما أتكلم مع حد.
المطر بدأ ينزل خفيف، بس أنا كنت جوايا .
وصلت المستشفى وأنا مش شايف الطريق من دموعي.
دخلت الاستقبال
والد حسن رسلان! فين والدي؟!
الممرضة بصتلي ، وبعدين قالت بهدوء
حالته دخلت العناية المركزة من دقائق بس في شخص مستنيك جوه قال لازم تشوفه قبل ما أي حاجة تحصل
قفلت بقية الجملة وهي بتبص ورايا بخوف.
قلبي وقف.
مين؟
سكتت
وبصت ناحية الباب اللي ورايا وقالت
مراتك.
رفعت عيني ببطء
ولقيتها واقفة هناك.
وشها مش نفس وشها في البيت.
ولا حتى نفس البرود.
كانت بتعيط عياط مختلف كأنها شايلة سر أكبر مننا كلنا وقفت قدامها ثواني كأن الزمن اتكسر.
نهى مراتي اللي طول عمرها بتكسب أي
خناقة بكلمة، كانت النهاردة واقفة مكسورة، إيديها ، وعينيها مليانة خوف حقيقي.
إنتي هنا ليه؟ أبويا فين؟
طلعت الكلمة مني بالعافية.
ما ردتش.
بصّت في الأرض، وبعدين رفعت عينيها وقالت بصوت مبحوح
أنا أنا كنت لازم أكون هنا قبل ما توصل.
قلبي دق أسرع.
تقصدي إيه؟!
سكتت تاني، كأنها بتتخانق مع نفسها، وبعدين فجأة قالت
حسن أبوك عارف الحقيقة من زمان.
الكلمة وقعت عليّا زي حجر تقيل.
عارف إيه؟!
قبل ما ترد، باب العناية المركزة اتفتح بسرعة، وخرج دكتور عليه ملامح توتر.
مين أهل المريض؟!
جريت عليه
أنا ابنه!
بصلي بنظرة غريبة نظرة فيها شفقة أكتر من الطب.
والدك صحي لحظات بسيطة، وطلب يشوفك فورًا بس حالته مش مستقرة، لازم تدخل لوحدك.
لفيت وشي ناحية نهى بسرعة
إنتي كنتي عارفة إيه؟! قولي دلوقتي!
دموعها نزلت وهي بتهمس
ادخل له الأول وهو هيقولك كل حاجة.
دخلت العناية وأنا قلبي بيدق كأنه هيخرج من صدري.
أبويا كان نايم على ، ماسك ماسك الأكسجين، وشه شاحب بشكل ما شفتوش في حياتي.
بس أول ما شافني
ابتسم.
ابتسامة صغيرة موجوعة.
رفع إيده بالعافية، وقال بصوت متقطع
قرب يا حسن
رحت ناحيته بسرعة، مسكت إيده
أبويا إيه اللي بيحصل؟ نهى بتقول حاجات غريبة وموضوع ال إيه ده كله؟!
سكت لحظة طويلة طويلة لدرجة إني حسيت إن أنفاسه بتضيع.
وبعدين قال جملة واحدة قلبت حياتي كلها
أنا اللي طلبت التحليل عشان أتأكد من حاجة واحدة بس
ابتلع ريقه بصعوبة، وكمل
كنت عارف إنك مش ابني.
اتجمدت.
بس قبل ما أتكلم، كمل بسرعة وهو بيبصلي بعيون كلها دموع
بس أنت ابني اللي اختارته مش اللي جابه .
الدنيا لفت بيا.
يعني إيه الكلام ده؟! إنت بتقول إيه؟!
رفع إيده التانية، وكان فيها ورقة صغيرة متنية نفس الورقة اللي الممرضة قالت عليها.
مسكها بإيدي المرتعشة، وقال
افتحها وهتفهم ليه أنا عمري ما نطقت بالحقيقة وليه آخر حاجة عملتها إني طلبت الخمسين ألف
سكت لحظة، وبصلي نظرة كسرتني
عشان أنا مش بس كنت يا حسن
أنا كنت بحميك من حاجة لو عرفتها ممكن تكره كل اللي عاش في حياتك.
ووقتها
الورقة وقعت من إيدي قبل ما أفتحها لأن صوت جهاز القلب بدأ يعلو بشكل مفاجئ
والدكاترة جريوا عليه
والنهارده حياتي كلها وقفت على زرار واحد هيتفصل في ثواني الورقة اتفتحت أخيرًا كأنها هي اللي قررت تتكلم بدل ما أنا أواجه الحقيقة.
عيوني جريت على أول سطر فيها
وساعتها حسّيت إن رجلي مش شايلاني.
نتيجة تحليل إثبات النسب
سكتت لحظة وأنا بقرأ.
وبعدين الجملة اللي تحتها خبطتني
لا توجد بين المريض حسن رسلان والأب المُسجّل
الورقة من إيدي تاني.
بس المرة دي ما وقعتش على الأرض.
وقعت على حياتي كلها.
بصيت لأبويا على الراجل اللي ربياني، اللي علّمني، اللي كان بيستحمل الدنيا عشاني
ولقيت دمعة نازلة من عينه وهو مغمّض.
كأنه كان عارف إن اللحظة دي جاية من زمان.
في نفس اللحظة، الراجل اللي دخل من الباب اتقدم خطوة وقال بصوت ثابت
قولتلك يا حسن أنا أبوك الحقيقي.
نهى وقفت بينا، كفاية كفاية بقى! الراجل على !
بس أنا ما كنتش سامع حد.
كل صوت في دماغي كان بيكسر بعضه.
بصيت للراجل الغريب إنت مين؟ وعايز مني إيه؟! ليه دلوقتي؟!
رد بهدوء مخيف أنا اللي سبتك وأنا اللي رجعت أطالب بحقي لما عرفت إنك هتضيع من إيدك.
ضحكت ضحكة قصيرة مجنونة حقي؟! وأنا كنت فين كل السنين دي؟! ده الراجل اللي هناك هو اللي شالني!
في اللحظة دي جهاز القلب صرخ تاني.
الدكاترة رجعوا يجريوا.
وواحد منهم قال بصوت عالي فقدنا النبض!
سكون.
ثانية.
اتنين.
أنا واقف مش قادر أتنفس.
وبعدين
الدكتور قال رجع النبض لكن الحالة خطيرة جدًا.
بس أنا ما ارتحتش.
لأني فجأة فهمت حاجة أخطر من نفسه
أبويا اللي ربايا كان بيودّعني مش بس بسبب المرض
لكن لأنه كان عارف إن الحقيقة وصلت.
والراجل اللي واقف قدامي مش جاي يعترف.
ده جاي يطالب بحاجة أكبر من الأبوة
جاي يطالب بيا أنا.
وقبل ما أتكلم، مدّ إيده بورقة تانية وقال
قبل ما تختار لازم تقرأ دي
لأنها هتقولك ليه أمك وليه اتسابَت وليه أنا اختفيت
وساعتها بس
حسيت إن اللي جاي مش مجرد حقيقة
ده انهيار كامل لحياة ما كنتش أعرف إنها كذبة من أولها الأجهزة بدأت تصفر بصوت عالي يقطع الأعصاب.
الدكاترة دخلوا بسرعة، واحد افصلوا الزايدة! جهزوا !
وأنا واقف مكاني مش قادر أتحرك.
الورقة اللي في إيدي بس مش قادر أفتحها.
نهى دخلت ورايا فجأة، صوتها مخنوق افتحها يا حسن دلوقتي!
بصيت لها بغضب ممزوج بالوجع إنتي عارفة إيه؟! قولي!
سكتت لحظة وبعدين قالت الجملة اللي كسرت آخر حاجة فيا
أبوك الحقيقي لسه عايش.
الدنيا سكتت.
حتى صوت الأجهزة حسّيته اختفى ثانية.
إيه؟
قبل ما أستوعب، الدكتور خرج من غرفة الإنعاش وهو بيزعق الحالة استقرت بصعوبة لكن لازم حد من العيلة يقرر نقل المريض فورًا!
بس أنا ما سمعتش.
كل اللي في دماغي جملة نهى بتتكرر أبوك الحقيقي لسه عايش
بصيت لها بذهول إنتي بتقولي إيه؟! أبويا هنا! على !
دموعها نزلت أكتر اللي بس فيه واحد تاني أبوك الحقيقي هو اللي كان السبب في كل حاجة وهو اللي
سكتت فجأة.
في اللحظة دي، باب المستشفى اتفتح بقوة.
وشخص دخل بخطوات سريعة ملامحه مألوفة بشكل .
رجل في الخمسينات عينيه عليّا أنا مش على .
وبصوت واطي قال
أخيرًا شوفت ابني.
اتجمدت.
نظرتي راحت بينه وبين وبين أبويا اللي بين الحياة
ومش قادر أفهم حاجة غير إن حياتي كلها كانت مبنية على كذبتين
واحد ربانى وواحد واقف قدامي دلوقتي بيقول إنه أبويا الحقيقي.
والورقة اللي في إيدي بدأت تتفتح لوحدها من صوابعي إيدي كانت وأنا باخد الورقة التانية منه.
مش خوف ده كان إحساس إن أي سطر هيتكتب فيها ممكن يمسح اللي باقي مني.
فتحتها.
بس المرة دي ما قدرتش أقرأ بسرعة.
الكلمات كانت تقيلة متعمدة كأنها مكتوبة مش بحبر.
في يوم 14 مارس حصلت لم يتم الإبلاغ عنها
وقفت عند السطر ده.
بصيت للراجل حادثة إيه؟
ما ردّش.
كمل قراية بصوت واطي كأنه بيحكم عليّا
الأم الحقيقية للطفل حسن تعرضت لظروف تهديد وتم إجبارها على ترك الطفل بعد ولادته مباشرة
قلبي وقع.
نهى صرخت فجأة كفاية بقى! إنتوا الراجل!
لكن الصوت جوايا كان أعلى منها.
كملت الورقة
تم تسليم الطفل لرجل عامل بناء فقير بناءً على اتفاق غير قانوني بهدف حمايته من جهة نافذة كانت تبحث عنه
رفعت عيني ببطء.
جهة نافذة؟ إنتوا بتتكلموا عن مين؟
الراجل الحقيقي سكت لحظة طويلة.
وبعدين قال الجملة اللي خلت الهواء يختفي من الأوضة
عيلة مراتك.
التفتّ لنهي بسرعة.
وشها اتغير.
اتسحب منه في ثانية.
إنتي إنتي عارفة؟
رجعت خطوة لورا حسن أنا كنت
قاطعها صوت جهاز القلب اللي في الأوضة التانية.
صفارة طويلة.
مستمرة.
مش بتتغير.
الدكاترة جريوا تاني.
لكن أنا ما اتحركتش.
لأني فهمت حاجة أخطر من كل اللي فات
أبويا اللي ربايا كان بيحميني من حاجة أكبر من الفلوس وأكبر من النسب
كان بيحميني من عيلة كاملة كانت مستعدة تمسح وجودي لو عرفوا الحقيقة.
والراجل اللي قدامي مش بس أب
ده بوابة أنا دخلتها من غير ما أعرف.
وفجأة
الدكتور خرج وهو بيهتف الحالة استقرت لكنه عايزكم كلّكم دلوقتي.
بصيت للاتنين.
واحد ربايا بالحب والصمت.
وواحد رجع بالحقيقة
وخطوتي اللي داخلة الأوضة دي كانت يا هتفهمني كل حاجة
يا هتمسحني أنا كمان من الدنيا وقفت قدام باب العناية المركزة ومش عارف أدخل ولا أرجع.
كل حاجة جوايا كانت بتتشد في اتجاهين.
أبويا اللي ربايا والراجل اللي اكتشفته فجأة إنه حقيقة مش كنت طالبها.
نهى كانت ورايا، صوتها واطي ما تدخلش دلوقتي مش وقت الكلام ده.
بس الباب اتفتح قبل ما أقرر.
الدكتور خرج وقال بسرعة المريض طلب يشوف ابنه الحقيقي بس مرة واحدة ورفض وجود أي حد تاني.
عيوني راحت تلقائي ناحية .
بصيت للراجل اللي قال إنه أبويا كان واقف بعيد، ساكت لأول مرة، كأن الكلام خلص منه.
لكن المفاجأة إن أبويا اللي ربايا فتح عينيه.
وكان بيبصلي أنا.
مش بيبص لحد غيري.
حرك إيده بصعوبة، وقال بصوت متقطع
ادخ ادخل يا حسن
خطوت جوه.
كل خطوة كانت تقيلة كأني داخل على نهاية مشهد مش حياتي.
قربت منه، مسكت إيده.
إيده كانت أبرد من أي مرة.
بس ضغطها كان لسه فيه قوة.
همس
الورقة قريتها؟
هزيت راسي.
ما قدرتش أتكلم.
ابتسم ابتسامة صغيرة جدًا، وقال
كنت عارف إن اليوم ده هييجي
سكت لحظة، وبعدين قال جملة كسرتني تاني
أنا اللي طلبت من أمك تخبيك من أبوك الحقيقي.
رفعت عيني بسرعة
ليه؟!
دمعت عينه
لأنه كان وأنت رضيع بسبب ميراث كبير وسر كبير
وقتها الباب اتفتح فجأة.
والراجل الحقيقي دخل بعصبية كفاية كذب بقى!
لكن أبويا رفع إيده وقال آخر قوة فيه
اسمعه يا حسن لأن اللي جاي أهم من أي حاجة اتقالت
وبصلي مباشرة
الورقة اللي في إيدك مش آخر الحقيقة
دي أولها بس
الجهاز بدأ يصفّر تاني أسرع أعلى
والدكتور صرخ فقدنا النبض!
لكن عيني أبويا ما بعدتش عني.
وكان بيهمس آخر جملة قبل ما الصوت يختفي
سامحني لأني اخترتك ابن بدل ما أحميك بالحقيقة الصوت في الأوضة اتكسر فجأة صفارة الجهاز بقت طويلة، ثابتة، كأنها حكم نهائي.
الدكتور صرخ شحن! بسرعة!
الدكاترة اتحركوا، واحد بيضغط على صدره، والتاني بيجهز .
وأنا واقف مش قادر أتحرك إيدي لسه في إيده.
إيده اللي كانت بتسحب مني الحياة دلوقتي وهي بتسيبني.
ضغطت عليها جامد ما تسيبنيش يا با ما تسيبنيش دلوقتي!
لكن مفيش رد.
عينه كانت مفتوحة نص فتحة ومثبتة عليّا.
كأنها آخر حاجة شايفها في الدنيا.
نهى دخلت فجأة، صوتها مخنوق حسن اطلع برا مش هتستحمل!
لكن أنا ما سمعتش.
كل اللي في دماغي كلمة واحدة
اخترتك ابن
يعني أنا طول عمري اختيار؟
مش ؟ مش نسب؟ اختيار؟
الدكتور تاني مرة كمان!
الجسم اتحرك لحظة وبعدين رجع تاني.
السكون رجع.
بس المرة دي مختلف.
الدكتور بصلي بنظرة طويلة، وبعدين هز راسه ببطء البقاء لله
الكلمة نزلت عليّا زي حجر في بئر.
إيدي سيبت إيده.
وقعت.
أنا وقعت جنب من غير ما أحس.
مش بكيت في الأول كنت بس ببصله.
كأني مستني إنه يقوم ويقول بتهزروا.
بس ما قامش.
الراجل الحقيقي كان واقف عند الباب، ساكت.
نهى كانت بتعيط بصوت مكتوم.
لكن أنا كنت حاسس إن في حاجة جوايا بتتفتح مش بتتقفل.
فجأة الممرضة دخلت بسرعة في ظرف اتساب مع المريض قبل مكتوب عليه اسم حسن رسلان.
بصيت لها.
وبصيت .
وبصيت للظرف.
مديت إيدي أخده.
إيدي كانت تقيلة كأنها مش بتاعتي.
فتحت الظرف ولقيت جواه ورقة واحدة بس.
مش تقرير.
مش تحليل.
رسالة بخط إيده هو.
والجملة الأولى فيها كانت كفيلة تقفل العالم كله حواليّا
لو وصلتك الرسالة دي يبقى هو اختار يرجع قبل ما أحميك منه أنا كمانالرسالة وقعت من إيدي بس عيني كانت لسه بتقرأها كأنها محفورة جوا دماغي.
لو وصلتك الرسالة دي يبقى هو اختار يرجع قبل ما أحميك منه أنا كمان
رفعت بصري ببطء ناحية الراجل اللي قال إنه أبويا الحقيقي.
كان واقف في آخر الممر، ملامحه اتغيرت.
مش بقى واثق زي الأول كان فيه ارتباك وقلق وخوف مش مفهوم.
نهى وقفت جنبي، همست حسن ابعد عنه
بس قبل ما أرد، الراجل الحقيقي تقدم خطوة وقال بصوت منخفض هو كدب عليك أبوك اللي هو اللي كان بيمنعك تعرف الحقيقة مش بيحميك مني بيحميك مني ومن نفسك.
سكت لحظة.
وبعدين كمل أنت مش مجرد ابن أنت المفتاح.
الدنيا سكتت تاني.
حتى صوت المستشفى حسّيته اختفى.
مفتاح إيه؟
قبل ما يرد، جالنا دكتور تاني جري في ملفات اتفتحت باسم المريض المتوفى وفي بلاغ رسمي بيتحقق فيه في قضية قديمة تخص اختفاء أطفال من سنين وكل الأدلة مربوطة باسمك!
قلبي اتجمد.
نهى شهقت إنتوا بتقولوا إيه؟!
الراجل الحقيقي ابتسم ابتسامة مريرة قلتلك هو المفتاح.
وفجأة مد إيده وقال معاك اختيارين يا حسن
إما تمشي معايا دلوقتي ونقفل الملف ده للأبد
أو تفتح الحقيقة كاملة وتعرف مين كان بيشتغل وراك من يوم ما اتولدت لحد النهاردة.
بصيت ناحية باب أوضة أبويا اللي ربايا
فاضي.
بس حسّيت كأن صوته لسه موجود جوايا بيهمس أنا اخترتك ابن عشان تعيش مش عشان تعرف .
سكتت لحظة طويلة
وبعدين أخدت نفس عميق.
وقولت
افتحوا الحقيقة كلها
الراجل الحقيقي غمض عينه لحظة كأنه كان عارف إن دي الإجابة اللي هتغير كل حاجة.
ونهى مسكت إيدي جامد لأول مرة وهي بتهمس بخوف إنت داخل على حاجة مش هتعرف ترجع منها يا حسن
بس أنا كنت خلاص مش راجع لحياتي القديمة.
أنا داخل على البداية الحقيقية اللي اتأخرت سنين تتكشف
(هذه القصة من نسج خيال المؤلف، وأي تشابه مع أحداث حقيقية أو أشخاص هو محض صدفة)








