قصص و روايات

روحت ازور بنتي

رحت أزور بنتي في بيتها في الأرياف، بس جوزها قالي إنها راحت تزور والدتها العيانة. استغربت جداً لأني كلمتها بالليل وقولتلها إني هاجي من القاهرة عشان أزورها، بس لما قولتله هنروحلها عند والدتك، اتجمد وبقى يبلصي كأنه شايف شبح! واللي شفته عند أمه كشف لي السر اللي عملوا المستحيل عشان يخبوه عني!

 

أنا سناء أم منة.. منة دي مش بس بنتي، دي تحويشة عمري وفرحتي الوحيدة اللي طلعت بيها من الدنيا بعد ما جوزي الله يرحمه سابني وسافر ورحل عن عالمنا. لما كبرت وبقت عروسة زي القمر، جالي محمد ابن صاحب جوزي يتقدملها.. ناس من الأرياف طيبين ومعروفين، ونعرفوهم من حياة المرحوم جوزي، وبنتي تعرفه ومعجبة بيه.. وافقت عليه وأنا مبسوطة جداً إني خلاص هشوفها عروسة بفستان أبيض.

يوم الفرح، وأنا دموعي نازلة من الفرحة، جاتلي أم العريس.. ست بشوشة كده وكلامها حلو، حطت إيدها على كتفي وقالتلي بنبرة حنونة: “يا سناء يا أختي، متقلقيش على بنتك واطمني.. دي هتعيش في شقة لوحدها، بيت من بابه بعيد عن بيتنا بمسافة، محدش هيدايقها ولا هيخنقها.”
ابتسمت وقولتلها: “ربنا يديم الود يا أم محمد.. أنتو ناس طيبين وعلى راسي، وحتى لو كانت ساكنة معاكم في نفس الأوضة مش هخاف عليها منكم، ده أنت الأصول كلها.”
ساعتها اتفاجأت بنهلة أخت العريس حطت إيدها على بوقها وطلعت منها ضحكة غريبة جداً.. ضحكة تريقة زي ما أكون قلت نكته! ولقيت أمها نغزتها بإيدها في جنبها وزغرتلها بعينها زغرة خلتها تسكت فوراً وتوطي رأسها في الأرض.
أنا استغربت الحركة أوي.. بس قلت في بالي يمكن متقصدش حاجة أو بتضحك على حاجة تانية، وعديت الليلة ورجعت القاهرة لبيتي الفاضي عليّا.

مرت الأيام، وكنت كل يوم أكلم منة في التليفون.. بس قلب الأم دليل. كل ما أكلمها فيديو، ألاقيها مش على بعضها. تتكلم كلمتين وتبلع ريقها بصعوبة، وكان في عينها خوف واضح، وتفضل تبص وراها كل شوية!
أسألها: “مالك يا منة؟ بتبصي وراكي ليه يا حبيبتي؟ فيه حد جنبك؟”
ترد بصوت مهزوز: “أبداً يا ماما.. ده بس أنا خايفة حد يخبط على الباب ومسمعوش.”

قلبي ما كانش مرتاح، والشك بياكل في صدري. وبعد جوازها بـ 15 يوم بالتمام والكمال، كلمتها فيديو.. أول ما فتحت الخط اتصدمت! عينيها كانت حمرا، وكأنها كانت بتبكي.
قولتلها: “مالك يا بنتي؟ عينيكي مالها حمرا كده ليه؟ جوزك زاعلك؟”
ردت بسرعة وهي بتحاول تبتسم: “لا يا ماما والله.. ده أنا كنت بخرط بصل كتير أوي للمحشي، والبصل حامي شوية.”
قلت لها ومن غير ما أفكر: “طب بقولك إيه.. أنا مش قادرة على بعدك أكتر من كده، أنا جاية أزورك بكره!”

أول ما نطقت الجملة، إيد منة اترعشت، وطبق صيني كان في إيدها وقع اتدشش على الأرض ميت حتة! وشها اتخطف وبقى لون الملاية البيضا، وقالتلي: “بكره؟! بكره ليه يا ماما؟!”
استغربت جداً من ردها وقولتلها: “إيه يا منة؟ هو إنتي مش عايزة تشوفيني ولا إيه؟!”
البنت اتوترت أكتر، وبقت تفرك في إيديها وقالت: “ما.. ما أنا بشوفك في التليفون أهو يا ماما!”
بصيت للشاشة بذهول وزعلت جداً. منة خدت بالها من زعلي ووشي، فقالت بسرعة: “مش قصدي يا ماما والله! أكيد نفسي أشوفك.. بس.. بس لو كنتي قولتيلي قبلها بيومين ولا حاجة كنت جهزت استقبال يليق بيكي!”
رديت بتعب: “أنا مش عايزة استقبال ولا عزومات ولا هيصة.. أنا عايزة أشوفك قدامي وأحضنك وأطمن عليكِ.”
البنت ابتسمت ابتسامة مكسورة وقالتلي: “خلاص يا حبيبتي.. تشرفينا وتنورينا.”
قولتلها: “خلاص، بكره هكون عندك من النجمة، قولي لجوزك بقى.”

تاني يوم الصبح بدري، ركبت ومشيت من القاهرة للأرياف، وأنا أعد في الساعات والدقايق عشان تفتحلي الباب وأخدها في حضني.
وصلت البيت.. خبطت على الباب بس أول ما اتفتح، خاب أملي تماماً! اللي فتحلي كان جوزها، مش منة.
دخلني ورحب بيا جداً بشراسة أو بشاشة زايدة عن اللزوم: “يا أهلاً يا حماتي! نورتينا والله، اتفضلي اتفضلي.”
دخلت الشقة وأنا بأتلفت حواليا وقلتله بلهفة: “أمال منة فين يا محمد؟”
قال بهدوء شديد وبارد: “راحت لأمي.. أصل أمي تعبت شوية ورنت عليها وقالتلها تعالي، ومنه اتكسفت تقولها لا.”
اتصدمت جداً! أنا مكلمة منة بالليل وقايالها إني جاية المشوار ده كله من القاهرة علشانها، معقولة مقدرتش تعتذر بحجة إن أمها جاية في السكة؟!
بصيتله بذهول وقولتلها: “إزاي بس؟! ده أنا قايلالها امبارح إني جاية!”
ابتسم بهدوء مستفز أوي، وقالي: “الجيات كتير يا حماتي متكبريش الموضوع.. تشربي إيه بقى؟”
رديت بيأس وقلة حيلة: “أي حاجة.. أي حاجة يا محمد.”

قام وراح على المطبخ يعمل شاي، وأنا بقيت أبص حواليا بقلق وشك بياكل فيا… معقولة بنتي تمشي وهي عارفة إن أمها جاية وعلى وصول؟ ومعقولة حماتها تبعتلها أصلاً في يوم زي ده وهي عارفة إني جاية أزورها؟ فيه إنّ في الموضوع.. فيه حاجة غلط شغالة من ورايا!
أول ما خرج محمد من المطبخ وشايل صينية الشاي، وقفت بسرعة ومن غير مقدمات قولتله: “هنشرب الشاي عند والدتك.. هروح أطمن عليها بالمرة وأشوف بنتي هناك.”
محمد اتصدم، والشاي وقع من إيده والصينية اترزعت على الأرض اتكسرت!
أنا استغربت أكتر وأكتر، وركبي بقت تخبط في بعضها من القلق على بنتي..
محمد حاول يهدى بس ملامحه كانت فضحاه وعرق غريب نازل من أورته، قالي وهو بيتأتأ: “طب.. طب ما ممكن تستنيها هنا يا حماتي؟ يمكن شوية وتيجي.. أو.. أو تبقي تزوريها يوم تاني، أمي تعبانة و…”
بصيتله بجمود وقولتله: “إنت مش عايزني أروح بيتكم ولا إيه يا محمد؟”
قال بسرعة وهو بتلخبط: “لا لا! ده كلام برضه يا حماتي؟ أنا قصدي يعني بدل ما تتعبي نفسك.. إنتي عارفة الطريق لحد بيت أمي زرع ومتعرج ومقرف وهيتعبك في المشي.”

ما أديتوش فرصة يكمل، مسكت شنطتي بقوة واتجهت بخطواتي ناحية الباب وأنا بقول: “أبداً، مفيش تعب ولا حاجة.. الحجة تعبها راحة ولازم أطمن عليها بنفسي، مش أصول أبداً أمشي وهي تعبانة وأنا على بابها.”
نزل معايا ومحمد بيمشي خطوة ويرجع خطوة، كان متوتر بشكل مش طبيعي، عينيه كانت بتزيغ في الزرع حوالينا وكان بيتنفس بصعوبة. وصلنا بيت أمه.. بيت طين قديم محاط بالشجر، الباب خشبي كبير. محمد قرب وخبط بقلق.. وأول ما اتفتح ودخلنا فهمت كل المستخبي واتكشف السر اللي عملوا المستحيل عشان معرفهوش، وياريتني ما عرفته، الصدمة كانت أكبر من عقلي بكتير!

أول ما الباب اتفتح، خرجت منه نهلة أخت محمد.. بس وشها كان أصفر زي الليمونة، وعينيها رايحة جاية برعب بيني وبين محمد. محمد أول ما شافها، هز رأسه حركة خفيفة وسألها: “أمك عاملة إيه؟”، وهي هزت رأسه بالرفض وعينيها مليانة دموع!
دخلت البيت وأنا رجليا مش شايلاني. الريحة جوه البيت كانت غريبة، ريحة بخور حامي مخنوق مع ريحة أعشاب كتمت نفسي، والبيت كان مظلم من بره رغم إننا كنا في عز الظهر.
صوت أنين دافئ وجاي من آخر الكوريدور، صوت أم محمد.. بس مش أنين تعب عادي، ده كان صوت شديد!
قلت بخوف وصوت مرتجف: “بسم الله.. فين منة يا محمد؟ فين والدتك؟”
محمد اتلخبط وقال وهو بيحاول يمسك إيدي يمنعني أتقدم: “استني بس يا حماتي، أمي في الأوضة جوه تعبانة أوي ومش هينفع…”
ما استنيتش يكمل كلامه، نفضت إيده بقوة وزقيت باب الأوضة اللي طالع منه الصوت.. وهنا كانت الصدمة!

على السرير كانت نايمة أم محمد، وشها كان شاحب، وعينيها مربوطة بشاش أبيض من جبهتها. وجنب السرير.. منة!
منة بنتي، تحويشة عمري، كانت قاعدة على الأرض، إيديها وجسمها بيترعش من التوتر والضغط النفسي والخوف. البنت كانت ماسكة طبق فيه مية دافية وبتكمد جبهة حماتها، وأول ما دخلت وبصيتلي، عينها جات في عيني.. صرخت صرخة مكتومة وغطت وشها بإيديها وبقت تبكي بهستيريا وتشهق: “ماما! يماما امشي.. امشي من هنا أرجوكي!”

أنا وقفت متثمرة في مكاني، عقلي مش قادر يستوعب المشهد. قربت منها، اترميت على الأرض وجريت مسكت إيديها، لقيتها بتترعش من كتر القلق.
رفعت وشها بالعافية، وزعقت بأعلى صوت عندي: “إيه ده؟! إيه اللي جرالك يا منة؟! مين تعبك كده يا بنتي؟! انطقييي!”
منة كانت بتبص لمحمد ولأخته ورعب الدنيا كله في عينيها، ومش قادرة تنطق بكلمة، بس تبكي وتترجاني أمشي.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى