طلب ياكل

طلب ياكل مقابل إنه يعزف على البيانو فضحكوا عليه، لحد ما أول نغمة خلّت القاعة كلها تسكت.
أنا مش عايز حد يديني حاجة ببلاش قال الراجل العجوز. بس اسمحولي أعزف أغنية، وفي المقابل ادوني طبق أكل.
ثانيتين كاملين محدش رد.
وبعدين
الضحك بدأ.
الراجل كان واقف عند مدخل قاعة حفلات فخمة في جوادالاخارا.
كان لابس جاكيت أخضر قديم، وبنطلون باين عليه الاستهلاك، وجزمة مليانة تراب.
وقدامه أكتر من 150 شخص، كلهم لابسين شيك وجايين على عشا خيري لجمع التبرعات.
رجال أعمال.
دكاترة.
أصحاب مناصب.
ناس متعودة تدخل أي مكان وتلاقي اللي يستقبلها بابتسامة.
الليلة دي كانوا مجتمعين عشان يدعموا بناء مركز جديد للمحاربين القدامى وعائلاتهم.
ومع ذلك
لما ظهر راجل عجوز شكله محتاج بالضبط المساعدة اللي هما بيقولوا إنهم جايين عشان يقدموها، محدش تقريبًا حتى قام من مكانه.
الراجل ده دخل إزاي؟ سأل واحد.
طلّعوه بره رد صوت تاني.
العجوز ما جادلش حد.
كان عنده حوالي 78 سنة، شعره رمادي ومبعثر، ودقنه قصيرة، وواضح إنها ما شافتش موس حلاقة من كام يوم.
اسمه كان إرنستو سالجادو.
لكن محدش في القاعة كان يعرف ده لسه.
عينيه لفّت ببطء على الترابيزات المفروشة بمفارش بيضا، والكوبايات، والأطباق الغالية، والنجف اللي متعلّق من السقف.
وبعدين بص تاني للبيانو الكبير الأسود الموجود على منصة صغيرة.
أغنية واحدة بس كرر كلامه. وبعدها لو عايزينني أمشي، همشي.
رجع يضحك كذا شخص.
قام راجل اسمه ريكاردو فالديز من ترابيزة قريبة.
كان عنده 47 سنة، ورئيس اللجنة المسؤولة عن جمع التبرعات.
عيلته بقالها عشرات السنين شغالة في مجال العقارات، وهو اتربى وسط الفلوس والعلاقات والفرص.
بص ريكاردو للعجوز من فوق لتحت.
دي حفلة خاصة.
فاهم.
يبقى أكيد فاهم كمان إن مش أي حد يقدر يدخل هنا.
إرنستو هز راسه.
عشان كده أنا بعرض حاجة في المقابل.
وأشار ناحية البيانو.
أنا بعرف أعزف.
ناس كتير ضحكت تاني.
ريكاردو ابتسم.
بس ابتسامته ما كانتش لطيفة.
إنت؟
أيوه.
على البيانو ده؟
لو تسمحولي.
ريكاردو بص حواليه.
واضح إنه لقى الموضوع مسلي.
بالنسبة له كان مجرد عرض للتسلية قدام الضيوف.
طيب قالها وهو بيبتسم. نعمل اتفاق.
القاعة بدأت تهدى.
اعزف أغنية كاملة. ولو ماخلّيتناش نهرب من القاعة، أنا بنفسي هطلب لك عشا.
كام شخص صفقوا على فكرته.
لكن إرنستو ما اتحركش.
ريكاردو كمل
بس خلينا نخليها مسلية أكتر. لو قدرت تخلي شخص واحد بس من الموجودين هنا يتأثر بجد هديك عشرين ألف بيزو.
المبلغ خلّى الناس تبدأ تتهامس
وتضحك.
بالنسبة لمعظم الموجودين، المبلغ ماكانش ثروة.
لكن إنهم يعرضوه على العجوز بالطريقة دي، خلّى الموضوع كله يتحول للعبة.
من ناحية المطبخ، كانت دانييلا كروز بتبص على اللي بيحصل.
كانت عندها 24 سنة، بتدرس خدمة اجتماعية، وبتشتغل في المطعم بالليل عشان تساعد نفسها في مصاريفها.
من أول ما إرنستو دخل، هي ما ضحكتش ولا مرة.
كانت حاولت تقرب منه وتديله مية، لكن المسؤول عن المكان وقفها.
وقال لها بصوت واطي
مالكيش دعوة. روحي شوفي الترابيزات بتاعتك.
دانييلا أطاعته.
لكن فضلت تراقب العجوز.
كان في حاجة مش راكبة.
الموضوع ماكانش هدومه بس.
كان في طريقة وقوفه.
كان باين عليه التعب، آه
لكن ماكانش باين عليه إنه مهزوم.
بعد ما ريكاردو خلّص شرح الرهان، إرنستو هز راسه بهدوء.
عشرين ألف لو حد اتأثر؟
لو شخص واحد دمّع بجد.
موافق.
ريكاردو اڼفجر في الضحك.
دي هتبقى حفلة!
إرنستو اتحرك ناحية البيانو.
مشي ببطء.
بعض الناس كانوا بيتكلموا عن قد إيه هيحتاج وقت قبل ما يغلط.
وآخرين طلعوا موبايلاتهم عشان يصوروا.
دانييلا حست بإحراج من اللي بيحصل.
وصل إرنستو للكرسي قدام البيانو، وعدّى صوابعه على الخشب.
إيديه كانت كبيرة.
عليها آثار سنين طويلة، وندوب، ومفاصل شكلها اتغير مع العمر.
ريكاردو قال له
خد بالك البيانو ده تمنه أغلى مما تتخيل.
إرنستو بص له.
الحاجات الغالية برضه ممكن تتكسر.
ريكاردو عقد حواجبه.
إيه؟
ولا حاجة.
قعد إرنستو.
ولكام ثانية، فضل باصص للمفاتيح.
ريكاردو شبك دراعاته وقال بسخرية
نسيت تبدأ منين؟
ضحكات جديدة ملأت القاعة.
إرنستو رفع إيده.
وضغط على مفتاح واحد.
صوت النغمة انتشر في القاعة كلها.
نغمة مثالية.
نقية.
متحكم فيها.
وفجأة
الضحك اختفى.
القاعة كلها سكتت.
ولما إرنستو نزل صوابعه تاني على مفاتيح البيانو
ماكانش فيه شخص واحد في القاعة يتخيل إيه السر اللي العجوز ده كان مخبيه عنهم كل السنين دي.
واللي حصل بعد كده
كان كفيل إنه يغيّر نظرة كل الموجودين له للأبد ووو
حكايات زيزي
إرنستو ما بدأش بأغنية مشهورة.
بدأ بمقطوعة هادية جدًا
نغماتها كانت بسيطة في البداية، لدرجة إن بعض الناس افتكروا إنهم هيملّوا.
لكن بعد ثواني قليلة، إيده اليمين بدأت تتحرك بسرعة أكبر، وإيده الشمال دخلت معاها بإيقاع عميق ومنظم.
القاعة كلها كانت ساكتة.
حتى ريكاردو، اللي كان واقف من شوية بيضحك، بطل يبتسم.
إرنستو كان بيعزف وعينيه مغمضة.
وكأنه مش موجود في القاعة أصلًا.
وكأن كل نغمة بتفتح باب قديم جوه ذاكرته.
دانييلا قربت خطوة من باب المطبخ.
ولأول مرة، لاحظت حاجة غريبة.
إرنستو كان بيحرك رجله مع الموسيقى بنفس الإيقاع تمامًا.
لكن الحركة ماكانتش حركة شخص بيتسلى.
كانت حركة شخص قضى سنين طويلة قدام البيانو.
فجأة، واحدة من السيدات على ترابيزة قريبة حطت إيدها على صدرها.
وبصوت خاڤت قالت
أنا سمعت المقطوعة دي قبل كده
الرجل اللي جنبها سألها
فين؟
ما ردتش.
كانت مركزة مع إرنستو.
بعد لحظات، إرنستو غيّر اللحن.
وهنا حصل شيء أغرب.
واحد من الضيوف قام واقف.
كان رجل في الستينات، اسمه مانويل.
وجهه اتغير تمامًا.
حد سأله
إنت كويس؟
مانويل ما ردش.
كان بيبص لإرنستو وكأنه شاف شبح قدامه.
إرنستو فتح عينيه للحظة.
عينيه قابلت عيني مانويل.
وتوقف جزء من الثانية.
بس رجع كمل.
دانييلا لاحظت النظرة.
وحست إن بينهم معرفة قديمة.
لكنها ما فهمتش إزاي.
الموسيقى استمرت.
ومع كل دقيقة، كان واضح إن إرنستو مش بيعزف عشان يكسب العشرين ألف بيزو.
كان بيعزف عشان يوصل رسالة لشخص واحد في القاعة.
والشخص ده كان مانويل.
وفجأة
إرنستو بدأ يعزف لحنًا مختلفًا تمامًا.
لحنًا قصيرًا من أربع نغمات.
أول ما سمعه مانويل
وقع الكوباية من إيده.
صوت الزجاج وهو بيتكسر على الأرض دوّى في القاعة.
الكل بص له.
ريكاردو قال
مانويل؟
لكن مانويل ما كانش سامع حد.
كان بيهمس
مستحيل
إرنستو وقف العزف.
ولأول مرة من بداية الليلة، رفع رأسه وبص مباشرة ناحية مانويل.
وقال بهدوء
قلت لك يومها إني هرجع.
القاعة كلها اتجمدت.
ريكاردو بص من واحد للتاني.
إنتوا تعرفوا بعض؟
مانويل ما ردش.
إرنستو قام من على الكرسي.
ومد إيده داخل جيب الجاكيت القديم.
طلع ظرف بني صغير.
حطه فوق البيانو.
وقال
أنا ماجتش هنا عشان الأكل.
ثم بص لريكاردو.
ولا عشان العشرين ألف بيزو.
وبص ناحية مانويل.
أنا جيت عشان وعد اتقال من أربعين سنة وحان وقت تنفيذه.
دانييلا حست بقشعريرة.
أما مانويل، فبدأ وشه يشحب.
وقال بصوت متقطع
إنت إزاي لسه عايش؟
القاعة اڼفجرت في الهمس.
إرنستو ابتسم ابتسامة حزينة.
دي أول حاجة محتاج تعرفها.
ثم فتح الظرف.
وأخرج منه صورة قديمة جدًا.
صورة بالأبيض والأسود.
وحطها قدام الجميع.
في الصورة كان فيه ثلاثة شباب واقفين جنب نفس البيانو.
واحد منهم كان إرنستو.
والثاني
كان مانويل.
أما الشخص الثالث
فكان رجلًا لم يعرفه أحد من الموجودين.
إلا أن ريكاردو أول ما شاف الصورة
اتراجع خطوة للخلف.
لأن الرجل الثالث كان والده.
والصمت اللي نزل على القاعة بعدها كان أثقل من أي موسيقى.
إرنستو بص لريكاردو وقال
أبوك ماحكالكش اللي حصل في الليلة
دي.
ريكاردو ابتلع ريقه.
إيه اللي حصل؟
إرنستو ما ردش فورًا.
حط الصورة على البيانو، وبص للضيوف.
قبل ما أحكي فيه حاجة لازم تعرفوها.
وأشار للقاعة الفخمة.
المكان ده اتبنى بفلوس اتسرقت من ناس ماقدروش يدافعوا عن
نفسهم.
الوجوه اتغيرت.
ورجل من آخر القاعة قال بعصبية
إنت بتتهم مين؟
إرنستو بص لهدوء.
أنا ما باتهمش حد.
ثم أشار للظرف.
أنا جايب الدليل.
وفي اللحظة دي
انفتح باب القاعة فجأة.
ودخل رجل مسن آخر، متكئًا على عصا.
أول ما شاف إرنستو
توقف مكانه.
وقال بصوت مرتجف
لا
إرنستو بص له.
وقال
كنت مستنيك أنت كمان الرجل المسن فضل واقف عند الباب، وإيده ماسكة العصا بقوة.
كان اسمه خوسيه.
وأول ما إرنستو نطق اسمه، وشه اتغير.
إنت ماكانش المفروض ترجع أبدًا قالها خوسيه بصوت واطي.
إرنستو ابتسم ابتسامة قصيرة.
وأنا كمان كنت فاكر كده.
ريكاردو قرب منهم.
حد يفهمني إيه اللي بيحصل هنا؟
خوسيه بص لريكاردو، وبعدين بص للصورة الموجودة فوق البيانو.
ولما شاف والده واقف جنب إرنستو في الصورة، قال
الصورة دي لازم تختفي.
دانييلا شهقت.
ليه؟
خوسيه بص لها بحدة.
دي مش حاجة تخصك.
إرنستو رد بهدوء
بالعكس هي تخص كل واحد موجود هنا.
وسحب الظرف ناحية طرف البيانو.
لأن الفلوس اللي اتجمعت النهارده مرتبطة بنفس الحكاية.
ريكاردو عقد حاجبيه.
إنت بتقول إيه؟
إرنستو أخرج ورقة قديمة.
حوافها كانت صفراء ومتآكلة.
مدها لريكاردو.
ريكاردو أخدها.
بدأ يقرأ.
وبعد أول سطر، ملامحه اتغيرت.
دي مستحيل.
اقرأها للآخر.
ريكاردو كمل.
كل كلمة كانت بتخليه أكثر توترًا.
وفي الآخر رفع عينيه.
التوقيع ده
إرنستو قال
توقيع أبوك.
القاعة بدأت تمتلئ بالهمسات.
ريكاردو هز رأسه.
أبويا ماټ من عشر سنين.
وأنا عارف.
يبقى إزاي الورقة دي ظهرت دلوقتي؟
إرنستو قرب خطوة.
لأنها كانت معايا من قبل ما أبوك ېموت.
سكت لحظة.
ثم قال
لكني ماكنتش أقدر أظهرها.
مانويل أخيرًا تكلم.
إرنستو كفاية.
إرنستو بص له.
لأ.
كانت أول مرة صوته يعلى.
أربعين سنة وأنا ساكت.
أربعين سنة وأنا شايل ذنب مش ذنبي.
وأربعين سنة وأنا مستني اليوم اللي أقدر فيه أقول الحقيقة من غير ما حد يقدر يدفنها تاني.
مانويل نزل عينيه للأرض.
دانييلا بدأت تفهم إن الحكاية أكبر بكتير من مجرد موسيقي عجوز.
إرنستو رجع قعد على كرسي البيانو.
حط إيده على المفاتيح.
لكن المرة دي ماعزفش.
قال
قبل أربعين سنة، كنا تلاتة.
وأشار للصورة.
أنا، مانويل، ووالد ريكاردو.
كنا بنشتغل في نفس المكان.
ريكاردو سأله
فين؟
إرنستو بص له مباشرة.
في مؤسسة كانت بتساعد المحاربين القدامى.
القاعة سكتت تمامًا.
لأن ده نفس الهدف اللي الحفلة اتعملت عشانه.
إرنستو كمل
وكان فيه صندوق مخصص لعلاج المصابين وعائلاتهم.
كل شهر كانت بتدخل تبرعات كبيرة.
لكن جزء من الفلوس كان بيختفي.
مانويل غمض عينيه.
إرنستو قال
في البداية افتكرنا إن الموضوع خطأ في الحسابات.
بعدين اكتشفنا الحقيقة.
ريكاردو قرب منه.
وإيه الحقيقة؟
إرنستو مد إيده للظرف.
إن حد كان بيسرق الفلوس.
ولما أنا حاولت أتكلم
توقف.
وبص لمانويل.
اتطلب مني أسكت.
مانويل قال بسرعة
أنا ماكنتش صاحب القرار.
إرنستو رد
لكنك كنت موجود.
وكنت عارف.
مانويل ما قدرش يرد.
ريكاردو بص له.
كنت عارف؟
مانويل رفع عينيه.
لكن قبل ما يتكلم
إرنستو أخرج من الظرف شريط تسجيل صغيرًا قديمًا.
حطه فوق البيانو.
وقال
وده سبب رجوعي الليلة.
ثم الټفت لريكاردو.
التسجيل ده عليه صوت أبوك.
ريكاردو مد إيده للشريط، لكن إرنستو سحبه بعيدًا.
لسه.
قبل ما تسمعه لازم تعرف إن فيه شخص رابع كان موجود في الليلة دي.
دانييلا سألت
مين؟
إرنستو بص ناحية باب القاعة.
ثم قال
الشخص اللي بسبب شهادته أنا قضيت أربعين سنة بعيد عن بلدي.
وفي اللحظة دي
واحد من الضيوف اللي كان قاعد في آخر القاعة وقف فجأة.
إرنستو أول ما شافه
وشه اتغير.
وقال
إنت؟الرجل اللي وقف في آخر القاعة ما اتحركش.
كان في أوائل الستينات، لابس بدلة رمادي غامق، وشعره أبيض بالكامل تقريبًا.
بص لإرنستو بثبات.
كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
إرنستو قبض إيده.
أنا كنت أتمنى ما يجيش.
ريكاردو بص للرجل.
إنت مين؟
الرجل ما ردش.
بدل ما يجاوب، مشي ببطء ناحية البيانو.
كل خطوة كان صوت حذائه واضح في القاعة الساكتة.
لما وصل قدام إرنستو، قال
أربعين سنة ولسه فاكر كل كلمة قلتها.
إرنستو رد
وأنا كمان.
دانييلا قربت من المكان، رغم إن المسؤول حاول يمنعها.
لكن المرة دي محدش اهتم.
الرجل مد إيده للظرف.
إنت جبت الورق؟
إرنستو هز رأسه.
كله.
والتسجيل؟
موجود.
الرجل أخذ نفسًا طويلًا.
يبقى مافيش سبب نكمل في السر.
ريكاردو اڼفجر
سر إيه؟!
الرجل بص له.
اسمك ريكاردو، صح؟
أيوه.
أنا عرفت والدك قبل ما تكون موجود.
ريكاردو قال بعصبية
إنت مين؟!
الرجل رد
اسمي أليخاندرو.
ثم أشار إلى إرنستو.
وكنت شاهدًا على اللي حصل له.
إرنستو قال
شاهد وساكت.
أليخاندرو نزل عينيه.
كنت خاېف.
كلنا كنا خايفين.
لكن خۏفي خلاني أعمل أسوأ حاجة ممكنة.
مانويل قال بصوت مرتجف
أليخاندرو، بلاش.
أليخاندرو الټفت له.
لأ يا مانويل.
كفاية سكوت.
ثم بص لريكاردو.
أبوك ماكانش مجرد واحد بيشتغل في المؤسسة.
ريكاردو سأل
كان إيه؟
أليخاندرو سكت ثواني.
ثم قال
كان الشخص اللي ماسك الحسابات.
ريكاردو اتراجع.
ده مش معناه إنه سرق.
إرنستو
قال
لأ.
ثم فتح الظرف وأخرج كشف حساب قديم.
لكن ده معناه إنه كان الوحيد اللي يقدر يعمل اللي حصل.
ريكاردو أخذ الورقة.
وبدأ يقراها.
الأرقام كانت ضخمة بالنسبة للزمن ده.
تحويلات.
شيكات.
أسماء.
وتواريخ.
ثم وقف عند اسم معين.
الاسم ده
إرنستو قال
اقرأه.
ريكاردو ابتلع ريقه.
الاسم ده موجود في كل التحويلات.
أليخاندرو قال
لأنه كان الحساب اللي بتروح له الفلوس.
ريكاردو رفع عينيه.
حساب مين؟
ماحدش رد.
إرنستو فتح ورقة تانية.
وحطها قدامه.
ريكاردو قرأ الاسم.
وشه اصفر.
مستحيل
مانويل قال
ريكاردو، اسمعني.
ريكاردو صړخ
اسكت!
القاعة كلها انتفضت.
طول عمرك بتقول إن أبويا كان رجل محترم!
مانويل ما ردش.
ريكاردو رجع يبص للورقة.
ثم قال
الحساب ده باسم أمي.
إرنستو هز رأسه.
أيوه.
الصمت نزل على القاعة.
دانييلا بصت لإرنستو بدهشة.
يعني والدة ريكاردو كانت متورطة؟
إرنستو ما جاوبش مباشرة.
قال
الورق بيقول إن الحساب باسمها.
ثم بص لريكاردو.
لكن الورق ما بيقولش مين اللي كان بيستخدمه.
ريكاردو رفع رأسه.
وإنت عايز تقول إيه؟
إرنستو قال
عايز أقول إن والدك ماكانش السارق الوحيد.
مانويل غمض عينيه.
أليخاندرو شد على عصاه.
ثم قال
فيه شخص واحد بس يعرف الحقيقة كاملة.
ريكاردو سأله
مين؟
أليخاندرو بص ناحية باب القاعة.
أمك.
ريكاردو تجمد مكانه.
أمي ماټت من خمس سنين.
إرنستو قال بهدوء
أنا عارف.
ثم أخرج ورقة أخيرة.
وعشان كده أخفيت الورقة دي أربعين سنة.
ريكاردو مد إيده بسرعة.
لكن إرنستو ما سابهاش.
استنى.
لأن اللي مكتوب فيها مش عن الفلوس.
ريكاردو قال
عن إيه؟
إرنستو بص له.
عن اللي حصل في الليلة اللي اختفيت فيها من المؤسسة.
مانويل بدأ يرتجف.
دانييلا لاحظت ذلك.
ثم فجأة
صدر صوت من مكبرات الصوت.
صوت تسجيل قديم، مشوش، لكنه واضح بما يكفي.
جملة واحدة فقط خرجت منه
لو إرنستو اتكلم مش هنقدر نوقفه.
القاعة كلها سكتت.
إرنستو غمض عينيه.
لأنه كان حافظ الصوت ده.
أربعين سنة كاملة
وهو مستني يسمعه مرة تانية.
فتح عينيه وبص لمانويل.
دلوقتي
قالها بهدوء.
هنسمع التسجيل كله ضغط أليخاندرو على زر التشغيل.
في البداية، خرج صوت تشويش قوي من السماعات.
ثم ظهرت أصوات رجال يتكلمون في مكان مغلق.
الصوت الأول كان لرجل كبير في السن.
والصوت الثاني
كان واضحًا جدًا.
كان صوت والد ريكاردو.
لازم الموضوع يخلص الليلة.
القاعة كلها تجمدت.
ريكاردو قرب من السماعة كأنه مش مصدق ودانه.
جاء صوت مانويل من التسجيل
وإرنستو؟
رد والد ريكاردو
إرنستو مش هيسكت.
ثم ساد صمت لثوانٍ.
وبعدها قال
عشان كده لازم نخليه يختفي.
ريكاردو رجع خطوة للخلف.
بص لمانويل.
إنت كنت هناك
مانويل ما ردش.
الصوت استمر
هنقول إنه سرق الفلوس وهرب.
صوت أليخاندرو ظهر لأول مرة في التسجيل
لكن ده كڈب.
والد ريكاردو رد بحدة
محدش طلب رأيك.
أليخاندرو قال
الراجل بريء.
وإنت عايز تخسر شغلك؟
سكت
أليخاندرو.
ثم جاء صوت ارتطام قوي.
وبعده صوت إرنستو.
أنا سمعت كل حاجة.
القاعة كلها شهقت.
إرنستو نفسه كان واقفًا دون حركة.
كأنه عاد للحظة نفسها التي عاشها منذ أربعين سنة.
ثم جاء صوت والد ريكاردو
يبقى أنت اخترت.
وانقطع التسجيل فجأة.
دانييلا قالت
وبعدين؟
أليخاندرو ضغط زر التشغيل مرة أخرى.
لكن هذه المرة لم يخرج صوت.
الشريط كان انتهى.
ريكاردو قال
يعني أبويا لفّق له التهمة؟
إرنستو هز رأسه.
أيوه.
وخلاك تختفي؟
أيوه.
طب ليه رجعت بعد أربعين سنة؟
إرنستو بص للبيانو.
مرر أصابعه فوق المفاتيح.
وقال
لأنني وعدت شخصًا واحدًا إني هرجع لما أقدر أثبت براءتي.
ريكاردو سأله
مين؟
إرنستو ما ردش.
بدلًا من ذلك، أخرج من جيبه صورة صغيرة.
صورة لرجل شاب واقف أمام مستشفى.
وفي إيده ظرف.
دانييلا قربت.
ولما شافت الصورة، قالت
ده مين؟
إرنستو قال
ابني.
سكتت القاعة.
ابنه؟
ريكاردو بص للصورة.
إنت عندك ابن؟
إرنستو ابتسم بحزن.
كان عندي.
الجملة وقعت على الجميع كالصاعقة.
لما اتلفقت لي التهمة، خسړت شغلي وبيتي وسمعتي.
لكن أسوأ حاجة حصلت كانت إن ابني صدق إني كنت مچرم.
دانييلا قالت بهدوء
وماعرفش الحقيقة؟
إرنستو هز رأسه.
ماټ قبل ما أقدر أشرح له.
سادت لحظة صمت طويلة.
ثم قال
قبل مۏته بأيام، بعت لي رسالة.
أخرج ورقة مطوية بعناية.
قال فيها لو أنت بريء ما تسيبش الحقيقة ټموت معاك.
ريكاردو نزل عينيه.
لأول مرة، بدأ الڠضب على وجهه يتحول إلى شيء آخر.
شيء أقرب للعار.
لكن مانويل فجأة قال
التسجيل مش كامل.
الجميع الټفت إليه.
إرنستو ضيق عينيه.
عارف.
مانويل قال
الجزء اللي سمعناه مش هو اللي يثبت كل حاجة.
إرنستو رد
عشان كده جبت النسخة الأصلية.
وأخرج شريطًا ثانيًا من جيبه.
مانويل شحب.
لأ
إرنستو رفع الشريط أمامه.
ده التسجيل اللي خبّيته أنت.
مانويل اقترب منه.
إرنستو، اسمعني.
لأ.
أنا كنت خاېف.
وأنا كنت خاېف.
أنا عندي عيلة.
إرنستو بص له بحزن.
وأنا كان عندي عيلة.
مانويل سكت.
إرنستو وضع الشريط الثاني داخل الجهاز.
ضغط زر التشغيل.
خرج صوت قديم.
لكن هذه المرة
الصوت الذي ظهر لم يكن صوت والد ريكاردو.
كان صوت امرأة.
هادئًا
وواضحًا.
أنا عارفة إنكم بتسمعوني.
ريكاردو تجمد.
لأنه عرف الصوت فورًا.
صوت أمه.
ثم قالت في التسجيل
ولو حصل لي أي حاجة، إرنستو لازم يعرف الحقيقة كاملة.
ريكاردو رفع إيده إلى فمه.
أمي
الصوت استمر
الفلوس ما اتسرقتش بالطريقة اللي إنتوا فاكرينها.
ثم جاءت الجملة التي جعلت إرنستو نفسه يرفع رأسه فجأة
الشخص اللي أخد الفلوس ماكانش أبو ريكاردو.
صمت.
ثم قالت
كان شخصًا آخر.
وانقطع التسجيل.
إرنستو بص لأليخاندرو.
أليخاندرو كان يبص للأرض.
ودانييلا لاحظت حاجة غريبة
لأن ريكاردو لم يكن ينظر إلى إرنستو أو مانويل.
كان ينظر إلى أليخاندرو.
وقال
إنت كنت عارف.
أليخاندرو لم يرد.
ريكاردو كرر
إنت كنت عارف مين سرق الفلوس.
وأليخاندرو أخيرًا رفع عينيه.
وقال
أيوه.
ثم أضاف
وأنا جاي الليلة عشان أقول اسمه أليخاندرو سكت لحظات، والقاعة كلها كانت مستنية الاسم.
ريكاردو قرب منه.
مين؟
أليخاندرو بص لإرنستو أولًا.
قبل ما أقول الاسم لازم تعرف حاجة.
إرنستو ما ردش.
الشخص ده ماكانش غريب عنكم.
ريكاردو قال
كان مين؟
أليخاندرو أخذ نفسًا عميقًا.
كان واحد من الناس اللي كانوا بيشتغلوا معاكم في المؤسسة.
مانويل قاطعه بسرعة
أليخاندرو، كفاية.
أليخاندرو لف له.
أنت سكت أربعين سنة.
أنا مش هسكت الليلة.
ثم أشار إلى ريكاردو.
لأنك من حقك تعرف الحقيقة.
ريكاردو قال بعصبية
قول اسمه!
أليخاندرو فتح فمه
لكن قبل ما ينطق، سمعوا صوت كرسي بيتحرك في آخر القاعة.
كل الرؤوس اتلفت.
كانت سيدة كبيرة في السن قاعدة لوحدها.
اسمها سيلفيا.
كانت من أوائل الضيوف اللي وصلوا للحفلة.
ومن بداية القصة، ما اتكلمتش تقريبًا.
وقفت ببطء.
وشالت حقيبتها.
إرنستو أول ما شافها
اتجمد.
قال




