قصص و روايات

حماتي والزيت

اسمي ياسمين، ودي الليلة اللي حياتي كلها اتغيرت فيها بسبب إن العشا اتأخر سبعتاشر دقيقة. كانت الساعة بتقرب من الثامنة والربع، والمطبخ مليان بخار. الأرز لسه بيستوي، والفراخ على ، والسفرة لسه ما اتجهزش. إيديا كانت من التعب، لكني كنت بحاول أخلص كل حاجة قبل ما جوزي محمود يرجع.

 

أما حماتي أم محمود…

فكانت شايفة إن التأخير ده إهانة ليها.

وقفت قدامي وهي ماسكة ، وقالت وهي بتبصلي بنظرة كلها كراهية:

“لو ابني دخل من الباب وماشمش ريحة الأكل السخن… أقسم بالله النهارده هتعرفي مين صاحبة الكلمة في البيت ده.”

ما رديتش.

كنت عارفة إن أي كلمة  جديدة.

من برّه، بيتنا كان في كمبوند راقي، جنينة واسعة وعربية فخمة قدام الباب.

لكن من جوّه…

كان سجن.

كل يوم فيه إهانة جديدة.

وأم محمود كانت السبب.

جت تقعد عندنا أسبوعين عشان “تغير جو”، لكن الأسبوعين بقوا ثمانية شهور.

ثمانية شهور وهي بتفتش أوضتي، وتقرر هنطبخ إيه، وتنتقد لبسي، وتشتكي لابنها من أي حركة بعملها.

وكان محمود…

ولا مرة صدقني.

قبل الجواز كنت شغالة مديرة مشروعات في شركة كبيرة، مرتبي ممتاز، وبسافر في شغلي.

بعد الجواز، أقنعني أسيب كل ده.

قال إنه نفسه يبني أسرة مستقرة.

وبعدها بدأ يتحكم في كل حاجة.

راجع مصاريفي.

فتش تليفوني.

وبقى قدام الناس يقول إني عصبية، ومحتاجة علاج نفسي.

بقيت محبوسة في بيت كنت فاكرة إنه هيكون أماني.

في الساعة 8:17، وصلتني رسالة من محمود:

“أنا داخل… خلّي العشا جاهز، ومش عايز أي مشاكل.”

بصت حماتي للساعة وقالت بسخرية:

“متأخرة سبعتاشر دقيقة… حتى الخدامة أشطر منك.”

المرة دي ماقدرتش أسكت.

طفيت النار، وبصيتلها بثبات لأول مرة.

وقلت:

“لو سمحتي… ماتتكلميش معايا بالطريقة دي تاني.”

ضحكت باستهزاء.

“ده بيت ابني… وإنتِ قاعدة فيه بكرمه.”

رديت بهدوء:

“لأ… البيت باسمي أنا.”

وسكت لحظة قبل ما أكمل:

“ومن بكرة الصبح… هتمشي من هنا.”

اتغير وشها فجأة.

مدت إيدها ناحية البوتاجاز.

افتكرت إنها بتهددني…

صرخت من شدة الألم.

النار أكلت كتفي وصدري وضهري، ووقعت على الأرض وأنا بحاول أبعد عن جسمي.
وقفت فوق راسي وقالت بمنتهى البرود:

“عشان تعرفي إن الحماة ليها احترام.”

في نفس اللحظة دخل محمود.

شافني مرمية على الأرض.

وشاف أمه ماسكة الطاسة.

استنيت يجري ينقذني…

لكنه قفل باب الشقة الأول.

وبص لأمه وقال:

“إيه اللي حصل؟”

ردت بكل هدوء:

“عملت اللي إنت ماعرفتش تعمله… ربيتها.”

حاولت أوصل لتليفوني عشان أطلب إسعاف.

لكن محمود سبقني.

مسك الموبايل.

وبدل ما يتصل بالإسعاف…

بدأ يفتحه.

قالت أمه بسرعة:

“امسح الرسايل… وخليها تقول إنها قلبت عليها حلة الشوربة.”

آخر حاجة سمعتها قبل ما أفقد الوعي…

كانت موافقته.

—

لما فتحت عيني، كنت في المستشفى.

ريحة المطهر مالية المكان، وجسمي كله ملفوف بالشاش، وكل نفس باخده كان .

من ورا الستارة، سمعت محمود بيقول للدكتور:

“مراتي كانت مستعجلة… وقعت عليها حلة الشوربة. أمي حاولت تنقذها.”

وأضافت أم محمود وهي بتمثل الحزن:

“البنت بقالها فترة حالتها النفسية تعبانة.”

قفلت عيني وأنا حاسة إن حقي هيضيع.

وفجأة…

قربت مني دكتورة وهمست:

“يا ياسمين… ماتتكلميش.”

بصيتلها.

واتصدمت.

كانت الدكتورة رنا…

بنت خالتي.

ابتسمت وقالت:

“دي مستحيل تكون .”

وبعدين همست:

“الشرطة في الطريق.”

حسيت إن الأمل رجع.

لأن رنا كانت الوحيدة اللي تعرف إن فيه كاميرا مراقبة مخفية في المطبخ…

صورت كل اللي حصل.

رفعت الستارة، وبصت لمحمود وقالت:

“قبل ما الضباط يدخلوا… ممكن تفسرلي ليه فيديو الكاميرا بيبين والدتك وهي بترمي  على مراتك عمدًا؟”

اختفى اللون من وش محمود.

واتجمدت أم محمود مكانها.

وفي نفس اللحظة…

بدأ باب أوضة المستشفى يفتح ببطء…

دخل ظابط المباحث ومعاه اتنين أفراد، وخلفهم وكيل النيابة.

بص مباشرة لمحمود وقال:

“أستاذ محمود… هنحتاج حضرتك ووالدتك تيجوا معانا.”

حاول محمود يتمالك نفسه وقال وهو بيضحك بتوتر:

“أكيد فيه سوء فهم… مراتي بنفسها هتقول إنه كان حادث.”

رفعت عيني بصعوبة، وبصيت للضابط.

وقلت بصوت ضعيف:

“هي رمت عليّا … وهو حاول يخبي الحقيقة.”

سكتت الأوضة كلها.

قالت أم محمود وهي بتزعق:

“بتكدب! دي كانت نفسها!”

لكن الدكتورة رنا فتحت اللابتوب اللي كان معاها.

وشغلت الفيديو.

ظهر المطبخ بكل تفاصيله…

أنا واقفة على البوتاجاز.

وأم محمود وهي تمسك .

وسُمع صوتها بوضوح:

“النهارده هتعرفي مين صاحبة الكلمة.”

وبعدها بثوانٍ…

رفعت الطاسة وسكبت عليّ بالكامل.

ظهر في الفيديو كمان محمود وهو يدخل بعد الحادث، ويمنعني من الوصول للهاتف، ثم يأخذ موبايلي بنفسه.

ماحدش قدر ينطق.

وكيل النيابة قفل اللابتوب وقال بهدوء:

“واضح إن  مش … دي  مع إخفاء أدلة.”

انهارت أم محمود على الكرسي وهي تصرخ:

“أنا ماكنتش أقصد !”

أما محمود…

فكان واقف كأنه فقد القدرة على الكلام.

لكن المفاجأة ما كانتش خلصت.

طلب وكيل النيابة من أحد الضباط يجيب الملف اللي معاه.

فتح الملف وقال:

“وأثناء مراجعة بلاغات السيدة ياسمين، لقينا حاجة غريبة.”

بص لمحمود مباشرة.

“البيت اللي كنت بتقول طول الوقت إنه ملكك…”

رفع عقدًا رسميًا.

“…مش بس باسم ياسمين.”

سكت لحظة ثم أكمل:

“إنت نقلت كل ممتلكاتك باسم مراتك من خمس سنين.”

اتوتر محمود وقال بسرعة:

“عادي… لأسباب ضريبية.”

رد وكيل النيابة:

“الغريب إن فيه مستندات تانية بتقول إن عليك ديون بملايين الجنيهات، وإنك كنت بتستخدم اسم مراتك لإخفاء أموالك عن الدائنين.”

بصيت لمحمود وأنا مش مصدقة.

طول السنين كان بيقولي إنه هو اللي بيصرف عليا…

وإنه صاحب كل حاجة.

لكن الحقيقة…

إنه كان مستخدمني كواجهة قانونية، وكل أملاكه مسجلة باسمي من غير حتى ما أعرف.

عشان لو اتكشف أو أفلس…

أنا اللي أتحمل المسؤولية.

قالت رنا بهدوء:

“فاكرة لما كان بيجيبلك أوراق ويقولك امضي هنا؟”

غمضت عيني.

افتكرت كل مرة كنت أمضي فيها وأنا واثقة فيه.

كل مرة كان يقول:

“دي إجراءات بنكية بسيطة.”

لكنها ما كانتش بسيطة أبدًا.

بعد ساعات، خرجت أم محمود من المستشفى مكبلة بالقيود.

ولحقها محمود.

وقبل ما يركب عربية الشرطة، بصلي لأول مرة بعينين مليانين خوف.

وقال:

“ياسمين… سامحيني.”

رديت وأنا بحاول أقاوم :

“أنا سامحت نفسي… لما قررت ما أسكتش.”

بعد ستة أشهر…

صدر الحكم.

أُدينت أم محمود ، وأُدين محمود بالاشتراك في ، وإتلاف الأدلة، والتزوير في مستندات مالية.

أما أنا…

بدأت رحلة علاج طويلة ومؤلمة.

فضلت على جسمي.

لكنها بقت تذكارًا إن السكوت على الإهانة ممكن ينتهي .

رجعت أشتغل في مجالي، واسترديت حياتي.

وفي أول يوم دخلت فيه مكتبي الجديد…

وقفت قدام المراية، ولمست  بابتسامة.

وقلت لنفسي:

“دي مش علامات ضعف…

دي دليل إني نجوت.”بعد سنة كاملة…

افتكرت إن كل شيء انتهى.

لكن في صباح هادئ، كنت قاعدة في مكتبي لما السكرتيرة دخلت وقالت:

“فيه راجل كبير بره بيقول لازم يقابلك… وبيقول إنه يعرف محمود.”

اتجمدت مكاني.

طلبت منها تدخله.

دخل رجل في أواخر الستينات، شيك جدًا، ومعاه حقيبة جلد سوداء.

حطها على المكتب وقال:

“أنا المحاسب القانوني اللي كان شغال مع محمود.”

اتوترت وسألته:

“وجاي ليه دلوقتي؟”

فتح الحقيبة وطلع ملفات قديمة.

وقال:

“لأن فيه حاجة ماحدش يعرفها… حتى النيابة.”

بدأ يقلب في الأوراق.

ثم وقف عند عقد معين ودفعه ناحيتي.

“العقارات اللي باسمك… مش ثلاثة زي ما المحكمة عرفت.”

رفعت عيني باستغراب.

“أمال كام؟”

رد بهدوء:

“اتناشر.”

شهقت وأنا مش مستوعبة.

ابتسم ابتسامة حزينة وقال:

“محمود كان بيهرب فلوسه من الضرائب والدائنين من سنين… وكل حاجة كانت بتتسجل باسمك.”

قلبي بدأ يدق بسرعة.

“يعني… أنا مالكة كل ده؟”

هز رأسه بالنفي.

“مش بالبساطة دي.”

سكت لحظة ثم قال:

“فيه ناس خطر جدًا كانوا شركاء لمحمود… ولما عرفوا إنه اتحبس، بدأوا يدوروا على كل الممتلكات.”

بلعت ريقي.

“وإيه علاقتي أنا؟”

نظر إليّ مباشرة وقال:

“دلوقتي… هم فاكرين إن معاكي مستند واحد لو وقع في إيديهم، هيخسروا ملايين.”

وقبل ما أسأله أي مستند…

رن هاتفي.

رقم مجهول.

رديت بحذر.

جالي صوت رجل خشن قال:

“لو عايزة تعيشي… سلّمينا الملف الأزرق قبل بكرة.”

وقفل الخط.

بصيت للمحاسب، لقيت وشه اصفر.

همس:

“واضح إنهم وصلولك قبل ما أوصلك.”

في اللحظة دي…

سمعنا صوت ارتطام قوي بزجاج المكتب.

لفّينا بسرعة…

ولقينا حجر كبير مربوط بورقة، متكسر بيه الشباك.

فتحت الورقة بإيد مرتعشة.

وكان مكتوب فيها:

“المرة دي الحجر… المرة الجاية الرصاص.”

يتبع…ياسمين وقفت مكانها وهي ماسكة الورقة، وإيديها بتترعش.

المحاسب أخد منها الورقة بسرعة وقال:

“اقفلي الباب… واتصلي بالشرطة حالًا.”

لكن قبل ما تمسك التليفون، لفت نظرها حاجة غريبة.

الملف الأزرق…

اللي الراجل اتكلم عنه…

ماكانش معاه.

بصت للمحاسب وقالت:

“هو فين الملف؟”

اتنهد وقال:

“أنا كذبت عليكي.”

اتجمدت.

“الملف مش معايا… هو متخبي في مكان محمود الوحيد اللي محدش يعرفه.”

قالت بعصبية:

“يعني جاي تعرض حياتي للخطر؟”
رد بسرعة:

“لأنك الوحيدة اللي تقدري توصليله.”

وفجأة…

رن جرس الباب.

بصوا لبعض في صمت.

السكرتيرة كانت لسه خارجة من خمس دقايق، ومفيش حد المفروض ييجي.

المحاسب همس:

“ما تفتحيش.”

لكن الجرس فضل يرن.

وبعدين جه صوت من برة:

“شرطة… افتحوا الباب.”

ياسمين اتجهت ناحية كاميرا الباب.

بصت في الشاشة…

واتصدمت.

اللي واقفين برة لابسين زي الشرطة فعلًا…

لكن واحد منهم كان نفس الشخص اللي شافته قبل شهور واقف مع محمود قدام المحكمة.

ماكانش ظابط.

كان واحد من شركائه.

رجعت خطوة لورا وهمست:

“دول مش شرطة.”

في نفس اللحظة…

سمعوا صوت كسر في الباب الخارجي للمكتب.

المحاسب شدها من إيديها وقال:

“فيه مخرج طوارئ من آخر الممر… اجري!”

بدأوا يجروا، وصوت تكسير الباب وراهم بيقرب.

وصلوا لسلم الطوارئ، لكن أول ما فتحوا الباب…

لقوا راجل واقف مستنيهم.

كان لابس بدلة سوداء، وماسك ظرف أزرق.

ابتسم وقال بهدوء:

“واضح إنكم بتدوروا على الملف…”

رفع الظرف قدامهم وأضاف:

“لأن الملف الحقيقي… معايا أنا.”ياسمين وقفت مكانها وهي ماسكة الورقة، وإيديها بتترعش.

المحاسب أخد منها الورقة بسرعة وقال:

“اقفلي الباب… واتصلي بالشرطة حالًا.”

لكن قبل ما تمسك التليفون، لفت نظرها حاجة غريبة.

الملف الأزرق…

اللي الراجل اتكلم عنه…

ماكانش معاه.

بصت للمحاسب وقالت:

“هو فين الملف؟”

اتنهد وقال:

“أنا كذبت عليكي.”

اتجمدت.

“الملف مش معايا… هو متخبي في مكان محمود الوحيد اللي محدش يعرفه.”

قالت بعصبية:

“يعني جاي تعرض حياتي للخطر؟”

رد بسرعة:

“لأنك الوحيدة اللي تقدري توصليله.”

وفجأة…

رن جرس الباب.

بصوا لبعض في صمت.

السكرتيرة كانت لسه خارجة من خمس دقايق، ومفيش حد المفروض ييجي.

المحاسب همس:

“ما تفتحيش.”

لكن الجرس فضل يرن.

وبعدين جه صوت من برة:

“شرطة… افتحوا الباب.”

ياسمين اتجهت ناحية كاميرا الباب.

بصت في الشاشة…

واتصدمت.

اللي واقفين برة لابسين زي الشرطة فعلًا…

لكن واحد منهم كان نفس الشخص اللي شافته قبل شهور واقف مع محمود قدام المحكمة.

ماكانش ظابط.

كان واحد من شركائه.

رجعت خطوة لورا وهمست:

“دول مش شرطة.”

في نفس اللحظة…

سمعوا صوت كسر في الباب الخارجي للمكتب.

المحاسب شدها من إيديها وقال:

“فيه مخرج طوارئ من آخر الممر… اجري!”

بدأوا يجروا، وصوت تكسير الباب وراهم بيقرب.

وصلوا لسلم الطوارئ، لكن أول ما فتحوا الباب…

لقوا راجل واقف مستنيهم.

كان لابس بدلة سوداء، وماسك ظرف أزرق.

ابتسم وقال بهدوء:

“واضح إنكم بتدوروا على الملف…”

رفع الظرف قدامهم وأضاف:
“لأن الملف الحقيقي… معايا أنا.”ياسمين اتجمدت وهي شايفة الظرف الأزرق.

بصت للمحاسب، لقيته شاحب بشكل غريب.

وفجأة قال بصوت مخنوق:

“إوعي تاخدي منه أي حاجة… ده هو.”

سألت بخوف:

“هو مين؟”

الرجل ابتسم وقال:

“اسمي كريم… وكنت الشريك اللي محمود كان بيثق فيه أكتر من أي حد.”

طلع فلاشة صغيرة من جيبه، وحطها فوق الظرف.

وقال:

“جوا الفلاشة تسجيلات، وتحويلات بنكية، وعقود مزورة… تكفي إنها تدخل ناس كتير السجن.”

سكت لحظة، ثم أكمل:

“لكن فيها كمان حاجة أخطر…”

ياسمين عقدت حاجبيها.

“إيه هي؟”

قال وهو بيبص في عينيها:

“الحقيقة إن محمود ما حاولش يسيطر على فلوسك بس…”

“…هو كان مأمن على حياتك بمبلغ ضخم، ولو كنتِ متأثرة خلال أيام، شركة التأمين كانت هتصرف ملايين.”

شهقت ياسمين.

افتكرت إصراره قبل سنة إنها تمضي على أوراق قال إنها “روتينية”.

كريم أخرج نسخة من وثيقة التأمين.

وكان اسم ياسمين واضح فيها، والمستفيد الأول…

محمود.

قال كريم:

“لما عرف إنك عايشة، وأن الكاميرا فضحته، خطته كلها انهارت.”

المحاسب سأل بعصبية:

“وليه بتساعدنا دلوقتي؟”

نزل كريم رأسه وقال:

“لأن محمود خدعني أنا كمان… ولما اتحبس، حاول يرميني في القض..ية لوحدي.”

مد الظرف ناحية ياسمين.

“دلوقتي القرار قرارك.”

“تسلمي الأدلة للنيابة… أو ، وتبدئي حياة جديدة.”

ياسمين مسكت الظرف، وبصت اللي لسه آثارها على إيدها.

وقالت بثبات:

“أنا سكت سنين… لكن خلاص.”

“ولا ورقة هتستخبى، ولا هيفلت.”

وفي صباح اليوم التالي، دخلت النيابة العامة بكل الأدلة.

وبعد أشهر من التحقيقات، انكشفت شبكة كاملة من التزوير وغسل الأموال والاحتيال، واتقبض على كل المتورطين.

أما ياسمين…

فبعد رحلة علاج طويلة، افتتحت مركزًا لدعم السيدات الناجيات من العنف الأسري، وكانت أول جملة مكتوبة على باب المركز:

“أول خطوة للنجاة… إنك تصدقي إن اللي بيؤذيك هو المذنب، مش إنت.”

تمت.بعد افتتاح المركز بشهور…

كانت ياسمين أخيرًا بدأت تحس إن حياتها رجعت لطبيعتها.

وفي يوم، وهي بترتب ملفات قديمة، وصلها ظرف أبيض من غير اسم مرسل.

فتحته بحذر.

كان جواه صورة.

الصورة كانت لمحمود… لكنه ماكانش في السجن.

كان واقف في مكان مجهول، ولابس هدوم عادية.

وقلبها وقع.

“إزاي؟!”

جريت على اللابتوب، ودورت على اسمه.

وبعد اتصالات سريعة بمحاميها، عرفت الحقيقة.

محمود ماهربش…

لكنه اتنقل لمستشفى السجن بعد، والصورة كانت قديمة نسبيًا، واتصورت أثناء نقله.

تنفست الصعداء.

لكن كان فيه ورقة تانية داخل الظرف.

مكتوب فيها بخط اليد:

“لسه فيه حد ما اتحاسبش.”

في البداية افتكرت إنها مجرد محاولة لتخويفها.

لكن بعد يومين، تلقت اتصالًا من الدكتورة رنا.

قالت بجدية:

“تعالي المستشفى حالًا… اكتشفنا حاجة في ملف علاجك.”

وصلت ياسمين بسرعة.

رنا قفلت باب مكتبها وقالت:

“فاكرة أول يوم بعد الحادث؟”

هزت ياسمين رأسها.

قالت رنا:

“التحاليل أثبتت وقتها إن حد كان بيديكي مهدئات بجرعات صغيرة قبل الحادث بشهور.”

اتسعت عينا ياسمين.

“يعني إيه؟”

“يعني إحساسك بالتعب، والدوخة، والنسيان… ماكانوش بسبب الضغط النفسي زي ما محمود كان بيقول.”

فتحت رنا ملفًا قديمًا.

“كان فيه حد بيحطلك دواء في الأكل.”

شعرت ياسمين بقشعريرة.

كل الشهور اللي كانت بتشك في نفسها…

كانت ضحية خطة مدروسة.

ورغم ذلك، قالت رنا:

“كل المتورطين تقريبًا اتحاسبوا… لكن الشخص اللي كان بيجيب الدواء لحماتك لسه مجهول.”

خرجت ياسمين من المستشفى وهي عارفة إن الماضي لسه بيكشف أسراره…

لكن المرة دي، ماكنتش الضحية الضعيفة.

كانت مستعدة تواجه أي حقيقة جديدة.في الأسبوع التالي…

اتصلت النيابة بياسمين وطلبت حضورها بشكل عاجل.

لما وصلت، لقت وكيل النيابة قدامه ملف جديد.

قال بهدوء:

“فيه شاهد طلب يدلي بأقواله… ورفض يتكلم غير في وجودك.”

دخل رجل في الخمسينات، وكانت ملامحه مرهقة.

أول ما شافته ياسمين، عرفته.

كان عم حسن…

البواب القديم للكمبوند.

قال وهو مطأطئ رأسه:

“سامحيني يا بنتي… أنا سكت كتير.”

سألته ياسمين:

“عن إيه؟”

بدأت دموعه تنزل.

“قبل يوم الحادث بأسبوع، شفت أم محمود وهي بتقابل واحد قدام البوابة. الراجل سلّمها علبة دواء، وقال لها: (حطي منه نقطة كل يوم في الشاي… لحد ما تبقى ضعيفة وماحدش يصدقها).”

شعرت ياسمين بأنفاسها تضيق.

“وليه ما قلتش وقتها؟”

رد بصوت مكسور:

“محمود هدّدني. قال لو اتكلمت هيخليني أترفد، وهيبلغ عن ابني في قض..ية ملفقة.”

أخرج من جيبه فلاشة صغيرة.

“بس… كاميرات البوابة كانت شغالة.”

تم فحص الفلاشة.

وبالفعل ظهر تسجيل لأم محمود وهي تستلم العلبة من رجل مجهول.

لكن المفاجأة الكبرى كانت عندما قامت الشرطة بتكبير الصورة.

الوجه كان واضحًا.

ولم يكن طبيبًا…

ولا صيدليًا.

كان شقيق محمود الأصغر.

الشخص الذي كان الجميع يعتقد أنه يعيش خارج البلاد ولا علاقة له بأي شيء.

بعد ساعات، أُلقي القبض عليه، واعترف أنه كان يوفر الأدوية بناءً على طلب والدته، مقابل مبلغ كبير من المال.
افتكر إن الخوف طبيعي. لكن الاستسلام هو اللي بيدي الظالم قوته.

لو اتعرضت للظلم… اطلب المساعدة. اتكلم. ومتفتكرش أبدًا إنك لوحدك.”

أغلقت الصندوق.

وكتبت عليه:

“إلى كل ناجٍ… لم يعرف بعد أنه سينجو.”

وبعد سنوات طويلة، عندما رحلت ياسمين في هدوء، لم يتذكرها الناس كامرأة تعرضت …

بل كامرأة حوّلت ألمها إلى أمل لآلاف غيرها.

تمت.بعد رحيل ياسمين بعامين…

كان مركز “بداية جديدة” لا يزال يعمل كما كانت تحلم.

وفي أحد الأيام، كانت المديرة الجديدة ترتب مكتب ياسمين القديم، عندما وجدت درجًا لم يكن يفتح.

استعانت بنجار، وبعد دقائق انفتح الدرج بصوت خافت.

في داخله…

لم يكن هناك مال، ولا مستندات سرية.

كان هناك دفتر صغير فقط.

على غلافه كُتب:

“لا يُقرأ إلا إذا شعرت يومًا أنك هتستسلم.”

فتحت المديرة الصفحة الأولى.

وكان أول سطر:

> “أنا ياسمين… لو إنت بتقرأ الكلام ده، يبقى الحياة غالبًا قاسية عليك دلوقتي. أحب أقولك حاجة واحدة… أنا كمان كنت فاكرة إن النهاية وصلت.”

ثم قلبت الصفحة.

> “في الليلة اللي فيها، كنت متأكدة إني . وفي المستشفى، كنت متأكدة إن حقي هيضيع. وبعدها كنت متأكدة إن عمري ما هعرف أضحك تاني. وكل مرة… كنت باكتشف إني كنت غلط.”

امتلأت عينا المديرة بالدموع.

وأكملت القراءة.

> “الحياة مش بتوعدنا إنها هتبقى سهلة. لكنها ساعات بتفاجئنا إنها لسه مخبية لنا بداية جديدة… حتى بعد أصعب نهاية.”

أغلقت الدفتر.

وفي اليوم التالي، قررت أن تضع نسخة من تلك الكلمات في مدخل المركز.

أصبح كل من يدخل يقرأها قبل أن يبدأ رحلته.

وبعد سنوات، لم يعد الناس يذكرون تفاصيل  ، ولا المحاكم، ولا أسماء .

لكنهم كانوا يتذكرون شيئًا واحدًا فقط…

أن امرأة اسمها ياسمين رفضت أن تكون ضحية، فصارت سببًا في نجاة آلاف غيرها.

وهكذا… بقي أثرها حيًا، حتى بعد أن انتهت قصتها بسنوات طويلة.

النهاية الأبدية. بعد خمسين عامًا…

تحول مركز “بداية جديدة” إلى مؤسسة كبيرة تحمل اسم ياسمين.

وفي افتتاح مبنى جديد، وقف شاب في الثلاثين من عمره أمام الحضور.

قال:

“أنا اسمي آدم…”

وسكت لحظة.

“…وأنا أول طفل أنقذته المؤسسة.”

نظر الجميع إليه باهتمام.

أخرج من جيبه صورة قديمة باهتة.

كانت لياسمين وهي تبتسم، ما زالت واضحة على يدها.

قال:

“وأنا عندي عشر سنين، سألتها: “هو ليه ربنا سمح لكِ بكل الألم ده؟”

ابتسم وقتها وهو يتذكر.

“قالت لي:

> لو ماكنتش اتوجعت… ماكنتش هعرف أداوي وجع غيري.”

ساد الصمت في القاعة.

ثم أشار إلى تمثال صغير في مدخل المؤسسة.

كان تمثالًا بسيطًا، لا يُظهر  ولا الألم.

بل يُظهر امرأة تمد يدها لتساعد شخصًا على الوقوف.

وتحت التمثال، لم يُكتب اسمها فقط.

كُتب:

“الشجاعة ليست ألا تسقط… بل أن تمد يدك لغيرك بعد أن تنهض.”

صفق الجميع طويلًا.

وفي الخارج…

كانت طفلة صغيرة تقرأ العبارة بصوت منخفض.

ثم أمسكت يد أمها وقالت:

“لما أكبر… عايزة أبقى زي الست دي.”

ابتسمت الأم، وربتت على رأسها.

وفي تلك اللحظة…

كان أثر ياسمين لا يزال يعيش، ليس في الجدران، ولا في الملفات…

بل في الناس الذين تعلموا أن النجاة لا تعني فقط أن تنقذ نفسك، بل أن تساعد غيرك على النجاة أيضًا.

وهكذا انتهت الحكاية… وبقي أثرها.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى