رجع البيت بدري

كانت الغربة بالنسبة لفارس لم تكن مجرد سفر، بل كانت معركة يخوضها بمفرده في برد ألمانيا القارس من أجل تأمين مستقبل زوجته يارا وطفلتهما المنتظرة. تزوج فارس من يارا بعد قصة حب هادئة، كانت يارا فتاة يتيمة الأبوين، لم يكن لها في الدنيا سوى فارس، ورغم أن عائلتهأمه نادية، وأخته مي، وزوج أختها شريفأظهروا قبولًا باردًا لها في البداية، إلا أن فارس كان يظن أن قدوم الطفلة الجديدة سيذيب الجليد ويقرب القلوب. عندما جاءته فرصة العمل في مصنع السيارات في ألمانيا لعقد مؤقت مدته أربعة أشهر براتب ممتاز، تردد كثيرًا في قبولها، خاصة وأن موعد ولادة يارا كان يقترب.
لكن يارا، بقلبها النقي، شجعته قائلة سافر يا فارس، هذا مستقبل ابنتنا، وأنا سأكون بخير. ولأن أمه نادية كانت دائمًا تظهر بمظهر المرأة الطيبة أمام ابنهما الوحيد، فقد أمسكت يده قبل سفره وقالت له وعيناها تفيضان بدموع مصطنعة سافر يا بني وأنت مطمئن.. يارا ابنتي، وسأرعاها في غيابك كأنها قطعة مني، ولن أتركها لحظة واحدة بعد عمليتها القيصرية. وعودٌ رنانة أطلقتها الأخت مي، وتأكيدات من زوجها شريف بأنه سيكون في خدمتهم كل يوم. سافر فارس وفي قلبه غصة، لكنه كان يعوض ذلك بإرسال مبالغ طائلة شهريًا، تاركًا لأمه بطاقة ائتمانية إضافية مخصصة لحالات
ومحولًا أموالًا مخصصة بالكامل لشراء أفخر أنواع اللحوم، الفواكه، المكملات الغذائية ليارا، وحليب الأطفال وكل ما يمكن أن تحتاجه زوجته بعد الولادة.
طوال أربعة أشهر، كان فارس يعيش على مكالمات القصيرة. كانت يارا دائمًا تبدو متعبة، وشاحبة، لكن عندما كان يسألها، كانت تبتسم وتتحامل على نفسها قائلة أنا بخير، لا تقلق، طفلتنا ليان بخير.. ركز في عملك. ولم يكن يعلم أن خلف تلك الابتسامة الشاحبة كانت هناك فصول من العڈاب والابتزاز النفسي تُمارس ضدها. كانت أمه نادية تأتي إلى البيت ليس لتساعدها، بل لتأخذ الأموال التي يرسلها فارس بحجة أنها تشتري بها المستلزمات،
لكنها في الحقيقة كانت تكتنزها هي وابنتها مي لشراء الذهب والملابس الفاخرة. ومع اقتراب نهاية مدة عمله، كان من المفترض أن يعود فارس في الخامس من يناير. لكن الشوق لزوجته وطفلته التي لم يرها سوى عبر شاشة الموبايل، وال رغبة في إنهاء الغربة مبكرًا، جعلاه يبذل قصارى جهده لإنهاء التزاماته في المصنع قبل الوقت المحدد. وفي عصر يوم الحادي والثلاثين من ديسمبر، نجح في تعديل رحلته ليطير عائدًا إلى أمريكا، هابطًا في المطار وهو يحمل في قلبه بهجة العيد والدفء العائلي، محملًا بالحقائب المليئة بالهدايا عقد ذهبي ثمين لزوجته يارا، ألعاب ملونة وملابس شتوية مبطنة لطفلته ليان، شيكولاتة فاخرة وشال صوفي ثمين لأمه، ولعبة إلكترونية متطورة لابن أخته. كان يتخيل تلك اللحظة التي يفتح فيها باب منزله، ليرى أسرته مجتمعة حول مائدة دافئة احتفالًا برأس السنة، ليرى أمه تضم زوجته، وليرى طفلته تنام في حضڼ دافئ.
لكن الواقع كان ينتظره خلف الباب كصڤعة باردة تجمد








