وعد الصعيد

عاصم مرفعش راسه، ورد بصوت مخنوق ومكتوم:
محدش طرد حد يا أما.. هي اللي اختارت، والبعد أستر ليها ولينا.
الحاج هواري خبط بعصايته الأرض خبطة رنت في الدوار كله، وقال بصوته الجهوري:
أستر لمين يا عاصم؟ للناس اللي هتلوك في سيرتها وتقول سابها ليه بعد ما جاب حقها؟ ولا لقلبك اللي إنت كاسره بيدك؟ البنية يتيمة يا ولدي، واليتم مكنش في موتها أهلها بس.. اليتم الحقيقي لما اللي عشقته يرميها لغدر الطريق وهي مكسورة الجناح.
عاصم قام وقف، والنار قادت في عينه:
يا بوي أنا صعيدي! أنا اللي حصل واللي دار.. كل ما أبص لها بشوف الوجع، بشوف عجزي إني مكنتش موجود في اللحظة دي.. ناري مش راضية تبرد واصل!
أبوه بص له نظرة حكمة وقال ببرود:
نارك مش راضية تبرد عشان إنت حاسس بالعجز.. رعد أخد جزاؤه بالقانون، لكن إنت يا عاصم بتعاقبها هي بالصمت والجفا. رعد كان ظالم، لكن إنت كنت أمانها.. والكسرة من الأمان بتقتل يا ولدي.
مر شهر.. وعاصم زي السبع الجريح. مابقاش يضحك، مابقاش يروح الغيط بقلب، بقى يهرب من أوضته ويقعد في المندرة بالساعات، عينه على الكرسي اللي كانت بتقعد عليه وهي بتخيط قميصه. ريحة عطرها لسه ثابتة في الشال اللي رفض ياخده منها، وبقى كل يوم يمسكه ويشمه بوجع ملوش آخر.
بقى يصحى بالليل على صوت نهجها وهو بيفتكر إنها مشيت. السرير بقى جمر، والأكل بقى علقم. لحد ما في ليلة، الحاجة آمنة دخلت عليه لقته ماسك المنديل بتاعها ودموعه نازلة في صمت.
قربت منه وطبطبت على كتفه:
القلب اللي بيعشق مبيعرفش يقسو للأبد يا عاصم.. وإنت قلبك دايب. سافر يا ولدي.. سافر ولم اللي كسرته، الصعيد هيبته في الحق، والحق بيقول إنها ملهش ذنب، والرجولة بتقول إنك متسيبش حمالك للريح.
عاصم رفع عينه لأمه، وكانت المرادي فيها قرار. قام غسل وشه، ولبس أغلى جلباب عنده، وخد مفتاح عربيته.
أنا مسافر يا أما.. مسافر أجيب اللي ضيعته بجهلي.
دخل عاصم العيادة، الهيبة هي هي، بس العين فيها انكسار ميتداريش. أول ما شافته، سابت اللي في يدها واتجمدت مكانها. مفيش سلام، ولا كلام.
عاصم وقف قدام المكتب، مد يده وطلع مفتاح الدوار وحطه قدامها على المكتب بجمود.
مايان بصوت مخنوق: جاي ليه يا عاصم؟
عاصم وعينه في عينها المرادي: جيت أرجع الأمانة لصاحبتها.. الدوار اتقفل يا مايان، ومحدش معاه المفتاح ده غيرك.. يا تعاودي تفتحيه، يا يفضل مقفول على اللي جواه لحد ما نموتوا.
مايان ضحكت بوجع، وزقت المفتاح ناحيته بصباع واحد:
فات أوان الحماية يا كبير الهوارية.. أنا هنا بدأت أعيش، وبدأت أنسى إن كان ليا سكن في يوم.
عاصم ملمش المفتاح، فضل باصص لها بنظرة فيها فقدان أمل حقيقي، نظرة راجل جاب آخره:
حقك.. وحقي إنك تعرفي إني أخذت حقك بالقانون، بس معرفتش أمحيكي من عقلي دقيقة واصل.. أنا مش جاي أتحايل، أنا جاي أقولك إن القطر اللي ركبتيه، خد روحي معاه.
لف ضهره ومشي بخطوات تقيلة، محاولش يجادل ولا يبرر. ركب عربيته وفضل واقف قدام العيادة.. مش يوم، ولا اتنين.. عاصم خيّم قدام بابها.
بقى كل يوم مع دقة الساعة تمانية الصبح، يوصلها بقلبه قبل عينه، ومع خروجها، يفضل ماشي وراها بعربيته لحد باب بيتها من غير ما ينطق حرف.
يوم.. ورا يوم.. ورا يوم.. شهر كامل وعاصم غفير على بابها في عز برد القاهرة، لا بيكلمها ولا بيقرب منها، بس موجود كأنه ضِلها.
لحد ما في ليلة، الدنيا كانت بتمطر مطر واعر، وعاصم واقف ساند على عربيته، الجلباب اتبل وبقى يقطر ماية، وهو واقف زي النخلة مبيتهزش. مايان كانت واقفة ورا شباك بيتها بتراقبه، قلبها كان بيتقطع وهي شايفاه بيذل كبريائه ووجاهته عشان خاطرها.
نزلت له، وقفت قدامه وهي بتترعش من البرد والدموع:
هتموت من البرد يا عاصم.. إمشي وارجع لبلدك، ملوش عوز اللي بتعمله ده!
عاصم رفع عينه ليها، كانت حمرة ومنتهية من التعب، رد بصوت هادي وناشف:
موت البرد أهون من موت القهر يا مايان.. أنا مش هتحرك من هنا، يا تفتحيلي قلبك، يا يلموني من قدام بابك.
سكتت مايان، والاتنين فضلوا باصين لبعض وسط المطر.. مفيش كلام، بس الكسرة اللي في عين عاصم كانت بتقول إن الدرس اتعلم، وإن الجبل المرادي هو اللي انحنى قدام العصفورة.
بعد محايلات، وبعد ما عاصم داب قدام بابها، وافقت مايان ترجع.. مش عشان سامحت تماماً، بس لأن قلبها ملقاش وطن غيره. رجعت الدوار في صمت، واتعمل فرح يليق بـ ست الدار، بس عاصم كان بيتعامل معاها بـ حرص وخوف، كأنه شايل حتة كريستال مكسورة وخايف يلمسها تجرحه أو تزيد كسرها.
ليلة الدخلة، عاصم كان قاعد في ركن الأوضة، وشه للأرض، مش قادر حتى يرفع عينه فيها. الوجع والشك القديم كان لسه مضلل على روحه، كان خايف يقرب منها ليفتكر الأيام الصعبة.
قال بصوت مبحوح:
مايان.. إنتِ عارفة إني رايدك واصل، وعارفة إني جيبت حقك.. بس أنا مش هضغط عليكي في أي حاجة غير لما تحسي إنك نضفتي من جوه من أي وجع.. أنا واخدك سكن، ومش عاوز أكون حمل عليكي.
مايان مكنتش بتتكلم، كانت بتبصله بدموع محبوسة، وقربت منه بهدوء وحطت يدها على كتفه. ومع أول لمسة، داب التلج، وانفجر بركان الوجع والشوق اللي كان مكبوت شهور.
وفجأة.. في وسط السكون، الدنيا وقفت. عاصم اتنفض مكانه، عينه برقت بذهول ملوش وصف، لما أدرك بصدق نُبلها وصيانتها لنفسها طوال تلك الفترة، وكيف أن الظلم قد انجلى والحقيقة ظهرت جلية بلا ادعاء.
عاصم بصوت مش طالع: مايان.. إنتِ كنتِ صاينة نفسك طول الشهور دي.. وأنا اللي ظنيت فيكي؟!
مايان انهارت في حضنه، والشهقات كانت بتطلع من ضلوعها:
يا عاصم أنا طول عمري حافظت على نفسي وعليك..
عاصم في اللحظة دي حس بفرحة غامرة وندم عميق. قام وقف بكل طوله، ودموعه نازلة، وخرج للحوش يصرخ بأعلى صوت عنده في قلب الدوار معلناً صفاء النوايا وبراءة ساحة أهله:
يا هوارية!! يا بلد!! ارفعوا الراس.. الحق ظهر والبركة رجعت لدارنا!
دارت الزغاريد في الدوار، والحاجة آمنة والحاج هواري نزلو يباركوا، والبلد كلها عرفت إن الحق يعلو ولا يُعلي عليه.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”








