قصص و روايات

ابنى وابن صحبتى والوحمه

بدأت القصة بـ “وحمة” نادرة؛ هلال صغير مستتر خلف الأذن اليسرى لكل من ابني “آدم” وابن صديقتي المقربة “إيمان”. يوم ولادة ابني، تعجب الأطباء من ندرة هذه العلامة، حتى أن زوجي “شريف” مازحني قائلاً: “لو ضاع منا يوماً، فهذه الوحمة ستكون هويته التي تعيده إلينا”. ضحكنا جميعاً، ولم نكن نعلم أن تلك المزحة كانت نذيراً بكابوس سيقلب حياتي رأساً على عقب.

 

مرت خمس سنوات كانت خلالها إيمان أقرب الناس إليّ؛ تشاركنا أسرار الجامعة وتفاصيل الحياة، حتى جاء اليوم الذي ولدت فيه طفلها. حين حملتُه بين يديّ، شعرت ببرودة تسري في جسدي؛ فخلف أذنه اليسرى، رأيتُ ذات الهلال، بنفس الحجم والانحناءة. حاولتُ التماسك، لكن الشك بدأ يتسلل إلى قلبي.

مقالات ذات صلة

مع مرور الأشهر، أصبح التشابه بين الطفلين مذهلاً، ليس فقط في الوحمة، بل في الملامح والطباع، حتى أن الغرباء كانوا يسألوننا دائماً: “هل هما أشقاء؟”. كنت أنفي ذلك، لكن السؤال صار يطاردني. وفي عيد ميلاد آدم، وبينما كنت أقلب ألبومات الصور القديمة، وقعت عيني على صورة تجمع ابني بطفل إيمان، ولأول مرة، رأيت الحقيقة التي كنت أتجنبها. دخل شريف في تلك اللحظة، وبمجرد رؤيته للصورة، تغيرت ملامحه بشكل مريب.

في تلك الليلة، واجهتُ شريف بسؤالٍ مباشر: “هل خنتني مع إيمان؟”. تجمد شريف في مكانه، وبدا عليه الانكسار. لم ينفِ وجود سر، لكنه نفى الخيانة تماماً، ثم توجه إلى خزانة قديمة واستخرج ظرفاً مغطى بالغبار، مكتوباً بخط يد والدي الراحل. أخبرني شريف أن والدي قد أقسم عليه ألا يفتح هذا الظرف إلا إذا بلغتُ مرحلة لا يمكنني فيها مواصلة حياتي دون معرفة الحقيقة.

فتحتُ الظرف لأجد عقد زواج قديم وصورة باهتة ورسالة من والدي، كتب فيها: “سامحيني يا ابنتي، أخفيتُ عنكِ سراً ظننتُ أنه يحميكِ، لكنه دمركِ”. اتضح أن والدي كان متزوجاً قبل أمي من امرأة أخرى، وأنجبا ابنة اسمها “سمر”، وهي الصديقة التي عرفتها طوال حياتي باسم “إيمان”.

تلقيتُ الصدمة بذهول؛ إيمان لم تكن مجرد صديقة، بل كانت أختي من والدي. كتب والدي في رسالته أنه حاول ضمها إليه بعد وفاة أمها، لكن الظروف منعته، فقرر أن يقربها مني كصديقة دون أن أفصح عن صلة الدم، خوفاً من تبعات اجتماعية كان يخشى منها.

في اليوم التالي، واجهتُ إيمان التي اعترفت بأنها عرفت الحقيقة بعد وفاة والدي بسنة، لكنها التزمت الصمت احتراماً لوصيته. أما العلامة خلف أذن الطفلين، فلم تكن صدفة، بل كانت سمة وراثية في عائلة والدي انتقلت إلى أحفاده.

لقد احتجتُ وقتاً طويلاً لأسامح زوجي على كتمانه للسر، ولأدرك أن والدي لم يكن سيئاً، بل كان ضحية لخوفه من تبعات الحقيقة. واليوم، حين أنظر إلى تلك العلامة خلف أذن ابني، لا أراها دليلاً على خيانة كما ظننت، بل تذكرني بأن الأسرار مهما طال غيابها، فإن الحقيقة دائماً ما تجد طريقها للظهور، وأن ثمن الصمت قد يكون أغلى بكثير من ثمن الحقيقة.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى