قصص و روايات

عادت من غير ما تبلغ حد

سأل أحمد بسرعة:

— يعني مفيش دليل إن عمر اتبدل؟

هز المدير رأسه.

مقالات ذات صلة

— الرسالة لوحدها ما تثبتش أي حاجة… والدليل الوحيد هو تحليل البصمة الوراثية.

ساد الصمت.

نظر عمر إلى منى وقال:

— لو عملنا التحليل… وخدنا نتيجة وحشة… هتبطلي تكوني أمي؟

لم تتمالك منى نفسها.

احتضنته بقوة وقالت وهي تبكي:

— الأم مش اللي ولدت وبس… الأم هي اللي ربت، وخافت، وضحّت. مهما كانت النتيجة، إنت ابني.

تنهد أحمد وقال:

— نعمل التحليل… علشان نقفل الباب ده للأبد.

بعد ثلاثة أيام…

كانت الأسرة كلها في مركز التحاليل.

مرّت الأيام ببطء شديد.

كل دقيقة كانت أصعب من اللي قبلها.

وفي صباح اليوم السابع…

رن هاتف أحمد.

— أستاذ أحمد… النتيجة ظهرت.

توجهوا جميعًا إلى المركز.

ناولهم الطبيب الظرف الأبيض.

فتحه أحمد بيد مرتعشة.

قرأ أول سطر…

ثم اتسعت عيناه.

أخذ نفسًا عميقًا…

وسلّم الورقة لمنى دون أن ينطق.

قرأت النتيجة بسرعة…

ثم انفجرت في البكاء.

نظر عمر إليهما وهو يرتجف.

— قولوا لي… في إيه؟

اقترب أحمد منه، ووضع يده على كتفه، وقال بصوت اختلطت فيه الراحة بالدموع:

— الحمد لله…

أنت ابننا.

لم يكن هناك أي تبديل.

ولا أي خطأ في الولادة.

الرسالة…

كانت كذبة.

جلس عمر على أقرب كرسي وهو يبكي من شدة الارتياح، بينما احتضنته منى وأحمد معًا.

لكن الطبيب لم يغادر.

ظل واقفًا مكانه، وقال بهدوء:

— في حاجة تانية اكتشفناها أثناء مراجعة الأوراق…

نظروا إليه جميعًا.

قال:

— الرسالة دي… مكتوبة بخط سيدة كانت بتعاني من فقدان شديد للذاكرة في آخر أيامها. وكانت بتكتب اعترافات عن أحداث ما حصلتش أصلًا، وكانت مقتنعة إنها حقيقية.

أغلق أحمد عينيه للحظة.

كل هذا الرعب…

وكل تلك الشكوك…

بدأت برسالة كتبها عقل مريض.

أمسكت منى بيد زوجها، ثم بيد عمر، وقالت:

— من النهارده… مهما شوفنا بعنينا، مش هنحكم قبل ما نعرف الحقيقة.

ابتسم أحمد لأول مرة منذ عودتها، وقال:

— لأن دقيقة سوء ظن… كانت هتدمر أسرة كاملة.

تمت.بما إن الجزء السابق انتهى بقفل كل خيوط القصة، فلو حابين نكملها، يبقى ده هيكون تكملة جديدة بعد النهاية:

الجزء السابع

مرّت ستة أشهر…

رجعت الحياة في بيت منى لطبيعتها.

لكن في كل مرة كانت تدخل أوضة عمر، كانت تفتكر اليوم اللي دخلت فيه البيت وحكمت من أول نظرة.

وفي مساء هادئ…

كانت بترتب دولاب قديم في المخزن.

وأثناء ما كانت بتنقل الكراتين، لفت نظرها صندوق خشبي صغير عليه طبقة سميكة من التراب.

فتحته…

كان جواه ألبوم صور قديم.

بدأت تقلب الصفحات وهي مبتسمة.

صور فرحها…

وصور أول شقة سكنوا فيها…

ثم توقفت فجأة.

في آخر الألبوم كانت فيه صورة ما شافتهاش قبل كده.

الصورة كانت لأحمد…

واقف قدام المستشفى، شايل طفل رضيع.

لكن التاريخ المكتوب خلف الصورة كان قبل ميلاد عمر بثلاث سنوات.

نادت بصوت عالي:

— أحمد… تعالى شوف دي.

أول ما شاف الصورة، اختفت الابتسامة من وشه.

سحبها بسرعة من إيدها.

وقالت باستغراب:

— مين الطفل ده؟

سكت ثواني…

ثم جلس على الكرسي وقال:

— كنت ناوي أحكيلك… لكن كل مرة كنت بخاف أفتح الموضوع.

شعرت منى بانقباض في قلبها.

قال أحمد بصوت مكسور:

— قبل ما ربنا يرزقنا بعمر… كان عندنا طفل تاني.

اتجمدت منى.

— إيه؟!

نزل أحمد رأسه وقال:

— عاش معانا سبعة أيام بس… وبعدها توفي في الحضانة.

بدأت دموعه تنزل لأول مرة.

— وقتها انتي كنتِ في غيبوبة بعد الولادة، والدكتور نصحني ما أقولكيش الحقيقة إلا لما حالتك تتحسن… لكن بعدها فقدتي جزء من ذاكرتك بسبب المضاعفات، وكل اللي حضروا اتفقوا يدفنوا الوجع معاه.

جلست منى وهي لا تكاد تصدق ما تسمع.

همست:

— يعني… كان عندي ابن… وأنا ما عرفتش؟

وقبل أن يجيب أحمد…

رن جرس الباب.

فتح عمر…

فوجد رجلًا مسنًا يحمل ملفًا قديمًا.

وقال بهدوء:

— أنا كنت مدير حضانة الأطفال في المستشفى من عشرين سنة… وجيت علشان أقول الحقيقة اللي فضلت مستخبية كل السنين دي.

يتبع…الجزء الثامن

نظر عمر للرجل في دهشة، ثم فتح الباب على آخره.

دخل الرجل بخطوات بطيئة، وكان يحمل ملفًا جلديًا قديمًا اصفرّت أطرافه من الزمن.

وقف أمام أحمد وقال:

— أنا اسمي محمود… وكنت مسؤول حضانة الأطفال في المستشفى وقتها.

اتغير لون وش أحمد.

— حضرتك… لسه فاكرنا؟

ابتسم الرجل بحزن.

— في حاجات عمرها ما بتتنسي.

جلس الجميع في الصالة.

فتح الرجل الملف، وأخرج صورة قديمة.

كانت الصورة لأحمد وهو واقف أمام حضانة الأطفال، وعيناه مليانة دموع.

وقال:

— اليوم ده، ما كانش أصعب يوم عليكم بس… كان أصعب يوم عليّا أنا كمان.

تنهد، ثم أكمل:

— الطفل اللي اتولد قبل عمر بأربع سنين، حالته كانت حرجة جدًا من أول دقيقة. عملنا كل اللي نقدر عليه… لكن ربنا اختاره.

أغمض أحمد عينيه، وانهمرت دموعه.

أما منى، فكانت تسمع لأول مرة تفاصيل اليوم اللي ضاع من ذاكرتها.

قال الرجل:

— قبل وفاته بدقائق، أحمد دخل الحضانة، وشال ابنه بين إيديه، وفضل يقرأ عليه القرآن لحد آخر نفس.

نظرت منى إلى زوجها، فرأت دموعًا لم ترها في عينيه طوال زواجهما.

همست:

— ليه ما قلتليش؟

قال أحمد بصوت مبحوح:

— لأن الدكتور قال إن حالتك النفسية والجسدية كانت خطيرة جدًا… وخافوا الخبر يضيعك. وبعدها لما فقدتي جزء من ذكريات الفترة دي، مقدرتش أرجع أوجعك من جديد.

سكتت منى طويلًا…

ثم أمسكت يده وقالت:

— كان لازم أعرف… لكني مقدّرة إنك كنت بتحاول تحميني.

ابتسم الرجل المسن، وأغلق الملف.

— أنا جيت النهارده علشان ضميري يرتاح… وأقول لكم إنكم ما قصرتوش في حق ابنكم أبدًا.

وقبل أن يغادر، أخرج ظرفًا صغيرًا.

وقال:

— ده كان مع الطفل… واحتفظت بيه عشرين سنة.

فتحت منى الظرف.

كان بداخله إسورة المواليد الصغيرة، مكتوب عليها بخط باهت:

“طفل منى وأحمد.”

احتضنتها وهي تبكي، بينما وقف أحمد بجوارها، ووضع يده على كتفها.

أما عمر…

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى