قصص و روايات

اجازه عائليه

كرر السؤال بعصبية:

— هي بتقول إنكم بقالكم تلات سنين بتتعمدوا تسيبوها وتسافروا من غيرها… ده حقيقي؟

فضل ساكت.

أخوه بص لأمه…

وبعدين قال الجملة اللي محدش كان متوقعها:

— ماما… هو الكلام ده صح؟

أمه ردت بمنتهى البرود:

— أيوه… وأنا اللي كنت برفض إنها تيجي.

سكتت الصالة كلها.

حتى جوزي رفع عينه لأمه بصدمة.

قال:

— إنتِ… إنتِ بتقولي كده ليه؟

قالت بثقة:

— لأنها عمرها ما عجبتني.

كنت عايزة أجوزك بنت أختي.

لكن أنت أصريت عليها.

فقلت أخليها تعرف إنها عمرها ما هتبقى واحدة مننا.

حسيت إن الزمن وقف.

أما هو…

فكان بيبصلها كأنه أول مرة يشوفها.

قال بصوت مكسور:

— يعني… كل مرة كنتِ تقوليلي إن هي اللي مش عايزة تيجي…

كان كذب؟

ابتسمت أمه بلا مبالاة.

— طبعًا.

وأكملت وهي تنظر نحوي باحتقار:

— وأنا لو رجع بيا الزمن… هعمل نفس اللي عملته.

في اللحظة دي…

لف ناحيتي.

وكانت أول مرة أشوف الندم الحقيقي في عينه.

لكن بعد فوات الأوان.

فضل يبص لأمه ثواني طويلة…

كأنه لأول مرة يشوفها على حقيقتها.

قال بصوت مخنوق:

— يعني… كنتِ بتكدبي عليا كل السنين دي؟

ردت بكل برود:

— كنت بحافظ على بيتك.

ضحكت ضحكة قصيرة.

— بتحافظي على بيته؟ ولا كنتِ بتهدي جوازي حتة حتة؟

لفت ناحيتي وقال بسرعة:

— والله ما كنت أعرف.

بصيتله بثبات.

— حتى لو هنفترض إنك فعلًا ما كنتش تعرف… كنت فين لما كنت كل سنة تشوف اسم كل الناس موجود إلا اسم مراتك؟

سكت.

— فين كنت لما أمك قالت قدامي: “دي رحلة للعيلة وبس”؟

سكت.

— فين كنت لما وعدتني تلات مرات إننا هنسافر لوحدنا… وما وفيتش بوعد واحد؟

نزل راسه.

لأول مرة…

ما لقى أي مبرر.

أخوه قعد على الكنبة وهو ماسك راسه.

وقال لأمه بعصبية:

— إنتِ ليه عملتي كده؟

قالت بمنتهى الثقة:

— علشان الست دي دخلت بيني وبين ابني.

قلت وأنا ببصلها:

— لا يا طنط… أنا اتجوزت ابنك.

لكن إنتِ كنتِ عايزة تفضلي مراته.

شهقت أخته.

أما هي…

فاحمر وشها من الغضب.

رفعت إيدها كأنها هتضربني.

لكن ابنها مسك إيدها لأول مرة.

وقال بحزم:

— كفاية.

بصتله بصدمة.

— إنت ماسك إيدي؟!

— أيوه… لأنك غلطتي.

أول مرة…

من يوم جوازنا…

يقف في وش أمه.

لكن الغريب…

إني ما حسيتش بأي انتصار.

كنت متأخرة جدًا.

الكلمة دي كان لازم يقولها من تلات سنين.

مش النهارده.

قال وهو بيقرب مني:

— اديني فرصة أصلح كل حاجة.

ابتسمت بهدوء.

— تعرف المشكلة إيه؟

هز راسه.

قلت:

— إنك فاكر إن المشكلة كانت السفر.

لكن الحقيقة…

المشكلة كانت الاختيار.

كل مرة…

كنت بتختار أمك.

وتسيبني.

كل مرة كنت بتختار راحتهم…

على كرامتي.

وكل مرة كنت بتطلب مني أفهم…

من غير ما مرة واحدة تطلب منهم يحترموني.

مد إيده يمسكني.

رجعت خطوة لورا.

قلت:

— متلمسنيش.

وقف مكانه.

كأن الكلمة وجعته.

لكن وجعه…

ما كانش يساوي نقطة من اللي عشته.

في اللحظة دي…

المحامية دخلت البيت.

كانت جاية في الموعد اللي اتفقنا عليه.

أخرجت مجموعة أوراق من الشنطة.

وقالت:

— دي قائمة بالمستندات الخاصة بتقسيم الممتلكات، ودي جلسة التسوية قبل المحكمة.

أمه صرخت:

— تقسيم إيه؟! ابني اللي صارف عليها عمره كله!

المحامية ابتسمت.

وقالت بهدوء:

— الحقيقة… بعد مراجعة الحسابات، الصورة مختلفة تمامًا.

فتحت ملفًا سميكًا.

وقالت:

— خلال آخر خمس سنوات، الزوجة هي اللي كانت بتسدد أقساط البيت من حسابها.

وهي اللي دفعت تجديد المطبخ.

وهي اللي سددت أقساط العربية.

أما تحويلات الزوج…

فكان أغلبها رايح لحساب والدته.

ساد الصمت.

أخوه بصله بدهشة.

— الكلام ده بجد؟

ما ردش.

لأنه عارف…

إن كل كلمة مكتوبة بالأرقام.

المحامية طلعت كشفًا تاني.

وقالت:

— وفيه نقطة مهمة.

حضرتك استخدمت البطاقة الإضافية الخاصة بالزوجة في حجز آخر رحلتين للعيلة.

بصيتله.

كانت دي أول مرة يعرف…

إني عرفت الحقيقة من زمان.

قال بصوت مرتعش:

— إنتِ… كنتِ عارفة؟

قلت:

— من أول رحلة.

اتسعت عينه.

— أمال ليه سكتي؟

ابتسمت ابتسامة حزينة.

— كنت مستنية أشوف…

في يوم هتختارني بإرادتك؟

ولا هفضل دايمًا آخر واحدة في حياتك؟

وللأسف…

الإجابة جات بعد تلات سنين.

لكن بعد ما قلبي بطل يستناك.

نزلت دموعه لأول مرة.

وقال:

— أنا خسرتك.

بصيتله آخر نظرة.

وقلت:

— لا…

إنت خسرت نفسك…

لما سمحت لأي حد يقنعك إن مراتك مش من عيلتك.

ثم وقعت على آخر ورقة في الملف…

وأغلقت الصفحة الأخيرة من قصة استحملت فيها أكثر مما ينبغي.

لكنها كانت أيضًا…

أول صفحة في حياة جديدة بدأت فيها أختار نفسي قبل أي شخص آخر.

الفصل الخامس
بعد ما وقعت على آخر ورقة…
قفلت المحامية الملف بهدوء.
وقالت:
— كده خلصنا إجراءات جلسة التسوية.
لو ما حصلش اتفاق… هنكمل في المحكمة.
هزيت راسي.
— مفيش اتفاق.
بصلي جوزي برجاء.
— حتى مش هتسمعيني؟
رديت من غير انفعال:
— أنا سمعتك تلات سنين.
دلوقتي جه دوري.

خرجت المحامية.
وأخوه وقف قدامي وقال:
— والله أنا ما كنتش أعرف إن الموضوع وصل لكده.
ابتسمت ابتسامة باهتة.
— لأنكم كنتوا شايفين اللي يعجبكم بس.
قال باستغراب:
— يعني إيه؟
قلت:
— فاكر كل مرة كنتوا تسافروا؟
كلكم كنتوا بتتصوروا.
وتضحكوا.
ولا مرة حد فيكم سأل:
“فين مرات أخونا؟”
ولا مرة طفل من ولادكم قال:
“هي مش جاية ليه؟”
ولا مرة واحدة من مراتكم استغربت.
كلكم كنتوا عارفين…
وساكتين.
نزل عينه في الأرض.
لأنه ما قدرش ينكر.

أمه قالت بعناد:
— وإيه يعني؟
هي كانت قاعدة في بيتها.
ما حصلهاش حاجة.
لفيت ناحيتها.
وقلت بهدوء:
— لأ… حصل.
كل مرة كنتوا تستبعدوني فيها…
كنتوا بتق/تلوا جزء من احترامي لنفسي.
وأنا اللي غلطانة…
إني فضلت أديكم فرص.

جوزي قرب من أمه.
وقال لأول مرة بنبرة حادة:
— كفاية.
رفعت حاجبها.
— نعم؟
— أنا السبب.
مش هي.
أنا اللي كنت لازم أقول:
“يا مراتي تيجي…
يا أنا مش مسافر.”
كل الموجودين سكتوا.
حتى أبوه…
اللي كان طول الوقت بيتفرج.
اتنهد وقال:
— كنت فاكر الموضوع بسيط.
لكن الظاهر إننا ظلمناها.
أمه بصتله بصدمة.
— إنت كمان؟
قال وهو بيقوم من مكانه:
— آه.
لأن مرات ابني كانت المفروض تبقى بنتي.
مش ضيفة بنستبعدها وقت ما نحب.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى